حين عادت الجغرافيا إلى الاقتصاد - مدحت نافع - بوابة الشروق
الإثنين 21 سبتمبر 2026 7:07 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد وضع قواعد قانونية وبرتوكولية لجولات المسئولين الرسمية؟

حين عادت الجغرافيا إلى الاقتصاد

نشر فى : الإثنين 21 سبتمبر 2026 - 6:00 م | آخر تحديث : الإثنين 21 سبتمبر 2026 - 6:00 م

لم يحتج العالم إلى أزمات هرمز وباب المندب ليدرك أن الجغرافيا لم تغادر الاقتصاد، لكنه احتاج إلى هذا الاضطراب فى حركة التجارة والطاقة ليتذكر أن العولمة والتكنولوجيا لم تلغيا أثر الموقع والممرات. بل كلما ازدادت سلاسل الإمداد ترابطًا، أصبح الاقتصاد العالمى أكثر حساسية لأى نقطة اختناق فيها.


• • •
من هنا تأتى أهمية كلمة الدكتورة رانيا المشاط فى اجتماع مجلس الأمن بصيغة «آريا» فى السابع عشر من سبتمبر الجارى؛ فهى لم تكن مجرد مداخلة حول أمن الملاحة، وإنما قراءة اقتصادية لعالم تتداخل فيه الجغرافيا مع الأمن والطاقة والتجارة والتنمية. واجتماعات «آريا»، التى سُمّيت نسبة إلى الدبلوماسى الفنزويلى دييغو أريا، هى صيغة غير رسمية تتيح لمجلس الأمن حوارًا أوسع وأكثر مرونة مع الخبراء والمسئولين. وفى هذا الإطار، جاءت رسالة المشاط واضحة: التكنولوجيا والعولمة جعلتا العالم أكثر اتصالًا، لكنهما لم تلغيا الجغرافيا، بل ربما زادتا من أثرها عندما تضطرب إحدى حلقات شبكة التجارة العالمية.


وهنا تحديدًا تكمن أهمية كلمتها. فهى لم تتعامل مع أمن الملاحة باعتباره قضية عسكرية أو بحرية منفصلة، وإنما أعادته إلى سياقه الاقتصادى والاجتماعى الأوسع: أمن الملاحة هو أمن للطاقة والغذاء والتجارة، وهو فى النهاية جزء من أمن التنمية نفسها. وكان اختيار عنوان الجلسة التى دعت إليها البحرين معبرًا: «بحار آمنة، أمن مشترك، حماية حرية الملاحة فى بيئة أمنية متغيرة». فالمشكلة لم تعد مجرد حماية سفينة تعبر مضيقًا، وإنما حماية شبكة عالمية مترابطة من التدفقات. وقد حذرت الوثائق التحضيرية للاجتماع من أن اضطراب طريق بحرى رئيس يمكن أن ينتقل سريعًا إلى تدفقات الطاقة والتجارة وسلاسل الغذاء والعمليات الإنسانية.


لكن ما يميز طرح المشاط أنه لم يتوقف عند هذه الحقيقة، وإنما انتقل به من مستوى الأمن إلى مستوى التنمية. فإذا اضطربت حركة السفن، لا تتأخر السفن وحدها، بل ترتفع تكلفة التأمين، وتطول الرحلات، ويزداد استهلاك الوقود، وتتغير جداول التسليم، وتتراكم المخزونات فى بعض الموانئ، وقد تتعرض المصانع لنقص المدخلات، ثم تنتقل التكلفة فى النهاية إلى المستورد والمستهلك.


• • •
قد أوضحت الأونكتاد، فى تقييمها لاضطرابات قناة السويس والطرق البحرية الأخرى، أن إعادة توجيه السفن حول رأس الرجاء الصالح أطالت الرحلات ورفعت تكاليف الوقود والتأمين والعمالة، وزادت الضغوط على سفن الحاويات والموانئ وسلاسل الإمداد. ومن هنا كانت إحدى أكثر عبارات المشاط دقة: «لا يبدأ التهديد عندما يُغلق الممر فحسب، بل عندما يصبح المرور فيه مخاطرة لا تستطيع شركات النقل والتأمين تحملها».


وتقدم التطورات الأخيرة فى هرمز وباب المندب مثالًا واضحًا على ذلك. فعندما تنخفض حركة السفن فى أحد الممرات الاستراتيجية، لا ينحصر أثر ذلك فى المياه التى تمر بها السفن، وإنما يمتد إلى أسعار الطاقة، والتأمين، وتكاليف النقل، ومواعيد التسليم، ثم إلى تكلفة السلع والخدمات وهو ما نصفه دائمًا بالتضخم اللزج.


فهرمز وباب المندب ليسا طريقين منفصلين، وإنما حلقتان فى منظومة تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر ثم إلى قناة السويس والبحر المتوسط. ولهذا فإن انتقال الخطر من مضيق إلى آخر لا يعنى اختفاءه، كما أن وجود طريق بديل لا يعنى بالضرورة وجود بديل اقتصادى مكافئ. وقد أشار المعهد الدولى للدراسات الاستراتيجية إلى محدودية البدائل المتاحة أمام تدفقات الطاقة الخارجة من الخليج، وأن خطوط الأنابيب لا تستطيع ببساطة استيعاب الأحجام ذاتها، كما أنها ليست بمنأى عن المخاطر.


• • •
وهنا تبرز مصر فى قلب المعادلة، ليس فقط بحكم قناة السويس، وإنما بحكم موقعها فى شبكة أوسع من التجارة العالمية. فالممر البحرى لا يصبح حيويًا لمجرد وجوده على الخريطة. فأهميته الحقيقية تنبع من قدرته على الارتباط بموانئ فعالة، وشبكات طرق وسكك حديدية، ومناطق لوجستية، وخدمات تمويل وتأمين، وإجراءات جمركية سريعة، وقدرة على تحويل البضائع من وسيلة نقل إلى أخرى بكفاءة.


وهذا ربما أحد أهم الدروس التى يمكن استخلاصها من كلمة المشاط: الأمن لا يحمى الممرات وحده؛ البنية الأساسية والربط والتكامل هى التى تمنح الممرات قدرة أكبر على الصمود. ولذلك لم يكن حديثها عن «تعدد الممرات» كافيًا فى حد ذاته. قالت بوضوح: «فتعدد الممرات لا يضمن استمرار الإمدادات.. بل تكاملها هو ما يصنع الفارق».


وهذه فكرة تتجاوز حدود الأزمة الحالية إلى استراتيجية اقتصادية عربية طويلة الأجل. فالمنطقة لا تحتاج فقط إلى مزيد من الطرق، وإنما إلى شبكات مترابطة تسمح بتحويل مسار التجارة عند الضرورة، وموانئ تستطيع استيعاب الصدمات، وربط برى وسككى يجعل الممرات البحرية أكثر مرونة، ونظم معلومات تستطيع اكتشاف الاختناقات قبل تحولها إلى أزمات.


ومن اللافت أن هذا البعد المؤسسى ظهر أيضًا فى المقترحات التى تحدثت عنها المشاط بشأن فريق العمل الإقليمى للنقل واللوجستيات وسلاسل الإمداد، وآليات الرصد المبكر وغرف عمليات إدارة الأزمات. فالفكرة ليست انتظار الأزمة ثم البحث عن طريق بديل، وإنما بناء القدرة على اكتشاف نقطة الاختناق قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا يقودنا إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة، وهى الحلقة الأكثر هشاشة فى مثل هذه الصدمات. فالشركة الكبيرة تستطيع فى أحيان كثيرة تنويع الموردين والأسواق أو شراء كميات أكبر والتفاوض على شروط أفضل، بينما تكون الشركة الصغيرة أكثر تعرضًا لارتفاع تكاليف النقل والتأمين والطاقة.


ولذلك كانت الإشارة إلى هذه الشركات مهمة للغاية. فالخطر ليس فقط فى أن تتوقف التجارة مؤقتًا، وإنما فى أن تخرج شركات صغيرة من السوق بصورة دائمة، فتعود التجارة بعد الأزمة فى هيكل أكثر تركّزًا وأقل قدرة على خلق فرص العمل. وهنا يصبح أمن الملاحة قضية اجتماعية بالفعل.


• • •
وفى السياق نفسه، جاءت مداخلة توماس كازاكوس، الأمين العام للغرفة الدولية للملاحة البحرية، لتضيف زاوية أخرى. فقد شدد على أن السفن التجارية والبحارة مدنيون لا ينبغى أن يصبحوا أطرافًا فى الصراعات الجيوسياسية، مؤكدًا أن قدرة السفن التجارية على الإبحار بأمان وبصورة يمكن التنبؤ بها تمثل عنصرًا أساسيًا فى النظام التجارى العالمى.


ولا يقل أهمية عن ذلك أن مفهوم الأمن البحرى نفسه يتغير. فالمخاطر لم تعد عسكرية وتقليدية فقط، وإنما تشمل الأنظمة غير المأهولة والهجمات السيبرانية والتشويش على الاتصالات والمخاطر التى تواجه البنية الأساسية الحيوية. ومن ثم فإن الاستثمار المطلوب لم يعد استثمارًا فى أرصفة وموانئ وسفن فقط، وإنما أيضًا فى البيانات والإنذار المبكر والأمن السيبرانى والقدرة على مشاركة المعلومات واتخاذ القرار بسرعة.


وهنا أعود إلى الجملة التى اختزلت جوهر كلمة الدكتورة رانيا المشاط: «لقد عادت الجغرافيا». والجغرافيا لم تعد فقط تحدد أين تمر السفن، وإنما تحدد أيضًا أين تتركز المخاطر، وأين تتجمع الطاقة، وأين توجد البدائل، وأين يمكن أن تتوقف سلاسل الإمداد. فإذا كانت الجغرافيا تمنح بعض الدول مواقع استراتيجية، فإن السياسات تمنحها القدرة على تحويل هذه المواقع إلى قيمة اقتصادية. وإذا كانت الأزمات تكشف نقاط الضعف، فإن الاستثمار فى البنية الأساسية والتكامل الإقليمى يمكن أن يحولها إلى نقاط قوة.


• • •
من هنا جاءت دعوة المشّاط إلى «مواجهة قوة الجغرافيا بقوة التعاون». وهى، فى جوهرها، ليست عبارة دبلوماسية فقط، وإنما رؤية اقتصادية لمنطقة شديدة الترابط وشديدة التعرض للصدمات فى الوقت نفسه. ولذلك فإن قيمة كلمة الدكتورة رانيا المشاط لا تكمن فقط فى أنها ألقيت أمام مجلس الأمن، وإنما فى أنها قدمت نموذجًا لما يمكن تسميته الدبلوماسية الاقتصادية التنموية: أن نأخذ قضية تبدو أمنية فى ظاهرها، ونكشف آثارها على التجارة والطاقة والغذاء والاستثمار والتشغيل، ثم ننتقل من التشخيص إلى بناء القدرة على الصمود. لقد تحدثت المشاط عن الأمن، لكنها لم تفصل الأمن عن التنمية. وتحدثت عن التجارة، لكنها لم تنظر إليها باعتبارها مجرد حركة سفن. وتحدثت عن الجغرافيا، لكنها لم تجعلها قدرًا محتومًا.


فالعالم الذى راهن طويلًا على أن العولمة ستجعل الجغرافيا أقل أهمية يكتشف الآن أن العولمة نفسها جعلت الاقتصاد أكثر حساسية لأى اضطراب فى نقطة استراتيجية. وربما يكون الدرس الأهم أن القدرة على الصمود لا تُبنى وقت الأزمة، وإنما قبلها بسنوات، من خلال الاستثمار فى البنية الأساسية، وتنويع مصادر الإمداد، وربط الممرات، وتطوير المؤسسات، وبناء آليات إنذار مبكر وتعاون إقليمى فعّال.


كاتب ومحلل اقتصادى

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات