منذ أكثر من 30 عامًا، جسّد الفنان عادل إمام على خشبة المسرح رجلًا بسيطًا يشبه حاكمًا ديكتاتوريًا إلى حد التطابق، ليكشف للناس أن أخطر ما يهدد أى سلطة ليس المعارضة، بل عزلتها عن صوت الشارع. اليوم، بينما يخرج آلاف التونسيين مطالبين برحيل رئيسهم، ويعلن شباب فى طرابلس عصيانًا مدنيًا ضد حكومتهم، يبدو هذا الدرس القديم أكثر إلحاحًا، وتضيف إليه تجربة حديثة فى الهند بعدًا جديدًا: كيف يمكن لحكومة أن تتعامل بذكاء مع غضب الناس بدلًا من تجاهله؟ فالمشكلة ليست فقط أن الغضب الشعبى بلغ ذروته فى أكثر من بلد فى وقت واحد، بل أنّ مجتمعاتنا التى عاشت سنوات طويلة تحت تأثير مواقع التواصل الاجتماعى أصبحت أرضًا خصبة لما يمكن تسميته حرب المعلومات، حيث تسبق الشائعة الحقيقة دائمًا. والحل ليس فى إسقاط الحكومات ولا فى تكرار شعار محاربة الفساد كل مرة، بل فى تقوية آلية التشاور التى تجمع الحكومة والمجتمع وقطاع الأعمال حول طاولة واحدة، قبل انفجار الأزمة فى الشارع أو انتشار كذبة فى الهواتف.
فى تونس، خرج المحتجون يوم عيد الجمهورية نفسه، وهو نفس التاريخ الذى جمّد فيه الرئيس قيس سعيد عمل البرلمان قبل خمس سنوات بالتمام، ورفعوا شعارات بسيطة وقاسية مثل «لا ضوء ولا ماء، الحبس والغلاء»، احتجاجًا على انقطاع الكهرباء والمياه فى موجة حر شديدة. وقد تفاقمت الأزمة بفعل حرائق غابات متتالية اجتاحت البلاد، إذ سجلت تونس نحو 90 حريقًا خلال أسبوعين فقط، ما زاد الضغط على شبكة الكهرباء ودفع الشركة الوطنية للكهرباء والغاز إلى تطبيق قطع دورى للتيار. وردّت السلطة باتهام أطراف مجهولة بتأجيج الأزمة، وتكليف القضاء بملاحقة المحتجين، من دون أن تقدّم حلًا لمشكلة الكهرباء. وفى الأسبوع ذاته، ولكن عبر الحدود، أعلن شباب فى طرابلس عصيانًا مدنيًا إثر موجة انقطاع للكهرباء والمياه وتردى الخدمات، وأغلقوا مقار حكومية، لكن مطلبهم كان أوسع من مطلب التونسيين: إسقاط كل الأجسام السياسية المتصارعة على الشرعية فى بلدهم دفعة واحدة.
والأرقام الرسمية تفسر جزءًا كبيرًا من هذا الغضب. فحسب بيانات المعهد الوطنى التونسى للإحصاء، استمر معدل البطالة العام فى تونس عند 15% خلال الربع الأول من سنة 2026، واستقر بين الشباب دون الـ24 عند مستوى 37%، بينما تجاوز التضخم 15% فى الشهر الماضى.
أما فى ليبيا، فتشير بيانات منظمة العمل الدولية إلى أن معدل البطالة العام يبلغ 18% تقريبًا، بينما يتضاعف بين الشباب ليصل إلى نحو 50%. كما تمتد الأزمة الليبية لتعكس الهشاشة الأمنية الدائمة، إذ شهدت مدينة الزاوية قبل أشهر اشتباكات مسلحة قرب مصفاة نفط كبرى أدت إلى وقف تشغيلها بالكامل، وهو ما يوضح كيف يمكن لأزمة خدمية بسيطة أن تتحول فى لمح البصر إلى صدام مسلح بين ميليشيات متنافسة على النفوذ.
* • •
والسؤال المنطقى الذى يطرحه كثيرون: إذا كانت نتيجة الاحتجاج غير مضمونة، وتزيد الأوضاع سوءًا بعدها، أليس من الأفضل اللجوء لحلٍّ آخر؟ التحليل السياسى يبين لنا أن الغليان ليس قرارًا محسوبًا بالأرباح والخسائر، بل هو لحظة يشعر فيها الناس أن الصبر على الأوضاع أصبح غير محتملٍ. ولا يعنى ذلك أن التغيير للأفضل قادم، فالغضب وحده، من دون بوصلة، يتحول إلى حلقة مفرغة عانت منها تونس وليبيا: احتجاج، ثم قمع، ثم هدوء مؤقت، ثم تكرار الأزمات.
هنا يكمن الخطر، فمجتمعاتنا التى عاشت سنوات طويلة تحت تأثير مواقع التواصل الاجتماعى أصبحت أكثر هشاشة أمام ما يمكن تسميته حرب المعلومات. لم يعد كافيًا أن ترد الحكومات بعد ساعات أو أيام؛ فالجهات الرسمية مطالبة اليوم بالرد السريع والشفاف خلال دقائق لا ساعات، قبل أن يسبقها الخبر الملفّق أو الناقص إلى ملايين الهواتف ويصبح هو الرواية الوحيدة التى يصدقها الناس.
وهذا بالضبط ما تعلمته الهند قبل أسابيع قليلة. حين وصف رئيس المحكمة العليا الهندية بعض الشباب العاطلين عن العمل بأنهم «صراصير»، تحوّلت الكلمة إلى موجة سخرية اجتاحت الإنترنت، فأسس شاب فى الثلاثين من عمره كيانًا ساخرًا أسماه «حزب شعب الصراصير»، محاكيًا به اسم الحزب الحاكم. وبعدما اندلعت فضيحة تسريب أوراق امتحانات القبول بكليات الطب، وجد هذا الحزب الرقمى الساخر نفسه فجأة فى قلب أكبر موجة احتجاجات شبابية تواجهها حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودى منذ توليه السلطة قبل أكثر من 12 عامًا، وخرج آلاف الشباب يطالبون بإقالة وزير التعليم. والمثير أن رد فعل مودى لم يكن تجاهلًا ولا اتهامًا للمحتجين بالتآمر، بل نزل إلى الميدان الذى اختاره الشباب أنفسهم؛ نشر مقطعى فيديو شخصيين على إنستجرام خاطب فيهما الشباب مباشرة، ووصف فضيحة التسريب بأنها مؤلمة، وتعهد بعدم التسامح مع من يضر بمستقبلهم، بينما فتحت الحكومة فى الوقت نفسه قنوات تفاوض مع قادة الحركة ووعدت بإصلاح نظام الامتحانات ومحاكمات سريعة للمتورطين. لم يكن الرد مثاليًا ولا كافيًا بالنسبة لكثير من المحتجين، لكنه أظهر فرقًا جوهريًا عمّا نراه فى تونس وليبيا: حكومة اختارت أن تتحدث بلغة الناس وجيل «زد» وفى المكان الذى يتجمعون فيه، بدلًا من أن تنتظرهم فى الشارع بقوات مكافحة الشغب فقط.
* • •
الدرس المشترك بين الهند وتونس وليبيا واحد: التقدم الحقيقى لا يأتى من إسقاط الحكومات ولا من تكرار الحديث عن إنهاء الفساد فقط، فالفساد نفسه غالبًا ما يكون عرضًا لمشكلة أعمق هى غياب الشفافية وغياب قناة تواصل دائمة وموثوقة.
والحل يكمن فى آلية مؤسسية تجمع الحكومة والمجتمع وقطاع الأعمال فى تخطيط دائم، لا فى اجتماعات شكلية بعد وقوع الأزمة، بل مجالس تشاورية لها صلاحية حقيقية، وعقود شفافة مع القطاع الخاص للاستثمار فى البنية التحتية، ومنصات تواصل مباشرة بين الأحياء والمسئولين قبل أن تتحول الشكوى إلى قطع طريق، وقنوات إعلامية رسمية سريعة تسبق الشائعة بدلًا من أن تلاحقها.
ما ينقصنا غالبًا ليس الفكرة بل الإرادة السياسية لتطبيقها بجدية واستمرارية، بعيدًا عن اللقاءات الموسمية التى تنتهى بمجرد انطفاء الأزمة الإعلامية. فهل تبادر الحكومات اليوم لتعزيز الآلية الدائمة التى تسمع فيها فعلًا لصوت الناس قبل أن يصل الغضب إلى الشارع أم أن الدرس نفسه سيتكرر جيلًا بعد جيل؟
باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية