لقد أصبحت العلاقات الدولية المعاصرة بحاجة إلى نمط جديد من التحليل النفسى والتفسير الموضوعى للقرارات والمواقف، فقد أضحت لغة الدول سياسيًا مزدوجة يختلف فيها الجوهر عن المظهر وتخاطب القيادات من خلالها شعوبها خطابًا استهلاكيًا داخليًا، فالرئيس الأمريكى مثلًا مشغول بصورته أمام شعبه ويرى أن من حقه أن يكون الآمر الناهى حتى على الدول الأخرى والشعوب التى تعارضه، والنظام الإيرانى يسعى على الجانب الآخر إلى تأكيد سيطرته على الفلسفة الإسلامية للدولة من منطلقٍ فارسى تاريخى بحت فهو يريد أن يشعر الإيرانيون أنه متشدد أمام واشنطن وقادر على تغيير المواقف وتوجيه السياسات فنحن الآن بحق أمام نماذج متغيرة من الحكام وأصناف جديدة من القادة على المستوى العالمى خصوصًا وهذا يدعونا إلى طرح عدد من التساؤلات التى نراها مبررًا لفهم طبيعة الأمور ومضمون السياسات ويمكن أن نشير إلى ذلك من خلال المحاور الآتية:
أولًا: أميل شخصيًا إلى الاعتماد على المدرسة السلوكية التى تقوم على التحليل النفسى والاجتماعى لتاريخ القادة وتكوين شخصياتهم وأرى أن الإنسان هو ابن ظروفه ونتاج البيئة الحاضنة له والمناخ السائد فكريًا وأخلاقيًا فى عصره وأرى أن قرارات رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وهى تقوم على التفرد الظاهرى والمبالغة التحكمية والإحساس الزائد بالذات، ولقد أدركت مبكرًا أن شخصية الحاكم الفرد ذات تأثير كبير ورؤية مؤثرة بالأحداث والمواقف ولذلك فإننى لا أعادى كثيرًا النظرية القائلة بأهمية حكم الفرد ولا أزعم أيضًا أن دور الفرد محدود فالمسألة فى النهاية تخضع لظروف كل بلد وأحوال أهلها.
ثانيًا: دعنا نعترف بأن الدول ليست متساوية إلا نظريًا فقط إذ إن هناك عوامل أخرى تتحكم فى مكانتها بمفهوم الديموقراطية بمعناها الواسع، فأنا أزعم أن ذلك كله هى مبررات للدخول فى عصر الحريات وإدعاء العدالة والتمسك بوهم يسمى الشرعية الدولية بينما الحق غائب والقوة هى المسيطرة، وما أكثر ما رأينا من دول ذات تاريخ عريق وماض مجيد تستسلم للواقع وتقبل ما لا يمكن قبوله بينما هناك دول أخرى تتمسك بالأيديولوجيا وتتعلق بتاريخ غيرها وقد تحقق بعض الانتصارات المرحلية ولكنها لا تتمكن من تثبيت ما هو مطلوب لها وتحقيق الأهداف النهائية التى تسعى إليها.
ثالثًا: يخلط كثير من الباحثين والمتخصصين فى العلاقات الدولية والمدارس الدبلوماسية المعاصرة بين بعض المفاهيم فلا يجدون فارقًا كبيرًا بين الخلاف والاختلاف فالخلاف قضية تتصل بالرأى بينما الاختلاف مفهوم يتصل بالإرادة، ولذلك نلاحظ أن الفارق بين الأزمة والمشكلة فى العلاقات الدولية المعاصرة هو أن الأزمة تقوم على الخلاف فى الرأى وقد يكون عابرًا بينما الاختلاف يقوم على تباين أصيل يمتد إلى الهوية الوطنية والشخصية الذاتية لكل دولة كما أن الأزمة تتعامل على المدى القصير بينما المشكلة تتعامل على المدى الطويل وظروفه.
رابعًا: إذا تأملنا فى حياد وموضوعية قادة العالم المعاصر فسوف ندهش لحالة التراجع التى طرأت على المسرح السياسى حاليًا، فالزعامات محدودة وليس لها تاريخ طويل كما أنها لا تتمتع بشعبية كاسحة خصوصًا وأن عصر الكاريزما قد ولى وبالتالى لم تعد هناك أسماء لامعة مثل ديجول أو تشرشيل فضلًا عن مستوى غاندى ومانديلا فقد خفتت الأضواء واختفت القيادات المؤثرة وأصبحنا نعيش فى عالم محدود الصلاحية غائب الرؤية غير قادر على الدفع بقيادات جديدة وشخصيات واعدة، إننا نواجه عصرًا مختلفًا عن سابقيه فلم يعد الإعلام هو وسيلة التواصل ولا المنظمات الدولية هى الطريق إلى التخاطب بين الأمم والشعوب، فلقد تغيرت الأحوال وتبدلت الأوضاع وأصبحنا أمام تصريحات مباشرة فمن يريد أن يعرف الموقف الأمريكى مثلًا عليه أن يتابع أحاديث الرئيس الأمريكى ترامب وما أكثرها وما أغربها أيضًا وسوف يجد فيها السياسى المتخصص أو الدبلوماسى المخضرم ما يجعله قادرًا على فهم سياسات وإدارة الأمور.
خامسًا: لم يعد التميز حكرًا على البعض كما لم يعد التفوق جواز سفر وحيد للوصول إلى عالم القمة فكل الأمور محكومة حاليًا بشعارات حديثة تمثل روح العصر من حيث التقدم التكنولوجى الكاسح وعالم الذكاء الاصطناعى، فلم تعد الحياة كما كانت منذ عقود قليلة بل أضحى عصر الروبوتات علامة فارقة لعصر آخر يولد من جديد يقوم على الحداثة الكاملة والتقدم العلمى الذى قطع أشواطًا تأثرت بها الحياة السياسية والعلاقات الدولية ومعظم شئون المجتمعات المعاصرة.
سادسًا: إن الانفتاح فى المجتمعات المعاصرة قد جعل مهمة التواصل بين الأمم والشعوب أكثر سهولة مما مضى لذلك لم تعد وسائل التواصل محكومة بدرجة ما عند القمة بل أصبحنا نرى ظاهرة الرأى العام أكثر بروزًا ووضوحًا من الظاهرة الديموقراطية ذاتها، فلم يعد التلازم حتميًا بينهما بل أضحت المسألة محكومة بدرجة التعليم ونوعياته والقدرة على فهم المشكلات وتصور الأمور كما أن العامل الثقافى أصبح مؤثرًا للغاية فى إظهار طبيعة الفروق بين الزعامات المختلفة فى العالم المعاصر وذلك نتيجة نوعيات التعليم ومهارات الإدارة والقدرة على قيادة الأمور.
سابعًا: لقد قالوا إن الدبلوماسية هى حرب بالعبارات وتبادل بالوثائق والمستندات كما قالوا أيضًا أن الحرب مواجهة دبلوماسية بالسلاح حين تنتهى قدرة الحُجج النظرية والآراء السياسية فى حل النزاعات ذات الطابع المسلح، ولذلك فإن ما نشهده حاليًا على الساحة الإقليمية فى منطقة الخليج بل فى غرب آسيا عمومًا هو تعبير دقيق عن المواقف التبادلية بين الأسلحة فى جانب والتشريحات والمذكرات فى جانب آخر فى وقت يمسك فيه الرئيس الأمريكى بناصية الخطاب على الجانب الآخر من خلال وعود يومية وتهديدات متكررة ومواقف متناقضة، ولذلك يكون التساؤل المشروع هو هل السياسات التى نشهدها حاليًا والمواقف التى تبدو أمام الجميع كافية فى حد ذاتها للوصول إلى صورة حقيقية للمستقبل القريب والبعيد أم أن الضبابية والأجواء المغلفة بالغموض والمباحثات السرية والمواقف الصامتة هى التى تحدد فى مجموعها الطريق الذى تمضى فيه كل دولة من خلال هذا الصراع المعقد الذى تختلط فيه الخلفيات القومية والتوجهات الدينية والنزعات العنصرية وهى التى تشكل فى النهاية سبيكة القرار السياسى المحتمل والموقف المطلوب؟
ثامنًا: لقد قلنا مرارًا إن التحالفات الناقصة هى صيغة عصرية للعلاقات الدولية التى لا تشترط التطابق الكامل فى وجهات النظر بين الحلفاء تجاه قضايا معينة أو مواقف بذاتها بل يمكن أن يكون هناك تكتل جماعى أو تحالف ثنائى دون أن تكون المواقف السياسية والمنصات القومية متطابقة، بل يمكن أن تتفق الدولتان ( أ ) و( ب ) فى 60% أو 70% من الآراء والمواقف تاركين الجزء الباقى كمساحة للاختلاف فى ميدان للمصالح الذاتية لكل طرف دون أن يلزم بها غيره، ولعل علاقة القوى الكبرى حاليًا - وأعنى بها الولايات المتحدة والصين وروسيا الاتحادية وربما الهند وباكستان أيضًا - تمثل فى مجموعها تحالفات ناقصة بسرعات متفاوتة على مسرح الأحداث فى عالمنا المعاصر وتقبل الأطراف فى مجموعها بهذه الاختلافات ولا ترفضها وتتعايش مع الصياغة النهائية بسبيكة من المواقف تمضى بها وسط الآعاصير والعواصف فى عالم متغير يبدو غير مسبوق فى تاريخ المنظومة الدولية من قبل.
تاسعًا: إن التيارات الفكرية المعاصرة والجدلية التى أفرزت التيارات المادية فى القرنين الأخيرين هى كفيلة فى حد ذاتها بأن تضع حدًا لشطحات الساسة وآراء المفكرين فهى تضبط فى النهاية الإيقاع الصحيح لعالم اليوم.
هذه نظرة سريعة انتقلنا فيها من الشكل إلى المضمون فى محاولة لاستكشاف الطريق وارتياد الرؤى نحو مستقبل أفضل للبشرية جمعاء.
نقلًا عن صحيفة إندبندنت عربية