هل تنتهي فزاعة إغلاق مضيق هرمز؟ - بشير عبد الفتاح - بوابة الشروق
الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 1:28 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد في بعض الجهات الحكومية؟

هل تنتهي فزاعة إغلاق مضيق هرمز؟

نشر فى : الإثنين 7 سبتمبر 2026 - 9:10 م | آخر تحديث : الإثنين 7 سبتمبر 2026 - 9:10 م

 في مسعى منها للضغط على المجتمع الدولي، كلما ضاقت خياراتها الاستراتيجية أثناء الأزمات؛ عكفت إيران، منذ ثمانينيات القرن الماضي، على تهديد الورى بإغلاق مضيق هرمز. وهو الإجراء التصعيدي الذي يستتبع -في حال تمكنها من تنفيذه- ارتدادات سلبية مفجعة على الاقتصاد العالمي. وما إن أسفرت الحرب الأمريكية- الإسرائيلية الحالية ضدها عن اغتيال مرشدها السابق، الذي دأب على الاكتفاء بمجرد التهديد مخافة استعداء الجماعة الدولية واستنفارها ضد بلاده؛ حتى هرعت القيادة الإيرانية الجديدة إلى التماس السبل الكفيلة بتنفيذ تهديدات غدت آخر ما بحوزتها من ركائز القوة.

ثمة حرب سرديات بين واشنطن وطهران بشأن السيطرة على المضيق. فبينما يدعي الإيرانيون هيمنتهم عليه والتحكم بحركة الملاحة فيه؛ يزعم ترامب النجاح في سلبهم تلك الورقة الجيوسياسية الحيوية، من خلال الضغط المتزامن بالحصار البحري، والعقوبات الاقتصادية، والضربات العسكرية المكثفة. وبغض النظر عن تضارب السرديات الإيرانية والأمريكية؛ تكاد تتفق عدة روايات دولية على تواضع انعكاسات تعثر الملاحة بالمضيق على الاقتصاد العالمي، مقارنة بما كان يتوقعه ويتخوف منه الخبراء. فبعد ستة أشهر من تجدد الهجمات عليها نهاية فبراير الماضي، وما تبعها من توقف شبه كامل للملاحة في المضيق واضطراب سلاسل إمداد النفط والغاز؛ تبدو النتيجة مغايرة للسيناريوهات الأكثر تشاؤمًا التي طُرحت في مستهل الحرب. فبرغم هشاشة البنى التحتية الاقتصادية واللوجستية للنظام الطاقي العالمي، لم يفضِ أضخم اضطراب لإمدادات الطاقة في التاريخ إلى حدوث صدمة نفطية خانقة، وهو الأمر الذي يعود إلى مرونة سياستَي العرض والطلب حيال النفط والغاز.

 

أسهم انحسار الطلب العالمي على الوقود الأحفوري خلال الأزمة، إثر تراجع الاستهلاك والمشتريات لدى اقتصادات رئيسة -لا سيما في الصين التي تعد أكبر مستورد للنفط عالميًا- في تقليص الضغط الناجم عن نقص الإمدادات؛ حيث خفضت بكين وارداتها المنقولة بحرًا من النفط الخام بأكثر من خمسة ملايين برميل يوميًا، بما يزيد على 40% عن مستويات ما قبل الحرب، دون أن يفجر ذلك أزمة اقتصادية داخلية. كما لجأت الصين إلى السحب من احتياطياتها الاستراتيجية الضخمة التي راكمتها عندما كانت أسعار النفط منخفضة نسبيًا، إلى جانب الاعتماد مؤقتًا على الفحم المحلي ومصادر الطاقة المتجددة لتعويض تراجع الواردات. كذلك، فرضت بكين قيودًا على صادرات المنتجات النفطية، ونجحت في كبح جماح الطلب المحلي على الوقود الأحفوري عبر سياسات تعزز استخدام المركبات البديلة، وترشيد استهلاك الطاقة، وتوسيع الاعتماد على وسائل النقل العام. ومع سعي الدول إلى تقليل اعتمادها على واردات الهيدروكربونات المتقلبة وتنويع مصادر الطاقة خلال الأشهر الأولى لإغلاق المضيق، قفزت صادرات الصين من المركبات الكهربائية إلى 9.2 مليار دولار، بزيادة تقارب 50% على أساس سنوي. في غضون ذلك، لجأت دول العالم إلى ما تسميه وكالة الطاقة الدولية "الوقود المنسي" أو "الوقود الأول"، المتمثل في تنويع مصادر الطاقة وتحسين كفاءة استخدامها، بما يساعد على تقليص الطلب على المزيد منها.

أما بخصوص العرض، ففي حين يعبر مضيق هرمز 20% من الاحتياجات النفطية العالمية اليومية وما يقاربها من إمدادات الغاز؛ لم تتآكل تلك النسبة كليًا بإغلاق المضيق، إذ ظل يعبر ما بين 3 إلى 5 ملايين برميل يوميًا؛ ورغم كونه رقمًا أقل بكثير من العشرين مليونًا التي كانت تمر قبل الحرب، لكنه بقي بعيدًا عن التوقف التام، فيما ظلت نسبة الـ 80% الأخرى تتدفق بسيولة حول العالم. كذلك، كانت أسواق النفط تتمتع بإمدادات وفيرة حينما اندلعت الأعمال القتالية، حتى توقعت وكالة الطاقة الدولية فائضًا يقترب من أربعة ملايين برميل يوميًا هذا العام. بدورها، نسقت الاقتصادات المتقدمة مع وكالة الطاقة الدولية بشأن تنفيذ أضخم عملية سحب تاريخية من المخزونات الاستراتيجية النفطية بلغت نحو 273 مليون برميل؛ مما أسهم في تهدئة الأسواق.

 

وبفضل ثورة النفط والغاز الصخريين، وتوسع ترامب في إنتاج الوقود الأحفوري، أضحت الولايات المتحدة أكبر منتج ومُصدر للنفط والغاز عالميًا، ما ساعد في دعم المعروض. ولقد اكتسبت واشنطن مرونة إضافية بهذا الصدد إثر توقيعها صفقة تاريخية للاستثمار في النفط الفنزويلي. وببراعة ملفتة، تفننت الدول والشركات في سياسات "خفض المخاطر"، عبر استثمار البنية التحتية اللوجستية المرنة، وإيجاد بدائل ملاحية، وتجنب نقاط الاختناق البحرية. ومقارنة بصدمة النفط في سبعينيات القرن الماضي، أثبت الاقتصاد العالمي مناعة أشد؛ ففي حين تبدو الاقتصادات الكبرى اليوم أقل اعتمادًا على الوقود الأحفوري مما كانت عليه آنذاك، أسهمت طفرة الذكاء الاصطناعي في تخفيف حدة الصدمة.

 

وتوسلًا منها لتقليص الاعتماد على تجارتها النظامية النفطية، أنشأت دول الخليج شبكة لوجستية خفية "سلسلة توريد موازية" بين المياه الإقليمية الإيرانية ومناطق الرسو العُمانية والموانئ الواقعة خارج المضيق، تختفي خلالها ناقلات النفط عن أنظمة التتبع، ثم تتبادل الشحنات في عرض البحر، بينما تتولى ناقلات صغيرة "مكوكية" قطع المراحل الأشد خطورة. وهكذا، ولدت اللوجستية الخفية لهرمز كشبكة مرنة في البحر وطرق تصدير بديلة، ليظل المضيق ممرًا نافذًا رغم الحصار. وفي هذا السياق، برزت مبادرة "البحار الأربعة للطاقة" التي اقترحها معهد "نيو لاينز"، بهدف إنشاء ممر لنقل الطاقة بين سوريا وتركيا عبر ربط إمدادات الطاقة الخليجية والعراقية وبحر قزوين بتركيا والأسواق الأوروبية. وبموازاة ذلك، تبنت دول الخليج استراتيجية "الخصومات الكبيرة" التي يتحملها المنتجون لجذب المشترين وتعويض كلفة المخاطر؛ حيث يبيع المنتجون الخام داخل الخليج بنحو 50 إلى 60 دولارًا للبرميل، بدلاً من تسعيره وفق مستويات خام برنت. ويأتي هذا الخصم للمشترين بتحمل كلفة المخاطر المرتبطة بالنقل والتأمين عبر خفض السعر، بما يحافظ على تنافسية الخام الخليجي في الأسواق ويبقيه ضمن دائرة التداول.

 

ومن ثَمَّ، تدعي واشنطن أن تدفق الخام والمنتجات النفطية عبر المضيق حاليًا يتراوح بين 15 و16 مليون برميل يوميًا، أي نحو ثلثي المستوى المعتاد قبل الحرب. كذلك، تداولت مواقع إخبارية تقارير بشأن قيام الجيش الأمريكي -سرًا- بأعمال تجريف لفتح ممر ملاحي جديد قبالة الساحل العماني بعرض يقارب 488 مترًا وعمق يبلغ 28 مترًا، يسمح للسفن بالتحرك خلف جزيرة مسندم بعيدًا عن المراقبة الإيرانية. وقد كشفت مراجعة أجرتها وحدة المصادر المفتوحة لوثائق ملاحية بريطانية وأمريكية، إلى جانب بيانات تتبع السفن وصور أقمار اصطناعية، أن الفتحة البحرية المشار إليها ليست ممرًا مستحدثًا، وإنما مضيق طبيعي معروف باسم "فك الأسد" أو "باب مسندم"، كانت المصادر الملاحية قد وثقته منذ أكثر من قرن، كما رصدت استمرار حركة الملاحة عبره رغم الأزمة الحالية.

 

تبقى السيطرة الكاملة على سلاسل الإمداد العالمية مشروطة بتعطيل عدة ممرات بحرية حيوية مترابطة، مع تقويض بدائلها المحتملة، بما يحول الاضطراب الاقتصادي إلى مكسب جيوسياسي قابل للاستدامة. غير أن إيران تعجز عن بلوغ تلك المآرب؛ حيث يعتمد جل تجارتها وصادراتها النفطية على مضيق هرمز، ما يجعل مخططاتها لغلقه أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للاستدامة، كونها محكومة بموازنة دقيقة بين تعظيم كلفة الخصوم وتجنب خنق اقتصادها. فبرغم تقاطع حدودها البرية مع سبع دول، وامتداد حدودها البحرية مع بحر قزوين شمالًا، والخليج العربي غربًا، وبحر عمان جنوبًا؛ أسفر تقييد الملاحة بالمضيق عن شل اقتصادها.

 

فمع الإغلاق القسري لموانئها على الخليج والمحيط الهندي، تسببت الضربات التي طالت جزيرة "خارج" في شلل 90% من صادراتها النفطية، ما يعني خسائر يومية تناهز 140 مليون دولار؛ إذ تقلصت صادرات الخام من نحو مليوني برميل يوميًا في مارس الماضي، إلى ما بين 220 و255 ألفًا في أغسطس. بينما يضيف توقف ميناء "عسلوية" المخصص للبتروكيماويات نحو 50 مليون دولار يوميًا، لتصل فاتورة الخسائر الشهرية إلى نحو 13 مليار دولار. وقد اعترف الرئيس بزشكيان بانكماش تجارة بلاده بنسبة 35% جراء العقوبات والحصار البحري، فيما تراجعت واردات السلع الأساسية، ما أدى إلى ارتفاعات ضخمة في أسعارها.

وبإعاقتها حرية الملاحة في مضيق هرمز، استنفرت إيران المجتمع الدولي ضدها؛ فعلاوة على ترحيب دول شتى بالمشاركة في مشاريع تأمين الملاحة وتطهير المضيق من الألغام، أنشأت السعودية "التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات" بمشاركة 14 دولة، بغية حماية الملاحة الدولية وخطوط التجارة وإمدادات الطاقة بالبحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، وذلك من خلال ترتيب العمليات البحرية المشتركة وتبادل المعلومات وتنسيق الاستجابة للتهديدات.

التعليقات