تطايرت شظايا الحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية على إيران، حتى طالت إقليم شرق المتوسط. ففى مارس الماضى، أصابت مسيّرة إيرانية مدرجًا بقاعدة «أكروتيرى» الجوية البريطانية، بجنوب جزيرة قبرص، والتى سمحت لندن لواشنطن باستخدامها أثناء تنفيذ عمليات «دفاعية» ضد طهران. وفى 17 يوليو المنقضى، ألقت السلطات القبرصية القبض على إيرانى، ضمن تحقيق تجريه وحدة مكافحة الإرهاب التابعة لشرطة لندن، بشأن حوادث تتعلق بنفس القاعدة، بين 11 مايو و22 يونيو 2025، حيث وُجهت إليه اتهامات بالضلوع فى أعمال مراقبة عدائية حيال القاعدة؛ لمصلحة الحرس الثورى الإيرانى.
تجلى الدور المصرى فى الأزمة الإيرانية الحالية، فى ملمحين: أولهما، المساعى الحميدة التى تبذلها القاهرة لخفض التصعيد، ونزع فتيل التوتر، وإيجاد تسوية سلمية شاملة للأزمة. ففى سبتمبر 2025، قاد وزير الخارجية المصرى وساطة دبلوماسية ناجحة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ تكللت باستضافة القاهرة اجتماعًا ثلاثيًا، أفضى إلى توقيع اتفاق لاستئناف التعاون الفنى وعمليات التفتيش الأممى على المنشآت النووية الإيرانية؛ ابتغاء خفض التصعيد الإقليمي، ودعم المسار الدبلوماسى لحلحلة أزمة البرنامج النووى الإيرانى. وبمجرد اندلاع الهجمات الأمريكية ــ الإسرائيلية على طهران، انبرت القاهرة للوساطة بين الأطراف المتحاربة، لوقف المواجهات وإفساح المجال للمفاوضات.
فى التاسع والعشرين من الشهر المنصرم، فُجعت القاهرة بوصول شظايا المواجهات الأمريكية الإيرانية إليها، حيث تسبب هجوم بمسيّرة فى إشعال النيران بسفينتين راسيتين فى ميناء دمياط، أولاهما منصة أمريكية عائمة لتسييل الغاز الطبيعى، وثانيتهما منشأة يونانية عائمة لتخزين الغاز الطبيعى المسال. وبينما لم تعلن أية جهة مسئوليتها عن الواقعة، أكدت السلطات المصرية العثور على بقايا المسيّرة، ثم الشروع فى فحصها وتحليلها، لجمع الأدلة والمعلومات الفنية الدقيقة بواسطة الأجهزة المختصة؛ بغية تتبع مسارها، ومعرفة نوعها، وموضع إطلاقها، والجهة المسئولة عن الإطلاق. كما شكلت السلطات غرفة عمليات دائمة، تضم ممثلين عن مختلف الأجهزة المعنية، وتتولى دراسة الحادث من جوانبه الفنية والعسكرية والأمنية والدبلوماسية؛ بهدف الوصول إلى تقويم شامل لطبيعة الهجوم والجهة التى تقف وراءه، إلى جانب وضع سيناريوهات التعامل مع تداعياته ومنع تكراره. وبينما حذر الرئيس السيسى من خطورة التصعيد فى المنطقة، تعى القاهرة أهمية حق الرد؛ استنادًا إلى حق الدفاع عن النفس، الذى يكفله القانون الدولى، وفقًا للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، حيث يبقى الرد على هكذا عدوان ضروريًا للحفاظ على صدقية الردع فى مواجهة أية تهديدات، وحتى لا تقع الدولة فى دائرة الاستباحة، بحيث تكون عرضة للاستهداف المتكرر من دول أو فواعل عنيفة من دون الدول. ناهيك عن النأى بأراضيها أو منشآتها الاقتصادية عن التحول إلى ساحة لتبادل الرسائل العسكرية بين الأطراف المتنازعة، مع تجنب الانجرار إلى أتون المواجهات، أو السماح بتوسيع نطاقها، فضلًا عن مواصلة الوساطة لإنهائها.
ثمة احتمالات لقيام الولايات المتحدة بالرد على استهداف سفينة تخزين ومعالجة الغاز «إنرغوس وينتر» المملوكة لشركة أمريكية، لا سيما أن المؤشرات تشى بأن العملية الإرهابية قد دُبرت أصلًا لإلحاق الضرر بالمصالح الأمريكية، مع تجنب الإضرار بأية أهداف مادية أو بشرية مصرية. وفى أول تعليق منه على الحادث، أعلن الرئيس ترامب أنه تم إطلاعه على ما جرى فى دمياط، مؤكدًا اعتزامه قصف إيران بشدة.
تشكل واقعة ميناء دمياط تحولًا خطيرًا فى مسيرة التهديدات الأمنية للبنية التحتية للطاقة بمنطقة شرق المتوسط، حيث يكتسب الميناء أهمية استراتيجية واقتصادية فائقة، باعتباره أحد المحاور الرئيسة لمعالجة الغاز الطبيعى وإعادة تسييله وتصديره إلى الأسواق العالمية. إذ تعتمد مصر، بشكل جوهرى، على هذا الميناء فى إدارة عمليات التصدير المحلية واستقبال شحنات الغاز الواردة من الحقول الإقليمية، لإعادة معالجتها وضخها إلى الشركاء الدوليين، ما يجعل أى استهداف لمنشآته تهديدًا مباشرًا لاستقرار سلاسل الإمداد العالمية وأمن الطاقة الإقليمى. وخلال الأشهر المنقضية، استقبلت قناة السويس والموانئ المصرية نصيب الأسد من حركة الشحن، التى أعادت توجيه مساراتها بمنأى عن الخليج، باعتبارها أحد أهم البدائل المتاحة لتصدير النفط والغاز إلى الأسواق العالمية. ومن ثم، أضحى ميناء دمياط أحد أبرز المرافئ اللوجستية فى تجارة الغاز والطاقة، خصوصًا بعد تعاظم المخاطر الأمنية فى موانئ البحر الأحمر ومضيقى هرمز وباب المندب.
وفقًا للمعهود، توالت بعض التداعيات المباشرة والعارضة لحادث دمياط، من قبيل: الارتفاع المرحلى لأسعار العملات الأجنبية مقابل الجنيه، وهبوط السندات الأطول أجلًا، وتراجع أسهم البورصة المصرية، إثر تفاقم الاضطرابات الجيوسياسية، وتزايد المخاوف من تفاقم المخاطر التشغيلية، وزيادة تكاليف التأمين على السفن وناقلات الغاز. ورغم ذلك، أكدت هيئة ميناء دمياط أن الحادث لم يسفر عن أية إصابات أو خسائر بشرية، وأن فرق الطوارئ نسقت مع الجهات الفنية المختصة، والأجهزة التنفيذية، والهيئات الملاحية، لاتخاذ الإجراءات اللازمة، وفقًا للمعايير المعتمدة، وحسب خطط الطوارئ والاستجابة السريعة، مع استمرار العمل بكامل الكفاءة على احتواء الآثار التدميرية واستعادة نشاط الحركة المباشرة خلال وقت قياسى؛ حيث عادت حركة التداول بصورة طبيعية بجميع القطاعات، بما يضمن انسيابية العمليات التشغيلية والحفاظ على معدلات الأداء المستهدفة داخل الميناء. كما انتظمت حركة العمل واستمر النشاط التشغيلى بكامل طاقته، لتقديم خدماته البحرية واللوجستية، دونما توقف؛ لتلبية احتياجات الخطوط الملاحية والمتعاملين. وعلى إثر ذلك، أبقت شركات التأمين البحرى العالمية المياه المصرية فى البحر الأحمر خارج نطاق المناطق المصنفة عالية المخاطر، رغم توسيع دائرة القلق عقب الهجمات التى استهدفت سفنًا فى المنطقة، ما يعنى أن شركات التأمين لا تزال ترى المسار الملاحى المصرى أكثر أمانًا نسبيًا، وهو ما يمنح قناة السويس مزية تنافسية مهمة، إذ يساعد على استمرار تدفق السفن وتقليل الضغوط المحتملة على تكاليف التأمين المرتبطة بالمرور عبر الممر الملاحى الحيوي.
انطلاقًا من استراتيجيات «التصعيد المنضبط»، أو «حافة الهاوية»، أو «الردع غير المتماثل»، تستهدف إيران توسيع نطاق الحرب الحالية، عبر تهديد أمن الملاحة البحرية وأمن الطاقة العالميين؛ باستهداف الموانئ، والمضائق، والبنى التحتية للطاقة، والبنى اللوجستية الحيوية. وذلك ابتغاء إجبار واشنطن على وقف هجماتها، لا سيما تلك التى تستهدف البنى التحتية الطاقية واللوجستية الإيرانية، مع رفع كلفة الانتصار أو الحسم العسكرى، اللذين تتوخاهما إدارة ترامب. وليس بخافٍ أن مهاجمة هكذا أهداف تهدد أمن الملاحة الدولية والشحن العالمى، كما تهدد سلاسل الإمداد والتوريد المتعلقة بالطاقة، والغذاء، والصناعة، والذكاء الاصطناعى، كونها تواكب استعار حروب الطاقة بين روسيا وأوكرانيا، وتراجع المخزونات النفطية الاستراتيجية حول العالم، وتفاقم حرائق الغابات، وتعاظم التداعيات السلبية للتغيرات المناخية.
يفرض تعاظم الأخطار وتنامى التهديدات، التى تتربص بأمن الطاقة، على القاهرة، الطامحة إلى لعب دور المركز الإقليمى للطاقة، صياغة مقاربة استراتيجية متكاملة؛ تتيح التعاطى الناجع مع تلك التحديات، بحيث تضمن: توسيع الحماية الجوية للمنشآت الاقتصادية، وردع التهديدات غير التقليدية، وتأمين الخطوط الملاحية الحيوية. وذلك عبر حزمة تدابير على شاكلة: رفع درجات الجاهزية، وتطوير المنظومات التكنولوجية الخاصة بالإنذار المبكر والتصدى للتهديدات الجوية المنخفضة، وتكثيف المراقبة الجوية والبحرية حول كل الموانئ والمرافق الاستراتيجية، وتنسيق تعاون دولى أمنى وفنى مكثف لحماية خطوط الأنابيب، ومحطات التسييل، والسفن العائمة، وإعادة تقويم أنظمة الدفاع المتقدمة.
فلقد أفادت التحقيقات الأولية حول الحادث بأن المسيّرة المستخدمة فى الهجوم تُعد عصية على الكشف الرادارى؛ حيث تحلق على ارتفاعات منخفضة، مما يصعب رصدها. كما أن صغر حجمها يقلص مقطعها الرادارى، ويزيد صعوبة تمييزها عن الطيور. وهى أقرب إلى الشبحية، حيث يُصنع هيكلها من مواد غير معدنية صعبة الرصد راداريًا، مثل البلاستيك والألياف الزجاجية خفيفة الوزن؛ ما يخولها امتصاص الأشعة ومنع انعكاس الإشارات والموجات. كذلك، تحرم هذه الطائرة أجهزة الرادار من البصمات الثلاث، فلا تُصدر أى بصمة حرارية، وهى شبه معدومة الضوضاء، ما يمنع انبعاث بصمة صوتية. وتعتمد على نظام التوجيه بالألياف الضوئية، دون حاجة إلى نظام تحديد المواقع (GPS) أو إرسال لاسلكى، إذ تعتمد على الملاحة المستقلة بالقصور الذاتى؛ ما يقلص بصمتها الإلكترونية، ويجنبها محاولات التحييد، والتشويش، أو إعادة التوجيه.