انبعاث سردية إسقاط النظام الإيرانى - بشير عبد الفتاح - بوابة الشروق
الإثنين 24 أغسطس 2026 7:33 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

انبعاث سردية إسقاط النظام الإيرانى

نشر فى : الإثنين 24 أغسطس 2026 - 6:20 م | آخر تحديث : الإثنين 24 أغسطس 2026 - 6:20 م

أدرجت إدارة ترامب وحكومة نتنياهو مقصد إسقاط النظام الإيرانى، أو تغييره، فى صدارة مآربهما المتنوعة من وراء الهجمات العسكرية، المصحوبة بالحصار والعقوبات الاقتصادية الخانقة على طهران. ورغم قسوتها، لم تتمخض تلك الحرب الهجينة عن بلوغ ذلك المقصد؛ بقدر ما عجلت من تسريع عملية تحول سياسى حذر وبطىء، كانت تعتمل داخل هذا النظام على مدى السنوات الأخيرة من حكم المرشد السابق. فبعد عقود من التوازن الدقيق، الذى أسسه الخمينى ورعاه خامنئى الأب، بين أركان النظام الأمنية والعسكرية والدينية والسياسية؛ بدأت إيران تنتقل تدريجيًا، عقب رحيله، من نظام «ثيوقراطى»، يلامس ديكتاتورية دينية، يقودها الولى الفقيه؛ إلى شمولية أمنية ــ عسكرية، تديرها قيادات جيل الوسط المتشددين من الحرس الثورى.


بوفاة على خامنئى وقيادات الصفين الأول والثانى، نهاية فبراير الماضى، بدأ نفوذ رجال الدين فى الانحسار، لصالح صعود ما يمكن وصفه بـ«جنرالات الحرس التكنوقراط». ورغم خلفيته الدينية وتحضيره المسبق من لدن والده الراحل، أضحى المرشد الجديد، مجتبى خامنئى، يستمد قوته من الحرس الثورى، بدلًا من الاستناد إلى شرعية حوزوية مستقلة. ما يشى باختلال العلاقة بين مفاصل المنظومة الحاكمة؛ عبر انتقال مركز الشرعية الفعلى من الولى الفقيه إلى الحرس؛ الذى دأب على استلهام نفوذه ودوره من المرشد. فلقد تشكلت بنية عسكرية ــ أمنية، تتوارى فيها مركزية ولاية الفقيه أمام الإدارة الجماعية للحرس. كذلك، تحول المجلس الأعلى للأمن القومى من ميدان للتنسيق والموازنة بين مراكز القوى؛ إلى جهاز تنفيذى، يعكس قرارات وتصورات الحرس. فيما يفصح التداخل الفج بين مناصب ومهام القيادات الجديدة، عن فشل السلطة فى استبقاء الفصل المؤسسى والإدارى بين أجنحتها المختلفة.


أفضى التحول، الذى اعترى نخبة الحكم الإيرانية، إلى صعود جوقة من قيادات الحرس الثورى، أكثر تشددًا. فبعد عشرة أيام فقط على مقتل خامنئى الأب، جرى انتقال السلطة سريعًا بتعيين ابنه، مجتبى، مرشدًا جديدًا، برعاية الحرس الثورى، الذى كان أول من أعلن البيعة والولاء له. وفى مطلع أغسطس الجارى، تم الإعلان عن تعيين المرشد الجديد، أحمد وحيدى، المدرج على قائمة العقوبات الأمريكية، المعروف بمناهضته الولايات المتحدة وإسرائيل، والذى تولى قيادة «فيلق القدس»، الذراع الخارجى للحرس بين عامَى 1988 و1997، قائدًا عامًا للحرس، بعد ترقيته إلى رتبة لواء؛ مع تكليفه بتنفيذ عمليات هجومية قوية ضد العدو. وعقب وقف إطلاق النار فى إبريل الفائت، أعرب وحيدى عن رغبته فى تجميد المفاوضات والعودة إلى الحرب. وبعد غيابه عن الأنظار شهورًا، ظهر خلال مراسم وداع وتشييع خامنئى الأب، مطلع الشهر الماضى، مشهرًا سلاح التصعيد الهجومى. إذ صرح للتليفزيون الإيرانى بأن «العدو سيصطحب وهم استسلام إيران معه إلى قبره، وأن الدماء الإيرانية ستوصل طهران إلى القمة».


تضمنت عملية إعادة الهندسة السياسية تعيين محسن رضائى أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومى، وإعادة حسين طائب إلى قيادة الباسيج، مع تكليفه بتحويله إلى شبكة استخبارات شعبية، وتوحيد السيطرة العسكرية تحت قيادة على عبد اللهى. ويعتبر مراقبون التغييرات العسكرية الأخيرة فى إيران «انقلابًا ناعمًا» من لدن جنرالات الحرس الثورى على نظام الولى الفقيه. إذ بسطوا وصايتهم على منصب المرشد الأعلى، وأحكموا قبضتهم على الحكم من دون تعديل الدستور. وبعدما أجهزت الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية على غالبية قيادات جيل الحرب الإيرانية-العراقية (1980-1988)، جاءت غالبية القيادات الجديدة من «جيل المؤسسين»، الذى أنشأ الحرس الثورى فى ثمانينيات القرن الماضى. ما يشى بوجود فجوة جيلية داخل النخبة الحاكمة، مع غياب جيل ثالث من القيادات، يمتلك الشرعية والخبرة والجهوزية، التى تخوله ملء الفراغ القيادى.


رغم نزوع القيادات الجديدة نحو البراجماتية، تبقى أشد تطرفًا، وأقل قابلية للتنبؤ بسياساتها وقراراتها. فلقد استتبع تغيير القيادات تحولًا فارقًا فى الاستراتيجية الإيرانية، لجهة التعاطى مع التهديدات الأمريكية والإسرائيلية. كما أوجد جرأة غير مسبوقة على استخدام وسائل تصعيدية لتحقيق أهداف السياسة الخارجية؛ كإغلاق مضيق هرمز، والتهديد بإغلاق مضيق باب المندب، واستخدام القدرات العسكرية ضد إسرائيل، ودول الجوار، والأصول العسكرية الأمريكية بالمنطقة. حيث أعلن العميد، يدالله جوانى، نائب قائد الحرس الثورى، أن التعيينات الجديدة تؤكد اعتماد العقيدة العسكرية الإيرانية «مناهج تحوّلية»، تدهم العدو بمفاجآت استراتيجية. إذ اعتُبر تعيين أحمد وحيدى قائدًا للحرس، تعزيزًا لـ«قضية الردع الأقصى»، ومؤشرًا لنهج التحول من الدفاع إلى الهجوم، عبر توسيع الحرس وجبهة المقاومة نطاق الحرب، ورفع كلفتها على واشنطن وحلفائها. ومؤخرًا، قال وزير الخارجية الإيرانى، عباس عراقجى، إن بلاده أفشلت محاولات فرض «الاستسلام غير المشروط». كما أجهضت مساعى تغيير النظام، وتقسيم البلاد، أو حتى تسليح جماعات مختلفة داخل المدن وفى المناطق الغربية. ما اضطر واشنطن إلى المطالبة بوقف إطلاق النار، والتفاوض وفقًا للشروط الإيرانية.


يرى دانى سيترينوفيتش، الرئيس السابق لفرع إيران بالاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، أن طهران تسعى إلى خلق معادلة جديدة، تبتغى منع إسرائيل من العمل العسكرى العدوانى، ليس ضد إيران فحسب، بل أيضًا ضد شبكة وكلائها فى المنطقة. ما يعكس تحولًا جوهريًا فى الاستراتيجية الإيرانية؛ حيث يتخلى جيل جديد من القادة، بشكل متزايد، عن النهج الحذر، الذى طالما حدد ملامح السياسات الإيرانية حيال خصومها. وبدلًا من الاعتماد، بشكل أساسى، على الردع والصبر الاستراتيجى؛ بات الآن أكثر استعدادًا للمخاطرة، وتوظيف نفوذ طهران العسكرى والاقتصادى والجيوسياسى والإقليمى، لتشكيل الأحداث فى الشرق الأوسط. فى الأثناء، تؤكد دوائر استخباراتية إسرائيلية أن طهران ستحاول ممارسة ضغط عسكرى واقتصادى على الولايات المتحدة وإسرائيل، عبر استهداف منشآت طاقة وممرّات ملاحية بحرية، كما حلفاء واشنطن فى المنطقة. ما سيزيد منسوب الضغط السياسى على ترامب لإنهاء الحرب، والعودة إلى التفاوض، بشروط إيرانية. لاسيما وأن الكلفة الاقتصادية والبشرية لمواجهة عسكرية طويلة الأمد، قد تستحيل معضلة سياسية للجمهوريين، على مشارف انتخابات التجديد النصفى فى نوفمبر المقبل.


بدورها، وصفت شبكة «سى. إن. إن» الأمريكية الضربات الإيرانية الانتقامية إزاء إسرائيل، بأنها إحدى أشد محاولات طهران جرأة، حتى الآن، لإعادة رسم حدود المواجهة، التى خاضتها لعقود طويلة، عبر الوكلاء والعمليات السرية والردود المدروسة بعناية. ومن خلال استهدافها إسرائيل، ردًا على هجمات الأخيرة ضد لبنان، أرسلت طهران إشارة تفيد بأن خطوطها الحمراء لم تعد تقف عند حدودها الوطنية، وأن قادتها مستعدون لتحمل مخاطر أكبر. إذ ألمحت طهران إلى أن أى عمل عسكرى إسرائيلى ضد حلفائها الإقليميين، يمكن أن يستتبع ردًا إيرانيًا مباشرًا. فى السياق ذاته، يرى آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأمريكى السابق للسلام فى الشرق الأوسط، أن الإيرانيين، بجريرة استعدادهم للمخاطرة، واعتقادهم فى إمكانية الانتصار، يضعون الإسرائيليين والأمريكيين فى مأزق. فقد كانت طهران تحت قيادة المرشد الراحل تفضل الردود الحذرة والمدروسة، على التصعيد الأمريكى والإسرائيلى. وقد ظهر ذلك جليًا فى ردها على اغتيال واشنطن قاسم سليمانى عام 2020. حيث شن الإيرانيون ضربة صاروخية على قاعدة جوية أمريكية بالعراق، بعد إصدار تحذيرات منحت القوات الأمريكية وقتًا للاحتماء. وفى يونيو 2025، اختارت طهران مجددًا ردًا متناسبًا على الهجمات الأمريكية الإسرائيلية؛ مما يشير إلى أنها، ورغم خطابها الانتقامى النارى، لا تزال ترى أن إدارة التصعيد أمر ضرورى. فى المقابل، تشير ردودها العسكرية الأخيرة على إسرائيل إلى تغير تلك الحسابات، فقد كانت المرة الأولى، منذ عقود، التى تمتلك فيها الوسائل والقدرة والرغبة فى استخدام القوة الصلبة لردع أى عدوان إسرائيلى مباشر. وفى عقبها، حذرت إيران من أنها مستعدة لرفع مستوى التوتر، وتحدى ما وصفته بالافتراضات الإسرائيلية والأمريكية بشأن حدود ردها. ما يشى باعتقاد القيادة الإيرانية الحالية بأن كل ما لا يتسنى تحقيقه عبر الدبلوماسية، يمكن بلوغه باستخدام القوة.


بموازاة تهديداتها بإطلاق أعنف الحروب الاقتصادية ضد طهران؛ تُبقى واشنطن على «شعرة معاوية» فى التعاطى مع التحولات، التى اعترت تركيبة وتوجهات النظام السياسى الإيرانى. فبينما تتشكك إدارتها فى تمتع وفد التفاوض الإيرانى الحالى بالصلاحيات الكفيلة بإدراك الصفقة المرجوة؛ اعترف ترامب بأنه لا يدرى مع من يتفاوض على الجانب الإيرانى. ولعل هذا ما يفسر تجاوز الأمريكيين ذلك الفريق التفاوضى، وفتح قناة تواصل مع قيادات الحرس الثورى؛ عبر وسيط جديد، يحظى بثقة الطرفين، هو نيجيرفان بارزانى، رئيس إقليم كردستان العراق.

 

التعليقات