لماذا لا يسقط النظام الإيرانى؟! - بشير عبد الفتاح - بوابة الشروق
الإثنين 31 أغسطس 2026 8:19 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

لماذا لا يسقط النظام الإيرانى؟!

نشر فى : الإثنين 31 أغسطس 2026 - 6:35 م | آخر تحديث : الإثنين 31 أغسطس 2026 - 6:35 م

تشى التجارب التاريخية بأن انهيار أنظمة الحكم القمعية لا يتأتى إلا بائتلاف معطيات من قبيل: تعرضها لهزيمة عسكرية تفضى إلى تفكيك أوصالها. استنزاف مواردها الاقتصادية، إلى مستوى يسلبها القدرة على الاضطلاع بالوظائف والمهام الأساسية المنوطة بها، والكفيلة بالحفاظ على ولاء شعوبها وتماسك بنيتها. تفشى الصراعات والانقسامات داخل مؤسساتها ومنظوماتها الأمنية ــ العسكرية. تفجر احتجاجات جماهيرية واسعة ومتواصلة؛ إثر تدهور لا يُحتمل فى الأوضاع المعيشية. بما يتناغم والمنطق الديالكتيكى، الذى يرى أن التراكم الكمى البطىء يؤدى إلى تحول كيفى سريع.


بالنظر إلى الحالة الإيرانية الراهنة، لا تبدو المعطيات المذكورة آنفًا بسبيلها إلى الائتلاف؛ حتى كتابة هذه السطور، على الأقل. فعلى وقع الضغوط الاقتصادية والعسكرية الموجعة، يفتأ النظام الإيرانى يتفنن فى ابتداع السبل الكفيلة بتجفيف منابع أية انتفاضة جماهيرية. كما يواصل وأد أية رغبة فى الاحتجاج أو إرهاصات للثورة، من خلال قمع التظاهرات فى مهدها، سواء من خلال الإعدامات أو التوقيفات؛ بغية الحيلولة دون تحول الاحتجاجات الاقتصادية والهَبّات الاجتماعية إلى انتفاضة سياسية واسعة ومستدامة. وفى هذا السياق، تبدو السلطات الحالية أقل تسامحًا بكثير حيال المعارضة والحركات الاحتجاجية، مقارنة بما كان عليه الحال فيما مضى. إذ لم تتورع عن استخدام القوة المميتة لقمع الاحتجاجات، التى اجتاحت البلاد فى يناير الماضى، وواصلت ملاحقة منتقديها. حيث اعتقلت المئات ممن تسميهم «قادة الشغب»، واصفة إياهم بأنهم «عملاء» لقوى خارجية، وعناصر تخريب ونهب للممتلكات العامة والخاصة. وبحسب منظمة العفو الدولية، نفّذت السلطات ما لا يقل عن 2159 عملية إعدام خلال العام 2025، وأكثر من 500 عملية أخرى، منذ بداية العام الجارى. وتتوقع منظمة حقوق الإنسان الإيرانية توسع السلطات فى تنفيذ المزيد من الإعدامات بحقّ المحتجين وسجناء الرأى؛ بغية ترهيب الجماهير، وبثّ الذعر فى نفوسهم، حتى يحجموا عن القيام بأية احتجاجات جديدة. الأمر الذى دفع أكثر من ثلاثين دولة إلى إدانة إمعان السلطات الإيرانية فى تنفيذ عقوبة الإعدام؛ معتبرة استخدامها ضدّ المتظاهرين السلميين وسيلة لإسكات المعارضة، وقمع حرية التعبير. وفى مؤشر لافت على تنامى وتيرة القمع، منذ انطلاق الهجمات الأمريكية ــ الإسرائيلية فى يونيو 2025؛ أقدم المرشد على إعادة تعيين حسين طائب قائدًا لقوات «الباسيج». ما ينبئ عن رغبة جادة فى توسيع دورها لمراقبة الشارع، والتصدى لأية اضطرابات داخلية؛ حيث ستعمل كقاعدة اجتماعية تحت إشراف مباشر من المرشد؛ ليس بقصد قمع الجماهير فحسب، بل بغرض السيطرة، كذلك، على النخبة السياسية، خصوصًا بعدما أسفر تغليظ العقوبات المزمنة على البلاد عن مفاقمة العوامل التى سبق وأدت إلى تأجيج احتجاجات عارمة.


بموازاة ذلك، أسهمت موجات القمع السابقة فى إضعاف قدرة المعارضة على بناء حراك مستمر، وقادر على تحويل الغضب الشعبى إلى بديل سياسى متماسك. ورغم جهوزية الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لثورة جديدة؛ لا تكمن مشكلة المعارضة فى الحشد الجماهيرى، وإنما فى غياب قيادة موحدة، تستطيع توجيه حراك الشارع وترجمته إلى نقطة تحول حرجة، تشكل بدورها تهديدًا حيويًا للنظام. فكما هو معلوم، تنبع خطورة الاحتجاجات من اتساع نطاقها الزمانى والمكانى، حتى تطال المدن والأقاليم، التى تحوى حواضن اجتماعية للمنظومة الأمنية. على أن تترافق مع إضرابات عمالية ومهنية، وتصدعات فى مؤسسات الدولة ومنظومتها الأمنية. وتفصح التطورات الحالية عن أن الخوف من قسوة القمع لا يزال يشكل عقبة كأداء أمام تحول الاستياء الشعبى جراء التدهور الاقتصادى إلى انتفاضة شاملة ومتواصلة. فبرغم اشتداد وطأة الأزمات المعيشية، لا تزال الرقابة الأمنية الصارمة، والقمع الأمنى الوحشى، يكبلان مساعى الجماهير الإيرانية الغاضبة لتنظيم احتجاجات واسعة وطويلة الأمد.


فبرغم الضغوط العسكرية والاقتصادية الهائلة، لا يزال النظام الإيرانى محتفظًا بالحد الأدنى من التماسك الاضطرارى. فلم تتنازع أجهزته الأمنية والعسكرية، كما لم تنفصم عراه المؤسساتية. وربما يعود ذلك إلى طبيعة النظام نفسه. حيث لا يرتكن على قسط من الشرعية الدينية والشعبية، بقدر ما يمتلك شبكة متداخلة من المؤسسات الأمنية، والعسكرية، والسياسية والاقتصادية، على شاكلة الحرس الثورى، والباسيج، والأجهزة الأمنية والاستخباراتية. وبينما تعتقد النخبة الحاكمة أن كلفة الصمود تظل أقل من أعباء الاستسلام؛ لا ترى تلك المؤسسات استمرار النظام مجرد ضرورة سياسية، بل تعتبره صنوًا لبقائها، وحماية لمصالحها ونفوذها. ولعل هذا ما يفسر احتفاظه بقدر من التماسك المؤسسى، رغم مقتل المرشد السابق وعدد من كبار المسئولين والقادة؛ فيما لم تظهر حتى الآن مؤشرات حاسمة على انشقاق واسع داخل منظومته الأمنية والعسكرية. ورغم الانتكاسات العسكرية والاقتصادية، لا يزال قادرًا على القمع، وتوفير الحد الأدنى من وظائف الدولة، والالتفاف على العقوبات، وتوظيف مقدرات البلاد الجيوسياسية، مضيق هرمز، والأذرع الإقليمية، لرفع كلفة الضغوط عليها.


تكمن جدوى أى نظام محكم للعقوبات فى قدرته على تقليص قدرة إيران على التعايش معها أو الالتفاف عليها؛ مع حملها على الرضوخ والانصياع، بأقل قدر من الارتدادات المؤلمة على دول الجوار أو المجتمع الدولى. فعلى مدى عقود، طوَّرت طهران وشبكاتها التجارية اقتصادًا «موازيًا»، أو «مقاومًا»، غير مندمج فى الاقتصاد العالمى. كما ابتكرت أساليب متعددة للتحايل على العقوبات، كمثل، المقايضة، وشركات الواجهة، والوسطاء الإقليميين والدوليين، وأساطيل الظل. علاوة على ترتيبات وتدابير مالية وتجارية خارج القنوات الرسمية التقليدية؛ كاستخدام عملات بديلة عن الدولار. وعبر قنوات التفافية غير مباشرة، تمكنت طهران من الحفاظ على جزء من صادراتها النفطية. وحتى تؤتى موجة الإنزال والإقصاء الاقتصادى الأمريكية أكلها، لابد من أن تحظى بتعاون أطراف إقليمية ودولية مهمة. ففيما مضى، عملت إدارة أوباما بشكل مكثف مع الحلفاء، بطريقة جادة ومستدامة، لتفعيل عقوبات مغلظة ومتعددة الأطراف ضد إيران، ما أجبر الأخيرة على القبول بالتفاوض، ومن ثم التوصل إلى الاتفاق النووى المعروف بخطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015. أما إدارة ترامب، التى تجافى الدبلوماسية متعددة الأطراف، فقد اختارت بدلًا من ذلك، تهديد بقية دول العالم، لحملها على المشاركة فى إنجاح حصارها وموجتها الحالية من العقوبات ضد إيران.


ربما يضعف النظام الإيرانى اقتصاديًا وعسكريًا، لكنه لا يزال متماسكًا سياسيًا وأمنيًا، بما يكفى لتجنب السقوط. فبينما يعتمد على شبكة من الحرس الثورى، والمؤسسات الأمنية والبيروقراطية ومراكز النفوذ؛ لم تستتبع تصفية رأس الهرم، بالضرورة، سقوط الهيكل برمته. ناهيك عن أن القيادات الجديدة تنتمى إلى جيل، تشكل سياسيًا وعسكريًا، خلال الحرب الإيرانية ــ العراقية، ما يجعلها أكثر استعدادًا لتحمل الخسائر ومواصلة الصراع، بدلًا من المساومة وتقديم تنازلات تجنبًا للتصعيد. فلعل هذا التطور قد أسهم فى الحيلولة دون تحول الضغط العسكرى والاقتصادى المتعاظم إلى انهيار سياسى وشيك.


خلافًا للقيادات، التى تم الإجهاز عليها، نهاية فبراير الماضى، تبدو نخبة الحكم الحالية فى إيران أكثر جنوحًا للتشدد والتعنت، أشد ميلًا إلى التصعيد والعسكرة، وأقل رغبة فى تجنب المخاطرة. كما تروج لسردية تزعم خوض معركة وجودية مع أعداء إيران، وفى مقدمتهم الولايات المتحدة وإسرائيل. وبينما يتطلب نجاح استراتيجية الإكراه، ضرورة تيقن الطرف الذى يتعرض للإكراه من أن بمقدوره تجنب الأذى المؤكد، إذا ما امتثل لإرادة الطرف الذى يمارس الإكراه؛ من غير المرجح أن يفضى تفاقم الضغوط الاقتصادية والعسكرية الأمريكية إلى تليين مواقف حكام إيران الحاليين. حيث يظن الحرس الثورى، الممسك الآن بمقاليد السلطة فى البلاد، أن أى تنازل من لدنه لن يزيد ترامب إلا تصعيدًا وغطرسة؛ بحيث لا يتوانى عن تكثيف مساعيه لإسقاط النظام الإيرانى.


تجدر الإشارة إلى أن تفنن النظام الإيرانى فى التماس أسباب الصمود، مرحليًا، قد لا يعنى، بالضرورة، نجاحه فى النأى بنفسه عن السقوط أو النجاة من الانهيار. فثمة فارق ما بين قابليته للاستمرار؛ وقدرته على تحمل كلفة البقاء تحت الضغط، حتى حين. فبينما تتواصل أجواء التوتر والتصعيد، بصور وأدوات شتى؛ تصطدم تلك القابلية بتعاظم احتمالات لجوء ترامب إلى عمل عسكرى، يحسبه حاسمًا. بعدما تضع معركة الانتخابات النصفية أوزارها، فى نوفمبر المقبل؛ بغض النظر عما تتمخض عنه من نتائج أو تداعيات.

التعليقات