جلست مؤخرًا أمام بارافان يميزه جيدًا أبناء مؤسسة روزاليوسف من أجيال متعاقبة.
لا بد وأنهم تعرفوا فى لحظة ما على هذه القطعة الخشبية العتيقة المرسوم عليها رموز تاريخية فى السياسة، والثقافة، والصحافة، بشكل كاريكاتيرى يخص الفنان صاروخان، صاحب أول رسوم كاريكاتير ميزت مدرسة روزا.
لا أعرف على وجه التحديد تاريخ ميلاد هذه القطعة الخشبية الفنية، لكنى أعرف أن البارافان لم يتحرك كثيرًا. هو دائمًا فى مكتب رئيس مجلس الإدارة، أو العضو المنتدب للمؤسسة.
وفى نفس المكان وجدته، عندما دخلت مكتب السيدة هبة صادق خلال استقبالها الكريم لى قبل أيام.
غمرنى الصمت والرهبة عندما رأيته من جديد. وجدته صامدًا، معاندًا الزمن، والأيام، وكل من مر عليه، سواء كان جديرًا بصحبته، أو مجرد عابر بلا أثر، مثل كثيرين فى حياتنا هذه الأيام.
كأنى أنظر إليه لأول مرة طفلًا.
أسمع فى المكان صوت الحاجة سعاد رضا، العضو المنتدب للمؤسسة، والأم الراعية بعد السيدة روزاليوسف.
صوتها يختلط بصوت الأستاذ فتحى غانم، أو الأستاذ حسن فؤاد، أو أبى، أو آخرين. أسمعهم قليلًا، وألتفت لألوان الرسوم والوجوه على البارافان كثيرًا.
هذا هو يوم التحاقى بالصحافة. وهنا سمعت الكبار وتعلمت منهم. قد لا يكون ذلك مدونًا فى أى مكان، ولا تاريخ له مكتوب يمكن التصديق عليه بختم رسمى، لكنه يومى وتاريخى، ولا يهم فى ذلك سند، أو شهادة شهود.
بين لقائنا الأول، ولقائنا الأخير، ترددت على المبنى مرات لا تحصى. طفلًا، مراهقًا، شابًا، بصفة شخصية أو مهنية، حتى خرجت يومًا ولم أعد.
كان ذلك يوم أن تم صرف مكافأتى الشهرية وقدرها ١٥٠ جنيهًا عدًّا ونقدًا، دون أن أجد اسمى مطبوعًا على أى خبر على امتداد الشهر.
لم أقل شيئًا، لا أبى، ولا أى شخص غيره. انقطعت عن الظهور، وبقى انتمائى الشخصى والعاطفى للمكان ولمن فيه من أساتذةٍ عظام.
ربما كان الاتفاق الدائم غير المكتوب بينى وبين والدى، والذى استمر بيننا حتى غادرنى إلى خالقه، أن له النصيحة متى طلبتها، ولى القرار متى أخذته. كان الحق والحياء هو المعيار الذى جعله، عندما عرف السبب، يتفهم لماذا قررت الانتقال من الصحافة المطبوعة إلى المرئية.
• • •
«ربنا يحبب فيك خلقه، ويوقف لك ولاد الحلال».
مثل كل الأمهات، سمعت من أمى هذا الدعاء، ويبدو أن أصلها الطيب، وعمق إيمانها، قد فتح أبواب السماء وقت أن رددته.
كنت دائمًا محظوظًا بأساتذتى وزملائى، ولو استشعرت أن أيامًا ستأتى بما لا قِبَل لى به، أسارع بالرحيل إلى تجربة جديدة.
تعلمت وتدربت. سافرت مراسلًا صحفيًا تليفزيونيًا فى كل مواقع الأحداث الساخنة، عبرت الأطلسى بحثًا عن تجربة جديدة، عدت إلى مصر، مدركًا أن الصحفى إن لم يرتبط ببلاده، فهو نبت ضعيف بلا زهر أو ظل. نقلت بالصورة والصوت أخبارًا، وحوارات، ومعلومات تنقلها الحروف والأحبار المطبوعة على ورق.
لم أسعَ يومًا إلى مسمى وظيفى، ولا لقب يسبق اسمى على بطاقة ملونة. سعيت فقط أن أكون ناقلًا موثوقًا وأمينًا قدر طاقتى واستطاعتى، وأن يُقابل ذلك بتحقق دعوة أمى التى أحاطتنى فى كل خطوة.
تحققت دعوتها فعلًا، وأنا ممتن لها، ولله حامدٌ شاكر.
بدأت طفلًا محدقًا فى البارافان التاريخى العريق، وانتهيت على شاشة أهم المؤسسات الإعلامية العربية قاطبة. لقيت وأتلقى فيها ترحابًا، وتفهمًا، ودعمًا كما لم أعرف من قبل. هى محطتى الأخيرة التى وصلت معها إلى قمة العمل الإعلامى التى لم أحلم أبدًا بها، لكنه سعى العبد وتوفيق الرب.
بعد تراكم السنوات، راودنى الحلم القديم بعد أن حسبت أننى تحررت من قيود ألجمت حركتى فى سنوات التكوين. لا يوجد لدى ما أخفيه، ولا فى الماضى ما أخجل منه.
جوهر عملنا أن لنا حق السؤال، وللآخرين حق الرد. هذا ما تعلمته ومارسته. سألت عن الإجراء، وتقدمت فى ضوء النهار، تاركًا لأصحاب القرار ما يرونه وفق صلاحياتهم دون مصادرة أو ضغط.
أعلم أن القانون به ما يعيبه وقد تخطاه الزمن. أعلم أن الأزمات خنقت المهنة فى عصر لا يرتاح فيه أحدنا لسماع ما لا يتوافق معه، حتى وإن كان خيالًا أو وهمًا. الواقع يحاصر الجميع، والانفعال سيد كل المواقف، والعبارات إما مبهمة، أو مبتورة بسيف عداد الثوانى على الشاشات وعدد الحروف على المنصات.
وكما وجدت من يرانى جزءًا من مؤامرة كونية، وجدت من يساند ويدعم. ظهرت بعض الشوائب العالقة فى الهواء، لكنها جزء من الصورة، وعلينا أن نزيح ما تسببه من تشويش، ونضعها فى حجمها اللائق بها.
قلت لنفسى ومقربين:
«لا أتصورنى سببًا رئيسًا، ولا حتى بطلًا فى المشهد. ما حدث هو أنى ظهرت على مسرح أغلب متابعيه أنهكتهم مصاعب الطريق. سأواصل ما بدأت، وإن كان فى التجربة مجرد حافز على فتح باب النقاش أو نوافذ الأمل نحو تطبيق البديهى ولو تأخر، فهذا يكفينى ويزيد».