هل يصنع الدفاع وحده النصر؟ دروس من الرياضة والحرب والسياس - عبدالرحيم شلبي - بوابة الشروق
الثلاثاء 14 يوليه 2026 7:37 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من بطل المونديال؟

هل يصنع الدفاع وحده النصر؟ دروس من الرياضة والحرب والسياس

نشر فى : الثلاثاء 14 يوليه 2026 - 6:10 م | آخر تحديث : الثلاثاء 14 يوليه 2026 - 6:10 م

تساءلت، وأنا أشاهد مباراة سويسرا والأرجنتين: لماذا نجحت الأرجنتين فى حسم المباراة، بعدما كانت مجريات اللقاء تشير إلى أن سويسرا هى التى تفرض إيقاع اللعب؟ صحيح أن الفريق السويسرى اضطر إلى توخى قدر أكبر من الحذر بعد النقص العددى، لكن هل كان ذلك يبرر التخلى الكامل عن زمام المباراة؟ لقد شهدنا، فى كأس العالم الحالية، منتخب إنجلترا يواصل تهديد مرمى المكسيك ويخرج فائزًا رغم إكماله أكثر من أربعين دقيقة بعشرة لاعبين. عندها بدا لى أن ما حدث يتجاوز حدود مباراة فى كرة القدم، ليطرح سؤالًا أوسع: هل يكفى الدفاع وحده لتحقيق النجاح، أم أن القدرة على استعادة زمام الأمور تظل شرطًا لا غنى عنه فى كل صراع؟

وتكاد هذه القاعدة تتكرر فى مختلف الرياضات. ففى الملاكمة، لم يكن أسلوب محمد على كلاى الشهير «الحبال» دفاعًا سلبيًا، وإنما كان وسيلة لاستنزاف منافسه تمهيدًا للهجوم الذى يحسم النزال. وفى التنس، قد تفرض طبيعة الملعب اختلافًا فى الأسلوب بين لاعب يفضل البقاء عند الخط الخلفى وآخر يسارع إلى الشبكة، إلا أن الفوز يبقى فى النهاية من نصيب اللاعب الذى يحسن اختيار اللحظة المناسبة لفرض أسلوبه على منافسه. أما فى الشطرنج، فيعلم أبطال اللعبة أن ترك المبادأة للخصم كثيرًا ما يكون بداية الطريق إلى الهزيمة، وأن استعادتها هى التى ترجح، فى كثير من الأحيان، كفة الفوز. وإذا كانت هذه الحقيقة قد فرضت نفسها فى الرياضة، وفى الشطرنج الذى طالما اعتُبر أقرب الألعاب إلى فن الحرب، فهل انتهى كبار القادة والمفكرين العسكريين إلى النتيجة نفسها؟

ولم يختلف كبار المفكرين والقادة العسكريين كثيرًا حول هذه القاعدة، رغم امتدادهم عبر أكثر من ألفى عام، واختلاف الأزمنة والبيئات ووسائل القتال. فقد رأى صن تزو، الاستراتيجى الصينى، أن الدفاع ضرورة لتجنب الهزيمة، لكنه لا يكفى لتحقيق النصر. وجسد الإسكندر الأكبر، القائد المقدونى، ثم هانيبال، القائد القرطاجى، وبعدهما خالد بن الوليد، أحد أعظم القادة العسكريين فى التاريخ الإسلامى، هذا المبدأ فى ميادين القتال، حيث لم يكن الدفاع غاية فى ذاته، وإنما مرحلة تتيح استعادة زمام المبادأة وتوجيه الضربة الحاسمة. ثم جاءت حملات نابليون لتؤكد أهمية السرعة والمبادأة وتركيز القوة، قبل أن يمنح جومينى، المنظّر العسكرى السويسرى، وكلاوزفيتز، المنظّر العسكرى البروسى، هذه المبادئ إطارًا نظريًا أكثر إحكامًا. وبعد نحو قرن، جاء ليدل هارت، المفكر العسكرى البريطانى، ليطور هذا الفكر، مؤكدًا أن جوهر الاستراتيجية لا يكمن فى المواجهة المباشرة، بل فى انتزاع زمام المبادأة وإجبار الخصم على التخلى عن خطته.

التاريخ هو المحك الحقيقى لأى نظرية. فكم من جيش امتلك أعتى التحصينات، ثم انتهى إلى الهزيمة لأنه اكتفى بالدفاع وترك زمام المبادأة لخصمه. ويكفى أن نستحضر خط ماجينو الفرنسى، الذى عُدَّ يومًا أعظم منظومة دفاعية فى أوروبا، قبل أن يلتف حوله الجيش الألمانى، فيسقط الرهان على الدفاع وحده. وقد تبدو معركة بريطانيا استثناءً لهذه القاعدة، لكنها فى الحقيقة تؤكدها؛ فقد نجحت بريطانيا فى صد الغزو الألمانى، وهو إنجاز دفاعى بالغ الأهمية، غير أن الحرب لم تُحسم إلا عندما انتقل الحلفاء، بعد ذلك، إلى استعادة زمام المبادأة والهجوم. ثم جاءت الحرب على الجبهة الشرقية لتقدم نموذجًا آخر، إذ لم يكتفِ الاتحاد السوفييتى باحتواء الهجوم الألمانى، بل حوّل الدفاع تدريجيًا إلى هجوم مضاد انتهى بالوصول إلى برلين. وحتى فى عصرنا الحاضر، تكشف الحرب فى أوكرانيا أن الدولة الأضعف قد تنجح فى الصمود إذا اقترن دفاعها بهجمات مضادة تحرم خصمها من حرية فرض خططه وتنتزع منه زمام المبادأة.

ويمتد هذا المبدأ إلى مختلف مجالات النشاط الإنسانى. ففى عالم الاقتصاد، لا تحافظ الشركات الكبرى على ريادتها بالاكتفاء بحماية حصتها فى السوق، وإنما بالابتكار واستباق المنافسين. وفى السياسة، نادرًا ما ينجح من يكتفى بردود الأفعال، بينما تكون الأفضلية لمن يطرح المبادرات ويقود النقاش العام، بدلًا من الاكتفاء بملاحقة الأحداث. والأمر نفسه ينطبق على الدبلوماسية، حيث لا يكفى الدفاع عن المواقف القائمة، بل كثيرًا ما يكون النجاح حليف من يحسن صياغة المبادرات، وبناء التحالفات، وخلق وقائع جديدة على الأرض. فالمبادأة ليست دعوة إلى المغامرة، ولا تقليلًا من أهمية الدفاع، وإنما هى القدرة على الانتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن انتظار ما يصنعه الآخرون إلى المساهمة فى صناعة الأحداث.

وإذا كان لكل قاعدة استثناء، فإن الصراع على المبادأة ظل، عبر التاريخ، القاسم المشترك بين أنجح القادة، وأبرز رجال الدولة، وأنجح المؤسسات. فالمبادأة ليست مجرد وسيلة لتحقيق النصر، بل هى التعبير العملى عن الإرادة والقدرة على التأثير فى مسار الأحداث. ومن يترك زمامها لغيره، يظل، مهما بلغت قوة دفاعه، محكومًا بالإيقاع الذى يفرضه الطرف الآخر، وبالخيارات التى يرسمها له.

ملاحظة: استُلهمت فكرة هذا المقال من حوار ممتد وثرى دار بينى وبين الصديق العزيز السفير محمد قاسم، أثناء وبعد مباراة سويسرا والأرجنتين، ثم واصلنا نقاشه فى اليوم التالى. وقد انطلق الحديث من كرة القدم، قبل أن يمتد إلى الاستراتيجية والتاريخ والسياسة، فكانت تلك الشرارة الأولى التى ألهمت هذا المقال.

مساعد وزير الخارجية الأسبق

 

عبدالرحيم شلبي السفير عبدالرحيم شلبي
التعليقات