يشهد العالم مخاض تطورات وتبدلات قد تفضى إلى طى حقبة دامت منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. حقبة كان عنوانها هيمنة قوة إمبراطورية (أمريكية) بسطت سيطرتها الاقتصادية والمالية الأحادية على العالم، حتى فى ذروة احتدام الصراع بين القطبين العالميين. لم تنفع القوة العسكرية والسياسية الهائلة التى امتلكها القطب الآخر (السوفياتى) فى لجم تلك الهيمنة، وكانت النتيجة سقوطه من الداخل تحت وطأة الخلل الاقتصادى الذى أصابه وتداعياته.
لقد نجحت الولايات المتحدة عقب الحرب فى بناء منظومة مالية ومصرفية تربع الدولار على عرشها، ففرضت من خلالها هيمنتها على الاقتصاد العالمى. كانت قوة الدولار هى مصدر تلك الهيمنة وعنوانها الرئيس. واليوم، مع إرهاصات دخول العالم حقبة التعددية القطبية، هل حان موعد نزول الدولار عن عرشه؟.. سنحاول فى مقالتنا هذه الإجابة عن هذا التساؤل.
من غير المرجح التخلى عن الدولار بوصفه العملة العالمية المهيمنة فى الاقتصاد العالمى فى المستقبل المنظور. بيد أن العوامل الجيوسياسية، إلى جانب التقنيات المالية الحديثة، يمكن أن تصبح دافعًا للانتقال إلى توازن جديد مع عملات إقليمية وازنة. هذا الأمر دفع بلدان بريكس، ابتداء من العام 2009، إلى البحث فى خيارات بديلة للبنيان المالى الدولى، ومناقشة مسألة التوسع فى اعتماد العملات الوطنية فى المدفوعات والتعاملات المالية فى ما بينها. وكان ذلك إيذانا ببدء العمل بتصميم واضح على إزاحة الدولار عن عرشه فى الاقتصاد العالمى.
ومع ذلك، من غير الواقعى فى الوقت الراهن استحداث عملة موحدة لدول بريكس بسبب الاختلافات فى الهياكل الاقتصادية لهذه الدول. فوفقا ﻟنظرية مناطق العملات المثلى (Optimum Currency Area, OCA)، ثمة مجموعة من المعايير الرئيسة يجب أن تتوافر فى المنطقة (منطقة البريكس، فى هذه الحالة) كى تستحدث العملة الموحدة بنجاح. أبرزها: إمكانية حركة انتقال عالية لقوى العمل، تكامل تجارى عال، تشابه الصدمات والدورات الاقتصادية، وكذلك توافر نظام تحويلات الميزانية. ولا تزال دول بريكس بعيدة جدا حتى الآن عن كل هذه المعايير.
• • •
غالبا ما يجرى تحليل دور الدولار فى الاقتصاد العالمى من منطلقات اقتصادية كلية (ماكرو) أو جيوسياسية. وهذا الأمر لا يجانب الحقيقة بشكل عام. ولكن يجب أن يؤخذ بالاعتبار أيضًا أن النظام المالى العالمى يقوم بصورة أساسية على القرارات الاقتصادية الجزئية (ميكرو) على مستوى الشركات والمؤسسات المالية والقطاع العائلى.
من المعروف أن العملة تلعب أدوارًا أربعة فى العلاقات الدولية. فهى عملة العقد، عملة الدفع، عملة الاحتياط، والعملة كأصل مالى. وثمة حوافز مختلفة لاختيار العملة فى كل من هذه الأدوار الأربعة.
عملة العقد أو عملة الفاتورة (invoice currency)، هى العملة التى تتحدد على أساسها أسعار السلع والخدمات، ويتفق عليها قانونيًا لتسوية المدفوعات والرسوم والالتزامات المالية. وهى تؤدى فى هذا الدور وظيفة مقياس القيمة.
عملة الدفع (vehicle currency) وهى الوحدة النقدية المحددة المستخدمة لتسوية الالتزامات المالية وسداد الديون أو شراء السلع والخدمات فى العقود والمعاملات التجارية، وتعتبر حاسمة فى التجارة الدولية لتفادى مخاطر تقلبات أسعار الصرف. ويمكن أن تختلف عملة الدفع عن عملة العقد.
عملة الاحتياط (reserve currency)، تستخدم هذه العملة لمراكمة الأصول الاحتياطية، بما فى ذلك عن طريق البنوك المركزية، وتستخدم كملاذ آمن ووسيط لتسعير السلع العالمية (النفط، مثلا). وهى تؤدى هنا دور وظيفة مخزن القيمة.
العملة كأصل مالى (Financial Assets)، وهى العملة التى يتم بواسطتها تصنيف الأصول المالية: الاستثمارات المباشرة واستثمار المحفظة، الاقتراض، المساعدات التنموية.
• • •
لم تؤثر التحولات الجيوسياسية فى الأعوام الأخيرة إلى حد كبير على حصة الدولار فى المدفوعات الدولية. فهو، على الرغم من المنافسة المستجدة، لا يزال يهيمن فى تسوية هذه المدفوعات اليوم، حيث تبلغ حصته منها نحو 40%، على الرغم من أن الصادرات إلى الولايات المتحدة تشكل 10% فقط من التجارة الدولية. أما اليورو فيستخدم بدرجة أساسية فى المعاملات داخل الاتحاد الأوروبى. ولكن برز فى العقد المنصرم توجه إقليمى واضح للتخلى عنه فى تسوية هذه المدفوعات. فبدأت روسيا والصين، وكذلك بلدان أخرى من بينها تايلاند وأندونيسيا وماليزيا، إجراءات تهدف إلى التخلى عن الدولار.
كما أن تطور التكنولوجيا الرقمية من شأنه أن يعزز فى المستقبل هذا الاتجاه من خلال تطوير العملات الرقمية للبنوك المركزية وإنشاء أنظمة لتسوية المدفوعات الدولية تستخدم فيها هذه العملات. ويجرى حاليا تطوير مثل هذه المشروعات بالفعل. منها، على سبيل المثال: مشروع سيدار (Cedar)، وهو مشروع مشترك بين سنغافورة ومركز الابتكار فى نيويورك لتبادل العملات.
• • •
فى الواقع، يبقى الدولار فى الوقت الراهن العملة المركزية فى النظام المالى العالمى. ويتوقع الخبراء أن يظل محتفظًا بهيمنته فى الأعوام العشرة المقبلة؛ غير أن حصته فى احتياطيات العملات الأجنبية العالمية كانت قد شهدت تراجعًا ملموسًا فى العقود الأخيرة. بدأ هذا الاتجاه مع ظهور اليورو، وتزايد مع البروز التدريجى لليوان اقترانا مع تعاظم دور الصين فى الاقتصاد العالمى. فحسب معطيات صندوق النقد الدولى بلغت حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية 57,8% فى العام 2024، مقابل 65,4% فى العام 2016.
يبقى الدولار، كما ذكرنا، هو عملة الاحتياط الرئيسة، وذلك بفضل اختياره المتكرر من قبل البنوك المركزية لأداء هذه المهمة، وكذلك لموقعه المؤثر فى الأسواق المالية العالمية. ومن الواضح أن العوامل الجيوسياسية تلعب دورًا فاعلًا فى تنويع الاحتياطيات الدولية من العملات والذهب. علما أن هيكل هذه الاحتياطيات يتبدل فى أكثر من اتجاه. فترتفع فيه حصة الين اليابانى والدولار الكندى والاسترالى. وكذلك حصة اليوان الصينى، بفضل جهود الصين لتدويل عملتها، بواسطة خطوط المبادلة (swap lines) وتمويل مبادرة «الحزام والطريق» وتطوير العملة الرقمية. وفى ظل عدم اليقين على المستوى العالمى، تنمو حصة الذهب فى إجمالى الاحتياطيات، ويرجع ذلك إلى قرارات البنوك المركزية، وكذلك نتيجة ارتفاع أسعاره.
ثمة دراسات كثيرة تناولت وتتناول عدم قدرة الدول النامية على الاقتراض بعملتها الوطنية، والناجمة عما يعرف بمعضلة «الخطيئة الأصلية» (original sin). وكان الاقتصاديون الأمريكيون: بارى إيشنجرين وريكاردو هاوسمين وأوجو بانيتسا، أول من صاغ هذه الفرضية، ويتلخص فحواها فى أن عدم تطور الأسواق المالية للبلدان النامية يعيق اجتذاب القروض الدولية بالعملة المحلية، ويحد من أحجام القروض طويلة الأمد فى هذه الأسواق. عدد إيشنغرين وزملاؤه فى دراسة نشروها فى العام 2022 كل الأسباب البديهية لهذه المشكلة - التضخم المرتفع، الاختلالات المالية، السياسة النقدية غير المستقرة، وخلصوا إلى أن العامل الأساس ذا الدلالة الإحصائية لحجم الاقتراض بالعملة الوطنية، يتمثل فى حجم البلاد.
• • •
جميع الأدوار الأربعة للعملة مترابطة. وهذا ما تؤكده النماذج النظرية الحديثة، وكذلك يظهر بوضوح فى البيانات الواقعية. والمزايا التى تكتسبها العملة من استخدامها الواسع فى مجال ما ــ مثل أسواق مالية أعمق وسيولة أكبر، وتكاليف معاملات أقل ــ تضمن شعبيتها وقابلية انتشار استخدامها فى مجال آخر من خلال تأثيرات الشبكة. بيد أن النظرية تسمح بوجود عملات مهيمنة عدة. فعلى سبيل المثال، يمكن استخدام اليوان الصينى كوحدة حساب ثالثة إلى جانب الدولار واليورو، وبمساعدة النمذجة، يمكن إثبات أن مثل هذا السيناريو ممكن إذا اختارت بعض الدول اليوان كعملة مستهدفة. ويشغل اليورو بدوره موقعا مهيمنا عمليا ولكن على المستوى الإقليمى. بيد أن حجم عرض أصول اليورو ومرونته غير كافيين حاليا للاستخدام الأوسع على النطاق العالمى.
قد تصبح التطورات الجيوسياسية الحالية، وما يشهده العالم من أحداث وتبدلات فى موازين القوى، فضلا عن التقنيات المالية الحديثة، محركا للانتقال إلى توازن جديد، قوامه ظهور عملات إقليمية مهيمنة جديدة وانخفاض فى دور الدولار. ومع ذلك من المبكر اليوم الحديث عن اختفاء الدور المهيمن للدولار فى المستقبل المنظور. فالاقتصاد الأمريكى، وعلى الرغم من كل التحولات فى موازين القوى الاقتصادية فى العالم، يبقى حتى الآن الاقتصاد الأكبر عالميا. وهذا الواقع، مقترنا بالبنى والمؤسسات المالية والمصرفية التى نشأت عقب الحرب العالمية الثانية بهيمنة أمريكية لا تزال تحتفظ بقوتها ونفوذها، يمنح الدولار قدرة على المقاومة والاحتفاظ بموقعه المهيمن إلى أجل يعتقد البعض أنه لن يدوم طويلا.
محمد دياب
مؤسسة الفكر العربى