هواة كرة القدم وغير هواتها، نساءً ورجالًا، فى أنحاء العالم كافة، اجتذبتهم مسابقة كأس العالم للعبة، التى تنتهى اليوم 19 يوليو بالمباراة النهائية وإعلان الفائز بالبطولة. احتدمت المناقشات فى البيوت والمقاهى والصحافة ووسائط الاتصال الاجتماعى بشأن مباريات المسابقة، وانتشرت القصص حول التحكيم وأخطائه. هذا المقال ليس عن بطولة كأس العالم نفسها، وإن أشار إليها هنا أو هناك. المقال عن علاقة اللعبة بالتاريخ والسياسة والاقتصاد، وهى العلاقة التى يرى كاتب هذه السطور أنها، فضلًا عن بساطة اللعبة وقواعدها، عمّقت تعلق الجماهير بها، ولكنها جعلت ممكنًا أيضًا تسليع كرة القدم وتسويقها على النطاق المشهود اليوم.
• • •
السيطرة، والاستعمار، ومقاومته، أنتجت تبعات على انتشار كرة القدم فى مختلف أنحاء العالم. تؤرخ نشأة كرة القدم الحديثة بسنة 1863 عندما وضع الاتحاد الإنجليزى لكرة القدم عددًا من القواعد لها. أما الاتحاد الدولى لكرة القدم، فيفا الشهير اليوم، فقد أنشأته فى باريس سنة 1904 سبعة روابط أو اتحادات لدول أوروبية هى السويد، والدنمارك، وهولندا، وبلجيكا، وفرنسا، وإسبانيا، وسويسرا. يُلاحظ الطابع الأوروبى البحت للاتحاد الذى سُمّى دوليًا، وهو ما يعكس طبيعة الدول المتحكمة فى النظام الدولى فى تلك الآونة. إنجلترا، حيث نشأت اللعبة، غاب اتحادها عن تأسيس الاتحاد الدولى، تعاليًا منه على اتحادات الدول السبع أو لأن هذه لم تنزل على رغباته. انضم الاتحاد الإنجليزى إلى الاتحاد الدولى سنة 1906، وانضمت معه اتحادات إسكتلندا، وأيرلندا الشمالية، وويلز. بريطانيا، وهى دولة واحدة، مثلتها فى الاتحاد الدولى أربعة اتحادات. فى اللجنة الأولمبية الدولية، أو فى الاتحادات الدولية الأخرى كالاتحاد الدولى للتنس، تمثل بريطانيا هيئة واحدة هى اللجنة الأولمبية البريطانية أو الاتحاد البريطانى للتنس. المجلس الدولى لكرة القدم، الذى يضع قواعد اللعبة ويطورها، تكوِّنه خمسة اتحادات هى: الاتحاد الدولى، وله أربعة أصوات عند اتخاذ القرارات، والاتحادات البريطانية الأربعة، ولكل منها صوت واحد. التصويت بأغلبية ثلاثة أرباع الأصوات. المقصود بهذا الاستعراض هو بيان أثر الحقبة التى نشأت خلالها اللعبة، وسادت فيها فى العالم «الإمبراطورية التى لا تغيب عنها الشمس».
أثر التاريخ لا يتوقف عند ذلك. السيطرة السياسية تقترن بالامتداد الاقتصادى ويترتب عليها انتشار ثقافى. تجليات هذا الأثر تجدها من أمريكا الجنوبية إلى أوروبا وإفريقيا، بما فى ذلك مصر. هذا الأثر واضح فى الأسماء الإنجليزية لفرق أرجنتينية مثل ريفر بليت أو بوكا جونيورز، أو إسبانية مثل أتلتيك دى بلباو، أو ميلان، وليس ميلانو، فى إيطاليا. فى إسبانيا حتى يومنا هذا، مدرب الفريق هو «المستر»، بصرف النظر عن أنه لم يصبح بريطانيًا منذ عقود. شركات ومهندسون إنجليز لعبوا أدوارًا حاسمة فى نشأة السكك الحديدية فى الأرجنتين ومصر، ولذلك يوجد، أو كان يوجد، فريق للسكة الحديد فى كل منهما. قد لا تعرف أجيال جديدة أنه كان فى القاهرة فريق عتيد هو السكة الحديد. فى مصر نادى الترسانة، وفى كل من أوروجواى والأرجنتين نادى الترسانة، تأسيًا بنادى الترسانة - ألارسنال - اللندنى. بالشكل نفسه، مثل النادى الأهلى المصرى، توجد أندية تسمى الأهلى فى السعودية والإمارات وقطر وليبيا.
مقاومة الاستعمار، وتأكيد الذات، والعزم على التحرر موجودة فى كرة القدم كذلك. فى جلاسجو، عاصمة إسكتلندا، فريقان تاريخيان يتقاسمان البطولات الإسكتلندية إلا فيما ندر. فريق جلاسجو رينجرز هو فريق الإسكتلنديين البروتستانت. الفريق الآخر هو سلتيك جلاسجو، الذى أنشأه الكاثوليك الإيرلنديون النازحون من أيرلندا إلى إسكتلندا إبان المجاعة التى نزلت بأهل جزيرتهم فى نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات من القرن التاسع عشر. هذا يفسر رفع جمهور سلتيك لعلم أيرلندا أثناء مباريات الفريق. نقمة الأيرلنديين على الاستعمار الإنجليزى ومقاومته أسطوريتان. ما يهمنا تحديدًا فى السنوات التى نعيشها هو أن هذه النقمة، وهذه المقاومة، والارتباط بأيرلندا، تفسر مساندة جمهور سلتيك المستمرة للشعب الفلسطينى ورفعه الأعلام الفلسطينية أثناء مباريات فريقه. مقاومة الاستعمار جمعت أيرلندا، وجمهور سلتيك، والشعب الفلسطينى.
• • •
لعل من أبرز الأمثلة الأخرى على علاقة السياسة والشعور القومى بكرة القدم تمثيل نادى برشلونة للشعور القومى الكتالونى فى مقابل نادٍ من نفس المدينة هو نادى إسبانيول الملكى، الممثل للشعور الوطنى الإسبانى الموحد. نادى برشلونة وجمهوره الكتالونى يعتبران حتى اليوم أن إلغاء توقيع اللاعب الأسطورة ألفريدو دى ستيفانو للنادى فى بداية الخمسينيات، وتحوله إلى ريال مدريد، دفعتهما دولة الجنرال فرانكو، وأنهما تعبير عن مركزيتها وعن قمعها للشعور القومى لأقاليم إسبانيا، والكتالونى خصوصًا. فى العلاقات الدولية، ليس أبلغ من حرب جزر المالفيناس أو الفوكلاند وأسبابها وآثارها، كخلفية لمباريات المنتخبين الأرجنتينى والإنجليزى، على علاقة السياسة بكرة القدم.
فى مصر أيضًا كان للسياسة علاقة بكرة القدم. نشأ النادى الأهلى سنة 1907 بالتوازى مع الحركة الوطنية ومقاومة الاحتلال الإنجليزى. هو نشأ قبل سنة واحدة من نشأة الجامعة الأهلية، وبعد ثمانى سنوات من إنشاء البنك الأهلى. مفهوم «الأهلى» كان مرادفًا لـ«الوطنى» فى ذلك الوقت. الاقتصاد السياسى لمصر انعكس على كرة القدم. بين سنتى 1947 و1961 كان قطب الرأسمالية المصرية أحمد عبود باشا رئيسًا للنادى الأهلى، وفى النصف الثانى من الخمسينيات وحتى سنة 1961 أيضًا كان الرأسمالى عبد اللطيف أبو رجيلة رئيسًا لنادى الزمالك. فى الستينيات انعكس النظام شبه الاشتراكى القائم على مركزية الدولة ورأسماليتها، وعلى القطاع العام، على هيكل أندية كرة القدم وإنجازاتها. برز كل من نادى شركة غزل المحلة، والإسماعيلى، والمرتبط بـ«المقاولون العرب»، والأولمبى السكندرى المندمج مع نادى البحرية، وفاز ثلاثتهم ببطولة الدورى العام. فى العشرينيات الحالية من القرن الحادى والعشرين، بعد عقود من «الانفتاح الاقتصادى» والنظام الاقتصادى شبه الرأسمالى، انتشرت فرق الشركات منعدمة الجمهور، وعجزت فرق المدن والأقاليم عن مجاراتها.
تطور هائل فى تكوين الفرق وأثره على أدائها ونتائجها يرجع إلى الهجرة. والهجرة بدورها ترجع إلى حقبة الاستعمار، وإلى الهجرة من أجل العمل وتبعاتها. بدون الخوض فى منطق الهجرة وآلياتها وما أدى إلى استقرار المهاجرين فى دول المركز الاستعمارى، فإن ذرية المهاجرين الأوائل ومن تبعوهم عانوا من التهميش والتمييز، فوجدوا فى كرة القدم سبيلًا لصعودهم الاجتماعى، فمارسوها حتى وصلوا إلى منتخبات الدول التى اكتسبوا جنسياتها. جلى أن العدد الكبير من اللاعبين ذوى الأصول الإفريقية أو الكاريبية فى منتخبات فرنسا وإنجلترا والبرتغال وهولندا يرجع إلى التاريخ الاستعمارى لهذه الدول. اللاعبون ذوو الأصول الإفريقية، من شمال القارة وأقاليمها الأخرى، أو التركية فى منتخبى إسبانيا أو ألمانيا، تفسره برامج الهجرة من أجل العمل. الحاصل هو أن هؤلاء اللاعبين ارتفعوا بمستويات منتخبات دول هجرتهم وحققوا لها أفضل النتائج. فى المستقبل سيُذكر أن إسبانيا أو فرنسا أو إنجلترا حققت انتصارات ونتائج، ولن يقول أحد إن هذا بفضل المهاجرين. هذا مما تحققه الهجرة لدول الاستقبال. غير أنه ينبغى التشديد على أن هؤلاء المهاجرين مروا، للوصول إلى قمم أدائهم، بأنظمة التنشئة الرياضية وتنمية المهارات والقدرات التى صممتها اتحادات هذه الدول وطبقتها. الفضل إذن مشترك.
• • •
نعود إلى تسليع كرة القدم وتسويقها. الاتحاد الدولى، ومعه الاتحاد الأوروبى، واتحادات وطنية متعددة، استغلت العلاقة بين كرة القدم والتاريخ والسياسة والاقتصاد، التى زادت تعلق جماهير الهواة وغير الهواة باللعبة، لجعلها سلعة يُروَّج لها وتُسوَّق لتحقق فى كل يوم مزيدًا من الإيرادات. ساعد الاتحادات على ذلك، بل ربما دفعتها إليه، السياسات الاقتصادية النيوليبرالية المطبقة فى الاقتصاد العالمى فى العقود الأخيرة. الإعلانات والنقل على القنوات التليفزيونية المغلقة مدفوعة المقابل يؤديان إلى ارتفاع الإيرادات، وارتفاع قيم عقود اللاعبين ودخولهم، ويؤديان أيضًا إلى ارتفاع أسعار تذاكر مشاهدة المباريات فى الملاعب. أصبح صعبًا على الفقراء مشاهدة المباريات فى الملاعب أو على التليفزيون، بينما ينشأ اللاعبون فى الأغلب الأعم من بين هؤلاء الفقراء.
ومن أجل مزيد من التسليع وفتح السوق الأمريكية أمام كرة القدم لمواصلة نمو إيراداتها، وصل برئيس الاتحاد الدولى أن يقبل تدخل الرئيس الأمريكى ترامب لتعليق إيقاف لاعب أمريكى أثناء بطولة كأس العالم الحالية. وفى سبيل التسليع أيضًا يغيِّر الاتحاد فى نهائى كأس العالم مساء اليوم قاعدة أساسية فى كرة القدم، وهى راحة الخمس عشرة دقيقة بين شوطى المباراة، ليمدها إلى ثلاثين دقيقة تُستغرق فى عرض غنائى استعراضى على غرار العروض فى الرياضات الشعبية الأمريكية. التسليع وصل إلى تبديل فى طبيعة كرة القدم وروحها.
كما أدى التاريخ والسياسة والاقتصاد إلى تعلق الجماهير بكرة القدم، فالمأمول أن يستطيع ثلاثتهم مقاومة التبدل فى طبيعتها وروحها حتى تبقى ظاهرة مشتركة بين البشر، عابرة للطبقات والثقافات، ولتدعم السلم بينها.
أستاذ الأبحاث بالجامعة الأمريكية بالقاهرة