نجاح مذكرة التفاهم مصلحة عربية ومصرية - إبراهيم عوض - بوابة الشروق
السبت 20 يونيو 2026 8:11 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعاتك لـ مصير منتخب مصر في كأس العالم 2026؟

نجاح مذكرة التفاهم مصلحة عربية ومصرية

نشر فى : السبت 20 يونيو 2026 - 6:40 م | آخر تحديث : السبت 20 يونيو 2026 - 6:40 م

عن بُعد، وقّع كلٌّ من الرئيسين الأمريكى والإيرانى، يوم الخميس 18 يونيو، مذكرة التفاهم التى تنهى «بشكل فورى ودائم» العمليات العسكرية المندلعة بالهجوم المشترك للولايات المتحدة وإسرائيل على إيران يوم 28 فبراير الماضى. أغلبية المراقبين فى إقليم الشرق الأوسط، خاصةً فى مصر، ارتاحوا إلى الإعلان عن الاتفاق الأمريكى الإيرانى منذ ما قبل التوقيع على المذكرة. تنص المذكرة، فى فقرتها الأولى، على أن هدفها الأبعد، الذى يتحقق بالاتفاق النهائى بين الموقعين، هو «إنهاء الحرب على كل الجبهات، بما فيها لبنان»، والتعهد «بعدم شن أى حرب أو عمليات عسكرية ضد بعضهما البعض، والامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد بعضهما البعض، وضمان سلامة أراضى وسيادة لبنان». نجاح المذكرة فى تحقيق هدفيها المباشر والأبعد مصلحة عربية ومصرية لا ريب فيها.


• • •
التأكيد على أن فى نجاح المذكرة مصلحةً لا يعنى الغفلة عما فيها من ثغرات، لعل أهمها نصها، فى الفقرة الأولى نفسها، على أن الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية، وحلفاءهما الموقعين على المذكرة، يتعهدون بما ورد فى الفقرة أعلاه، بينما الواقع هو أن لا حليف وقّع على المذكرة. إسرائيل يمكن تمامًا أن تعتبر أنها غير ملزمة بنصوصها بما أنها لم توقّع عليها، وأن تواصل، بالتالى، احتلال جنوب لبنان وانتهاك سلامة أراضيه وسيادته. غير أن النصوص أو غيابها، على أهميتها، ليست كافية للدلالة على وزن أى اتفاقية لضبط العلاقات الدولية. إسرائيل لن تحتج مثلًا بأنها لم توقّع على مذكرة التفاهم لتهاجم إيران؛ لأنها تعلم أنه لا قِبل لها بإيران وحدها. وزن مذكرة التفاهم فى ضبط العلاقات فى الإقليم ينبع من أنها تعكس توزيع القوى فيه. وهذا أهم مبررات العمل على إنجاحها فى تحقيق هدفيها.


العمل على إنجاح المذكرة ضرورى؛ لأن نجاحها ليس مسلمًا به، وإن كانت فرصه يُعتد بها. أول ما يهدد المذكرة هو مواقف أطراف داخلية فى إيران، ومواقف أطراف فى النظام السياسى الأمريكى وإسرائيل. فى إيران، يعتبر الجناح المتشدد فى النظام أنه لا يمكن الثقة فى الولايات المتحدة؛ فهى لم تطبق أحكام خطة العمل المشتركة الشاملة لسنة 2015 ثم انسحبت منها. المتشددون الإيرانيون يرفضون مناقشة مسألة اليورانيوم المخصب كما تنص على ذلك الفقرة الثامنة من المذكرة، ويرغبون فى فرض رسوم على الخدمات فى مضيق هرمز منذ اليوم الأول وليس بعد ستين يومًا، وهم كانوا يطالبون بالإفراج عن الأصول والأموال الإيرانية المجمدة ورفع العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران بمجرد التوقيع على المذكرة، وليس أثناء تنفيذها والتفاوض بشأن الاتفاق النهائى. قبل التوقيع على مذكرة التفاهم كان هجوم المتشددين كاسحًا على المفاوضين الإيرانيين، خاصةً وزير الخارجية عباس عراقجى. غير أن المرشد الأعلى عبّر عن تأييده للمذكرة ودعا إلى الوحدة، فوقع الرئيسان المذكرة، وسكت المتشددون، ولو إلى حين. بعد كلٍّ من معاناة الشعب الإيرانى لعقود من العقوبات المفروضة عليه، والدمار الذى أنزلته الحرب بإيران، أصبح المتشددون أقلية. ولن تقوى شوكة المتشددين إلا إن انهارت المذكرة ولم تكسب إيران من ورائها.


• • •
فى الولايات المتحدة، المعترضون على مذكرة التفاهم أكثر عددًا وأعلى صوتًا، وهم متمركزون فى الكونجرس الأمريكي، وفى مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية التى يشكلها أعضاء الكونجرس المعنيون بالسياسة الخارجية، والمحللون والمتخصصون المتنقلون بين مراكز الدراسات وجماعات المصالح من جانب، ووزارة الخارجية ومجلس الأمن القومى من جانب آخر، كلما راح رئيس وجاء آخر. يذهب بعض أعضاء مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية إلى أن مذكرة التفاهم هزيمة واستسلام، بل إن ثمة من شبّهها بالاندحار فى فيتنام. بالإضافة إلى تداخل جماعات المصالح الأمريكية الإسرائيلية مع مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية، فإن الثقافة السياسية لهذه المؤسسة وللناشطين فيها ومواقفها من إيران تشكلت عبر ما يقرب من خمسة عقود من الزمان. أغلب أعضاء الكونجرس والناشطين فى مؤسسة السياسة الخارجية المعنيين يعترضون على أن المذكرة لم تحسم مسألة تخصيب اليورانيوم ونقل اليورانيوم المخصب إلى خارج إيران، ولا هى تعرضت للصواريخ والدرونات الإيرانية، ولا هى تناولت علاقات إيران بالجماعات المساندة لها والمتحالفة معها فى الإقليم، والمقصود بها «حماس» و«حزب الله» و«الحوثيون». مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية تحتج أيضًا على الاعتراف بسيطرة إيران، مع عُمان، على الملاحة فى مضيق هرمز، وعلى الإفراج عن الأصول والأموال الإيرانية التى يعتبرون أنها ستستخدم فى تمويل الإرهاب وفى تعزيز النظام الإيرانى الذى يرغبون، وإن لم يصرحوا، فى تغييره. تبدل الثقافة السياسية والمواقف لا يتأتى بين عشية وضحاها، ولا هو يسير. ولكنه غير مستحيل، بل هو أقل عسرًا مما يمكن أن يبدو للوهلة الأولى. وليس بينة على ذلك أفضل من ذلك العضو فى مجلس الشيوخ الأمريكى، الذى دار لسنوات طويلة فى المنطقة يدعو إلى مصالح إسرائيل ويتوعد كل من يواجهها، وهو أدان مذكرة التفاهم بمجرد أن أُعلن عنها، ثم ما لبث أن أعلن ارتياحه لها وقبوله بها كأفضل مخرج ممكن من مأزق توقف الحرب دون إنهائها! وبينة أخرى ذات دلالة هى تبدل موقف الرئيس الأمريكى نفسه، واللغة التى استخدمها نائبه عندما ذكّر الإسرائيليين باعتمادهم المطلق على الولايات المتحدة، وبأن السلاح الذى يستخدمونه صنعه أمريكيون ودفعت ثمنه حصيلة الضرائب الأمريكية، بل إنه خاطبهم قائلًا إنهم لا يستطيعون الاستمرار فى انتهاج القتل سبيلًا لحل مشاكل أمنهم القومى. ووزير الخارجية الأمريكى، المتشدد ضد إيران، رشح عنه عدم موافقته على مذكرة التفاهم، ولكنه سكت وقبلها.


• • •
التهديدات للمذكرة من الجانبين إذن، خاصةً من الجانب الأمريكى، ولكن فرص نجاحها موجودة. المصلحة العربية والمصرية هى فى تعظيم فرص هذا النجاح. الحرب تعرّض دول الخليج للخطر، سواء لأن إيران ترد على الولايات المتحدة بمهاجمة مواقعها فى دول الخليج، أو لأنها لا تجد للرد أهدافًا تقصفها غير دول الخليج المتوافقة مع الولايات المتحدة. سواء كان هذا أو ذاك منطق إيران، فإن الولايات المتحدة لم تهبّ إلى الدفاع عن دول الخليج. لا بد أن تقى دول الخليج نفسها هذا الخطر بالعمل على ألا تستأنف الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. وما ينطبق على دول الخليج ينسحب على الأردن. لبنان يستفيد أيضًا من مذكرة التفاهم التى تنص على ضمان سلامة أراضيه وسيادته. ورغم دعم إيران لنظام الرئيس السابق بشار الأسد لسنوات طويلة، فإن فى إنجاح المذكرة مصلحة لسوريا. هذا النجاح يفصل بين مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل اللتين تعملان على تقطيع أوصال سوريا.


أما مصر، فمصلحتها فى عدم استئناف الحرب وتجنيب دول الخليج خطرًا ممتدًا قد يجرها هى، الدولة العربية الأكبر، إلى أن تصبح طرفًا فى نزاع لا يد لها فيه. ولاستئناف الحرب تبعات اقتصادية على الخليج لا بد أن تؤثر فى دوله كأسواق عمل لملايين العمال المهاجرين المصريين، فتتأثر عائلاتهم وسوق العمل والاقتصاد المصريان. أما نجاح المذكرة فهو يباعد بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما لا بد أن يحد من اختلال التوازن فى النزاع الفلسطينى الإسرائيلى، فيفتح طاقة لتسوية مأساة الشعب الفلسطينى فى غزة، المتاخمة لصحراء سيناء، وفى الضفة الغربية. ثم إن مصر، وإن كانت تربطها بإسرائيل اتفاقية سلام تحترمها، فهى طرف تاريخى أصيل فى الصراع العربى الإسرائيلي، بل وفى صدارة أطرافه، وهى بالتالى معنية بتوزيع للقوى فى الإقليم يسمح بتسوية عادلة له.


• • •
ما الذى يمكن فعله لإنجاح مذكرة التفاهم؟ قطر والسعودية ومصر، ومعها باكستان وتركيا، عملت بالفعل على إنهاء الحرب بالمساهمة، بأوزان متباينة، فى التقريب بين العدوين الأمريكى والإيرانى حتى وصلا إلى مذكرة التفاهم. الإمارات لم تكن بين مجموعة الدول المذكورة، ولكنها مساندة للمذكرة. على هذه المجموعة أن تستمر فى العمل مع كل من الولايات المتحدة وإيران خلال فترة الستين يومًا المحددة للتفاوض من أجل الوصول إلى اتفاق نهائى. ويمكن لهذه الدول أن تبدأ فى تنمية علاقاتها بإيران حتى تدعم الفريق المؤيد للمذكرة وتضعف من حجج المتشددين فيها.


من المهم أن تستبعد هذه الدول عن نفسها تسمية «التحالف السنى» التى يريد إسرائيليون وأنصار لإسرائيل إلصاقها بها. هذا بث للطائفية فى وقت يجدر فيه اجتثاثها. ثم إن التحالف السنى يعنى بالضرورة تمييزًا له عن إيران الشيعية. تكرار الدق على الصفة السنية هو محاولة جديدة لنثر بذور صراع سنى شيعى فى الإقليم. الرد على ذلك أولًا بالتأكيد على أن التحالف أو التآلف بين دول وطنية، وإن كان لا بد من إلصاق انتماء دينى بها، فهو انتماء غالبية سكانها الإسلامية. وبعد نجاحها فى الوصول بالولايات المتحدة وإيران إلى التوقيع على مذكرة التفاهم، فإن الرد الثانى والأهم هو أن تعتبر هذه الدول نفسها نواة لنظام للأمن والتعاون فى الإقليم يضبط سلوك أطرافه، وأن تبدأ فى بنائه لتحمى نفسها بنفسها، ولكى تتعاون فى استخدام مواردها وإمكاناتها. مثل هذا النظام يكف عن دوله تدخل القوى الكبرى المستمر فى شئونها. وهو من شأنه أن يكون مفتوحًا لانضمام إيران إليه، وانضمام كل دولة تحترم سيادة دول الإقليم الأخرى وسلامة أراضيها، وتتعاون معها دون رغبة فى السيطرة عليها وعلى شعوبها أو إلغاء وجودها.


أستاذ الأبحاث بالجامعة الأمريكية بالقاهرة

إبراهيم عوض أستاذ الأبحاث بالجامعة الأمريكية بالقاهرة
التعليقات