الحرب التى شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران لدى نهاية شهر فبراير الماضى اتسعت رقعتها فى الأسبوعين الأخيرين، وإن لم يتخذ هذا الاتساع شكل العمليات العسكرية المتواصلة إلا فى إيران نفسها. الحرب اتسعت فأصبحت نزاعا يشمل القوقاز ومنطقة غربى آسيا، والبحر الأحمر، وشرق البحر المتوسط، بل وغربه أيضا فى نظر بعض المراقبين. هذا اتساع لم يسبق له مثيل فى مناطق العالم المذكورة، التى تقع فيها بلادنا. فضلا عن الاتساع فبعض أشكال النزاع الجديدة ألغاز لم تتضح أبعادها ولا أسبابها. نزاع متسع متعدد الأشكال يصعب التحكم فى تطوره ومن هنا خطورته، وهى خطورة تزداد بفعل الألغاز. تفسير للغز ما يدفع إليه خفية طرف من الأطراف، أو تفسير يجانبه الصواب قد يدفع المضار بالشكل الجديد للنزاع إلى الدخول فى الحرب مع ما يمكن أن تجره عليه مما لا يحمد عقباه. التحرك لوقف الحرب لم يعد تفضلا على أطرافها وإنما هو صار ضرورة تفرضها مصالح دول غربى آسيا والبحر الأحمر وشرق المتوسط أولا وقبل غيرها. لأغراض هذا المقال نميّز بين الحرب، وهى العمليات العسكرية المستمرة بين طرفين أو أكثر، والنزاع وهو الصراع بين مصالح ومواقف ورؤى مختلفة دون الوصول إلى الاقتتال المستمر بشأنها. النزاع يمكن أن يتحول إلى حرب، والعكس صحيح أيضا.
مسيرات أطلقتها فصائل عراقية هاجمت منشأت نفطية فى المملكة العربية السعودية فردت عليها قوات أمريكية وسعودية ووصل النزاع بذلك إلى الأراضى العراقية. الحكومة العراقية أعلنت عدم مسئوليتها عن الهجمات، ومع ذلك فهى صارت طرفا فى النزاع إذ أن أراض عراقية تعرضت للهجوم من جانب، وأن عليها التحقيق فى الهجمات إذ أن الفصائل المتحالفة مع إيران نفت مسئوليتها عن ارتكابها من جانب آخر. هذا لغز أول فى تطور النزاع.
صاروخ أوكرانى ضرب سفينة إيرانية فى بحر قزوين فقتل بحارا على متنها وأصاب آخر. هذه العملية لغز ثانى فلقد شاع فى أول الأمر أن السفينة المستهدفة كانت تحمل عتادا إيرانيا إلى روسيا ثم سرعان ما أصبح السبب هو أن السفينة كانت بالعكس تحمل أسلحة روسية إلى طهران، وهو ما كان يعنى أن أوكرانيا دخلت الحرب لمساندة الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران. رغم غرابة التصرف الأوكرانى فإن تفسيره الأخير لم يكن مستبعدا تماما فاحتياج أوكرانيا للولايات المتحدة، ووله رئيسها بإسرائيل، معروفان. إلا أن أوكرانيا عادت فاعتذرت لإيران عن الحادث اعتذارا شديدا على لسان وزير خارجيتها الذى وصفه بأنه خطأ لن يتكرر. منذ وقوع الحادث كانت إيران قد أكدت أن السفينة المستهدفة تجارية وأنها سترد على ما تعرضت له. بعد اعتذار أوكرانيا ليس معروفا كيف ستتصرف إيران، ولكن الحاصل أن رقعة الحرب التى تخوضها اتسعت لتشمل بحر قزوين.
• • •
جماعة أنصار الله الحوثيين شنت هجمات على المملكة العربية السعودية ثم فرضت حصارا على السفن المتجهة إليها أو الصادرة منها، القاصدة المرور بمضيق باب المندب. بعد وصول الحرب إلى مضيق هرمز، الذى كان مفتوحا قبل نهاية شهر فبراير الماضى، ها هو النزاع قد طال مضيق باب المندب. للتعامل مع الإغلاق الجزئى أو الكلى لباب المندب ومع حرية الملاحة فى البحر الأحمر عموما، أنشأت ثلاث عشرة دولة يوم الخميس الماضى 30 يوليو تحالفا بحريا دفاعيا متعدد الجنسيات «لحماية حرية الملاحة، وخطوط التجارة الدولية، وتأمين طرق إمدادات الطاقة العالمية فى مضيق باب المندب، والبحر الأحمر، وخليج عدن». مصر والمملكة العربية السعودية والأردن من بين الدول المؤسسة للتحالف فضلا عن دول غير مشاطئة للبحر الأحمر ولا قريبة منه كتركيا وباكستان ودول الخليج والمالديف. البيان المشترك للدول المنشئة له يشدد على أن التحالف دفاعى، وهو ينص على التعاون فى مجالات الأمن البحرى، وتبادل المعلومات والاستخبارات والتخطيط العملياتى، ويشير إلى أن المشاركة فى أنشطة التحالف وعملياته قرار سيادى. لا يذكر البيان الدفاع المشترك بين أعضائه، بمعنى أنه لا يعتبر أن العدوان على أى منهم عدوان عليهم جميعا يهبون لدفعه. ومع ذلك، فإن مجرد نشأة التحالف يعنى إدراك أعضائه أن ثمة نزاعا موجود واستعدادهم للتعاون فى صد أى عدوان يقع على أى منهم وإن كان عسكريا. فى هذا اتساع فعلى أو محتمل لرقعة النزاع وربما للحرب ذاتها.
• • •
قبل ذلك بيوم واحد، يوم 29 يوليو، ضربت مسيرة سفينتين لنقل الغاز الطبيعى فى ميناء دمياط فأشعلت فيهما النيران. واحدة من السفينتين تملكها شركة أمريكية والأخرى تشغلها شركة يونانية. المفاجأة كانت مذهلة فمصر بعيدة عن مسرح العمليات العسكرية وهى اجتهدت مع باكستان وتركيا وقطر، وكذلك عمان والسعودية نفسها، لوضع حد للحرب وهى على اتصال مستمر بإيران فى الوقت الذى تتضامن فيه مع دول الخليج العربية فى الحرب التى تلفها. فى واحد من التفسيرات أن إيران تريد أن تبيّن قدرتها على زرع الاضطراب فى سوق الطاقة العالمية، اضطراب يؤثر على الاقتصاد العالمى برمته وهو ما لا يمكن أن يتحمل الرئيس الأمريكى ترامب آثاره فى بلاده والمسئولية عنه. فى هذا التفسير توسيع إيران لرقعة النزاع وموضوعه هو سبيلها لرفع اليد الأمريكية عنها، ولتحسين موقفها التفاوضى عندما يحين وقت الديبلوماسية الحقيقية. غير أن إيران نفت تماما على لسانى وزير خارجيتها وقائد جيشها أن أى هجوم صدر من أراضيها على إقليم مصر. أكد الأخير أن إيران لم ولن تهاجم مصر ملقيا بمسئولية الهجوم على إسرائيل، بينما شدد الأول على أن مصر صديق وشريك مهم فى المنطقة وأن لأمنها أهمية قصوى بالنسبة لإيران. جماعة الحوثيين أنكرت بدورها أى مسئولية عن المسيرة التى أصابت السفينتين فى ميناء دمياط. مسيّرة دمياط لغز حتى الآن.
• • •
غرب البحر المتوسط، عند مضيق جبل طارق، أبعد بقعة وجد عدد من المرقبين أن النزاع وصل إليها. فوق الستين ألفا من مواطنى المغرب تخطوا الحدود مع سبتة، الجيب الإسبانى الواقع فى إقليم المغرب، فى آخر يومين من شهر يوليو. هذا التدفق الهائل من الباحثين عن الهجرة إلى إسبانيا يزعزع مكانة الحكومة الإسبانية بعد أسابيع قليلة من انتهائها من تسجيل من يريدون الاستفادة من عملية لتسوية الأوضاع القانونية للمهاجرين غير النظاميين، الذين وصل عددهم إلى المليون والمائتى ألف. خصوم الحكومة الإسبانية وخاصة رئيسها نددوا بهذه العملية واعتبروها جاذبة للمهاجرين غير النظاميين. وها هم من تخطوا الحدود مع سبتة «يثبتون» صحة تقدير هؤلاء الخصوم. فى هذا تقويض لمكانة رئيس الحكومة الإسبانية بدرو سانشيث، وهو الذى أدان الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران واعتبرها انتهاكا للقانون الدولى ورفض استخدام الولايات المتحدة لقواعدها فى إسبانيا لمهاجمة إيران. يذكر أيضا أن سانشيث هو أكثر السياسيين الأوروبيين انتقادا للسياسات الإسرائيلية ومساندة للشعب الفلسطينى وحقوقه. تقويض مكانة رئيس الحكومة الإسبانية وحكومته يمهد الطريق لوصول حكومة يمينية إلى الحكم، حكومة تتفق مع مواقف الرئيس الأمريكى وتجارى إسرائيل فى مواقفها من إيران وفى سعيها إلى محو القضية الفلسطينية. هذا تفسير بعض المراقبين وليس كلهم. فى الأمر وتوقيته لغز على أى حال.
آخر أشكال النزاع، أو حتى ساحات الحرب، هى الفكرة التى شاعت فى اليوم الأخير من شهر يوليو بفرض حصار برى على إيران. هذا يعنى توريط أقاليم سبع دول فى الحرب واتساعها لتشمل وسط آسيا وجنوبها حيث تقع كل من تركمنستان وأفغانستان. فى الفكرة شطط ولكنها طرحت.
• • •
تتعدد أشكال النزاع فى المناطق الممتدة من بحر قزوين، مرورا بالحرب الدائرة رحاها فى إيران، إلى باب المندب والبحر المتوسط وهى أشكال يمكن أن تتحول إلى حروب منفصلة أو متصلة فيما بينها. أوسع حرب وأعقدها تلك التى تتشكل من عدة حروب تقع فى مناطق جغرافية مختلفة. الحرب العالمية الثانية تُصَوَّرُ على أنها التقاء لحروب ثلاثة، الحرب اليابانية الصينية، والحرب الأوروبية، والحرب فى المحيط الهادى.
سابق الوساطة فى الحرب الأمريكية الإيرانية انتظرت مباركة من الرئيس الأمريكى. خطورة أن تتحول أشكال النزاع المختلفة المتزايدة مؤخرا إلى حرب شاملة فى مناطقنا تفرض على دولنا ألا تنتظر مباركة الرئيس الأمريكى هذه المرة بل أن تبادر إلى الوساطة حتى وإن تمنَّعَ هو عنها فى أول الأمر. الرئيس الأمريكى نفسه فى حاجة إلى من يفتح له طريقا للخروج من الحرب. إقناع إيران بالوساطة ليس أقل صعوبة خاصة وأن الحرب عليها بدأت مرتين فى السنة المنصرمة وهى فى خضم عمليتين للتفاوض. مصر وباكستان وتركيا، ومعها السعودية وقطر وعمان، مدعوة إلى القيام بجهد مشترك لوساطة توفر عليها وعلى اقتصاداتها وعلى مواطنيها معاناة حرب إقليمية شاملة ممكنة. جهد الوساطة يمكن ألا يكون إقليميا فقط. يمكن لدولنا أن تُكَوِّنَ تآلفا دوليا يساندها فى جهدها ويشكل ضغطا على كل من الولايات المتحدة وإيران.
التهديدات التى يمثلها امتداد الحرب وتعدد أشكال النزاع تستدعى التحرك النشط الفعال بل وتوجبه.
أستاذ الأبحاث بالجامعة الأمريكية بالقاهرة