مأزق القوى العظمى بين مضيقين مفتاحهما فى طهران! - خالد أبو بكر - بوابة الشروق
الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 6:50 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد في بعض الجهات الحكومية؟

مأزق القوى العظمى بين مضيقين مفتاحهما فى طهران!

نشر فى : الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 - 6:15 م | آخر تحديث : الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 - 6:15 م

لسنوات طويلة، ارتبط الخطر الإيرانى على التجارة العالمية بمضيق هرمز، حيث تمر ناقلات النفط القادمة من الخليج، وحيث تمنح الجغرافيا طهران قدرة مباشرة على تهديد الملاحة. اليوم تبدو الخريطة أشد خطورة، بعدما امتد النفوذ الإيرانى عبر الحوثيين إلى باب المندب، فى وقت تراجعت فيه حركة السفن عبر هرمز بشدة بسبب الحرب التى دخلت شهرها السابع. وبين المضيقين تقع دول الخليج وطرق تصدير النفط، وتمر مصالح تجارية لا تخص المنطقة وحدها، ما يجعلنا ببساطة أمام أزمة لها بابان، ومفتاحهما فى طهران.

عملت إيران طوال سنوات على تزويد الحوثيين بأسلحة قادرة على إصابة السفن، وهى سياسة سبقت حرب غزة سنة 2023، بحسب المعهد الدولى للدراسات الاستراتيجية، وهو مركز أبحاث بريطانى بارز متخصص فى قضايا الدفاع والأمن. ورأى المعهد فى 2024 أن هذا التطور قد ينقل أسلوب الضغط البحرى الإيرانى من الخليج وهرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب.

•••

فى باب المندب، وصل الحوثيون إلى جزيرة ميون، أو بريم، وسيطروا على ذباب المقابلة لها. هذه المواقع لا تمنحهم سيطرة كاملة على المضيق، لكن أهميتها العسكرية واضحة؛ فهى تقرب الصواريخ والمسيّرات من واحد من أهم طرق التجارة فى العالم. والسفن التجارية لا تنتظر إعلانا رسميا بإغلاق الممر؛ ذلك أن ارتفاع الخطر وكلفة التأمين قد يكونان كافيين لتغيير الطريق.

عند هرمز، ظهرت صورة أشد قسوة؛ فقد أفادت رويترز بأن عدد سفن السلع التى عبرته يوم الإثنين الماضى هبط إلى أربع فقط، بعدما كان المتوسط قبل الحرب نحو 125 سفينة يوميا. وكان المعهد الدولى للدراسات الاستراتيجية قد حذر فى مارس الماضى من احتمال نشوء «حصار مزدوج» فى هرمز وباب المندب إذا شارك الحوثيون فى توسيع الضغط الإيرانى على الملاحة.

استمرار هذا الوضع يمنح إيران قدرة على الضغط عند هرمز بقواتها، وعند باب المندب عبر حليفها الحوثى، بينما تقع بينهما مصالح لا تستطيع القوى الكبرى تركها طويلا تحت رحمة طهران، وهذا لا يفترض أن الحوثيين مجرد وحدة عسكرية إيرانية؛ فلهم حساباتهم الخاصة، لكن سنوات التسليح والدعم منحت طهران حليفا يستطيع تهديد ممر بحرى بعيد عن السواحل الإيرانية.

•••

واشنطن تدرك الخطر، لكن لديها حساباتها بشأن كلفة فتح جبهة أخرى؛ وقد رفض الرئيس دونالد ترامب طلبا سعوديا بتوجيه ضربات أمريكية مباشرة إلى الحوثيين، مع استمرار تقديم المعلومات الاستخباراتية والمساعدة فى تحديد الأهداف. والحساب الأمريكى مفهوم؛ فتح جبهة واسعة قد يزيد الحرب اشتعالا دون ضمان إنهاء التهديد، بينما يحمل ترك الوضع ليستقر خطرا آخر؛ أن تتحول القدرة على تعطيل الملاحة إلى أمر واقع يتكيف معه العالم.

هذه تحديدا نقطة توقفت أمامها تشاتام هاوس، المعهد البريطانى العريق للشئون الدولية؛ فقد خلص باحثوه إلى أن الحوثيين لا يحتاجون إلى إغراق أعداد كبيرة من السفن كى يحققوا هدفهم؛ يكفى خلق قدر من عدم اليقين يرفع أسعار التأمين ويدفع السفن إلى تغيير مساراتها.

وإذا استمر الضغط عند باب المندب بينما يبقى هرمز مضطربا، تتسع دائرة المتضررين لتشمل مصر وقناة السويس ودول الخليج وأوروبا ومستوردى الطاقة فى آسيا وشركات التجارة والتأمين. وقد تنقلب قوة الورقة الإيرانية إلى مشكلة لطهران نفسها، لأن نجاح الضغط يزيد عدد الدول التى تصبح لها مصلحة مباشرة فى كسره.

تستطيع القوى الكبرى تحمل خصم إقليمى يصعب هزيمته، وقد تفاوضه أو تتعايش مع نفوذه سنوات. لكن الأصعب أن تقبل بامتلاكه قدرة مستمرة على تهديد الطرق التى تحمل تجارتها ونفطها؛ ولهذا تبدو الخيارات بين هرمز وباب المندب مكلفة كلها؛ المواجهة قد توسع الحرب دون نصر سريع، وترك المعادلة تستقر قد يصنع سابقة أخطر، تستطيع فيها دولة إقليمية استخدام قوتها وحلفائها لوضع طريقين من أهم طرق التجارة والطاقة تحت الضغط فى الوقت نفسه.

•••

حساب طهران واضح فى نتائجه؛ كلما ارتفعت كلفة مواجهتها، أصبح الضغط على خصومها أكبر، لكن هذه المعادلة تقترب الآن من منطقة شديدة الحساسية فى حسابات القوى الكبرى؛ حرية الملاحة ليست تفصيلا هامشيا فى النظام الاقتصادى العالمى، وتهديدها فى مضيقين معا يختلف عن صراع يمكن احتواؤه داخل حدود دولة أو إقليم.

وهكذا يضع هرمز وباب المندب القوى الكبرى أمام سؤال يصعب تأجيله: أيهما أشد كلفة، مواجهة إيران وحلفائها لاستعادة أمن الممرات، أم الاعتياد على أن يبقى مفتاح اثنين من أهم شرايين التجارة العالمية فى طهران؟

 

 

التعليقات