أحمد يوسف.. أيقونة أكاديمية - سامح فوزي - بوابة الشروق
الثلاثاء 4 أغسطس 2026 7:27 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

أحمد يوسف.. أيقونة أكاديمية

نشر فى : الثلاثاء 4 أغسطس 2026 - 6:10 م | آخر تحديث : الثلاثاء 4 أغسطس 2026 - 6:10 م

 

سبقنى الصديق المثقف صلاح سالم، زميل دفعة 1992 بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، بالكتابة عن أستاذنا المشترك الدكتور أحمد يوسف أحمد فى مقاله الأسبوعى بصحيفة الأهرام، وأفاض فى الحديث عن مآثره الأخلاقية، وهو مجال متسع للكتابة، نستفيض فيه، ولا يقل أهمية عن إسهامه الأكاديمى المتميز.

وفى يقينى أنه يصعب الفصل بين الشخص، وبين ما يبثه من تعاليم؛ لأن عملية التعلم ذاتها تفترض قدرًا من التفاعل الإنسانى بين الأستاذ والطالب، وهو تفاعل يسهم فى التكوين النفسى والسلوكى للطالب، ويساعده على تحديد بوصلته فى الحياة، ولا سيما فى كلية يأتيها الطلاب والطالبات من كل حدب وصوب، وتلمح فيها الاختلافات الاجتماعية، التى لا تخلو أحيانًا من طبقية. وقد كان من حسن الحظ أن الطبقة الوسطى فى مطلع تسعينيات القرن العشرين كانت لا تزال متماسكة إلى حد ما، والتقى الطلاب والطالبات المنتمون إليها فى فضاء التفاعل الرحب، وبعضهم نجح بعد ذلك فى شق طريقه فى المجال العام.

فى القاعة الدراسية المتسعة، وقف الدكتور أحمد يوسف يدرس لنا مادة «مقدمة فى العلوم السياسية»، طلابًا وطالباتٍ فى السنة الأولى من دراستهم الجامعية. كنا صغارًا بمعنى ما، وبعضنا انخرط فى الحديث مع الجالسين إلى جواره، فدعانا الأستاذ المحاضر إلى الهدوء مرة تلو الأخرى، فلم نستجب. ورغم أنه يعرف مصدر الإزعاج، ومن هم المتسببون فيه، إلا أنه آثر ألا يسبب لهم إحراجًا أمام زملائهم، فترك المحاضرة غاضبًا، وصعد إلى مكتبه فى الطابق العلوى. شعرنا جميعًا بالخزى من ذلك الموقف، وتوافدنا على مكتبه معتذرين، وفى المقدمة الطلاب والطالبات الذين تسببوا فى ذلك الموقف. وقد استقبلنا الدكتور أحمد يوسف فى مكتبه بالترحاب، ووجه لنا حديثًا إنسانيًا راقيًا، وتغاضى عما حدث، وتعلمنا جميعًا درسًا مهمًا فى الحياة، دون أن يمسك الأستاذ مبضع جراح؛ فلم يترصد، أو يهِن، أو يجرح طلابًا صغارًا، مثلما يفعل غيره، وبعضهم يفعلها للأسف بشىء من الاستئساد والتلذذ.

يكشف هذا الموقف البسيط عن أخلاق أستاذ عالم، لا يجادل أحد فى جدارته العلمية، مثلما لا يختلف أحد على أخلاقه النبيلة. فى كل زمان ومكان تجد أساتذة لهم مكانة وحضور، يختلف الناس عليهم، ولكن الدكتور أحمد يوسف لا يختلف أحد عليه. إذا سألت عن علمه، أجمع الباحثون على جدارته، وإذا استفسرت عن أخلاقه، تجد الجميع يشيدون بها. لم نره يومًا مزاحمًا، أو مدعيًا، أو متلونًا، أو طامحًا فى منصب، أو مستفيدًا من أى موقع شغله، وقد ظل بعيدًا عن المنافسات المريضة، والمعارك الصغيرة فى الوسط الأكاديمي. إذا اختلف، يكون الاختلاف فى العلم والفكر، ولا يتحول إلى خصومة شخصية، أو يدفعه إلى تصفية الحسابات. وحين يذكر رأيه فى محفل علمى أو ثقافي، يتحدث بلغة دقيقة وحاسمة، راقية ومهذبة، بوضوح دون مواربة، لا تنتج عنها خسائر نفسية أو مشاعر سيئة لدى الطرف الآخر فى الحديث.

بالتأكيد يستحق الدكتور أحمد يوسف أن نكتب عنه فى أى وقت، ودون مناسبة، ولكن هذا الحديث يأتى بمناسبة حصوله على جائزة النيل فى العلوم الاجتماعية، وهى أرفع جوائز الدولة، وهو النبأ الذى أسعد طلابه، وأصدقاءه، والمتابعين له، وحفلت وسائل التواصل الاجتماعى بمشاعرهم الفياضة.

من هنا ليس غريبًا أن نصفه بأنه أيقونة أكاديمية، يتطلع إليها الجميع، ولا يختلفون عليها، حتى وإن اختلف أحدهم، أو بعضهم، فى الرأى معه. وفى الحياة تتلاقى الخصال الحميدة، وكأنها تتشابك معًا فى مسبحة واحدة، فالشخص الذى يقدر العلم، ويراعى الأخلاق، ويتمسك بمبادئه، هو شخصية وطنية بامتياز، لا يرى نفسه فى مصالح السياسة الصغيرة، ولكنه ينظر إلى قضايا الوطن العليا.

نتساءل كثيرًا عن القدوة فى العلاقة مع الشباب، ونتهمهم أحيانًا بالرعونة، وعدم التعلم من خبرات من سبقهم، ونتغافل عن قضية أهم، وهى أن بعض الأساتذة لا يقدمون نموذجًا يحتذى، ولا مثالًا يُتبع. وهؤلاء الشباب، مهما اختلف زمانهم، واضطربت أحوالهم، لا يزالون يبحثون عن ملهمين فى حياتهم، يستمعون إليهم، والأهم، يلاحظون ويتعلمون من سلوكهم، ومواقفهم، وأخلاقهم. وقد كنا محظوظين فى جيلنا بوجود أساتذة كبار، بالمعنى العلمى والأخلاقى، من بينهم الدكتور أحمد يوسف، أستاذ العلوم السياسية المرموق، الذى نهنئه بالجائزة المستحقة، ونرسل تحية إلى روح زوجته الراحلة الدكتورة عزة وهبى، التى شاركته مسيرة العلم، والأخلاق الراقية.

 

سامح فوزي  كاتب وناشط مدني
التعليقات