جريمة بشعة راحت ضحيتها أسرة بأكملها، أب وأم وابنتان فى عمر الزهور، استطاعت أجهزة الأمن أن تلقى القبض على القاتل فى غضون ساعات، واعترف بجريمته، وأرشد إلى مكان السلاح المستخدم. أصاب الحزن الممزوج بالغضب قلوب المصريين، واضطربوا لما حدث، وبعضهم طرح أسئلة فلسفية من قبيل ماذا جرى للمجتمع المصرى؟ لماذا باتت مصر تعرف مثل هذه النوعية من الجرائم البشعة، ليست تلك الجريمة وحدها، بل جرائم قتل أخرى لا تقل عنها بشاعة؟ إلى هذا الحد يبدو النقاش منطقيًا، ومفهومًا، ومسئولًا، يعبر عن المشاعر الطبيعية التلقائية للشعب المصرى.
ولكن الذى لم أعد أقبله، وإن كنت أدرك دوافعه، تلك الفيديوهات المنتشرة على الفضاء الرقمى التى يتحدث أصحابها عن الجريمة، والقاتل، والدوافع، وكأن المجتمع بأسره تحول إلى محللين، وصحفيين، وخبراء أمنيين، وعلماء نفس، فى مشهد هزلى لا يبغى أصحابه سوى الشهرة والترند، والظهور بمظهر العالم ببواطن الأمور. لم أرَ فى حديث معظمهم معلومة جديدة بخلاف ما ورد فى بيان وزارة الداخلية، وبعضهم ردد روايات ثبت عدم صحتها، وكثير منهم لجأ إلى أسلوب درامى فى سرد الحادث والتعليق عليه بطريقة لا تخلو من استفزاز، وعدم مراعاة حرمة الموت، ومشاعر عائلة وأصدقاء الأسرة الراحلة، وساءنى استظراف وتنطع البعض فى الخوض فى خصوصيات الناس، بعد موتهم، وهم لا يملكون الدفاع عن أنفسهم.
كفى هزلا، الترند وشهوة الظهور الإلكترونى والرغبة فى الشهرة لا يصح -أخلاقيًا وإنسانيًا ودينيًا- أن يأتى على حساب الضحايا، وأسرهم المكلومة.
ماذا حدث للعقل المصرى؟ وماذا فعلت السوشيال ميديا به؟ هذه فواجع إنسانية، وليست أحداثًا جارية أو شئونًا عامة يتبارى رواد الفضاء الرقمى فى الحديث عنها. المسألة صارت سهلة، فيديو يصوره شخص، ويطلقه على الفضاء الرقمى، ويجمع مشاهدات، وعلامات إعجاب، وتعليقات سلبية، المهم الوجود والحضور، واقتناص الترند. وإن كان ذلك مفهوما فى حكايات وقصص الحياة، والأحاديث النفسية والتعليقات القانونية، لكن لا يجب أو يصح أن يكون فى أحداث إنسانية مؤلمة، أو خصوصيات شخصية.
منذ سنوات نجد تزايدًا فى عدد الخبراء فى الجنس والحياة الزوجية، والمحامين الذين يدلون بدلوهم فى القضايا المتعددة على سبيل الترويج لمكاتبهم، والأخصائيين النفسيين الذين يقدمون الاستشارات، وكثير منهم إن لم يكن جميعهم يكررون نفس الأحاديث، وأحيانًا بذات العبارات، مثال على ذلك المحامون الذين يظهرون فى فيديوهات قصيرة يتحدثون عن الأحكام الغيبية وقرب تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد، نفس الكلام، لا اختلاف سوى الأشخاص، وعناوين مكاتب المحامين التى يروج لها، لا بأس فى ذلك، ما دام أن الأمر يندرج فى إطار التوعية القانونية، والترويج الشخصى، ولكن أن يمتد الأمر إلى محاولة الشهرة على حساب أسر مكلومة، لا سيما أن المتحدثين ليس لديهم شىء يضفونه سوى اللغو واستباق نتائج التحقيقات التى تجريها الجهات المعنية- فهذا أمر لا يقبله ضمير سوى.
لا أريد أن أنساق إلى المطالبة بفرض قيود أو محاذير على السوشيال ميديا، لأن ذلك لن يحل المشكلة، ولكن الأجدى والأفضل أن يدرك المنشغلون بالسوشيال ميديا أن الشهرة ليست هى الدافع الحقيقى وراء تقديم محتوى على الفضاء الرقمى ولكن قيمة وأهمية ذلك المحتوى، وكم من أعمال تقدم حاليًا فى الواقع الافتراضى، سواء من خلال أشخاص حقيقيين أو عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعى تحمل معرفة جادة، ومضمونا عميقًا، وأثرًا فاعلًا، خاصة بالنسبة للجمهور الذى يبحث عن المعرفة الحقيقية، ولا تستهويه المصطبة الإلكترونية التى تنشر النميمة، والفضائح، وخصوصيات الناس، بما يشبه ما كنا نسميه سابقًا «الصحافة الصفراء»، صارت الآن سوشيال ميديا صفراء، عمادها الفراغ، والاضطراب النفسى، واللا معنى، ومحاولة إثبات الوجود.