الذكاء الاصطناعى بين هواجس الدمار الشامل واعتبارات الاقتصاد والسياسة - محمد كامل عمرو - بوابة الشروق
السبت 26 سبتمبر 2026 8:22 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد وضع قواعد قانونية وبرتوكولية لجولات المسئولين الرسمية؟

الذكاء الاصطناعى بين هواجس الدمار الشامل واعتبارات الاقتصاد والسياسة

نشر فى : السبت 26 سبتمبر 2026 - 6:45 م | آخر تحديث : السبت 26 سبتمبر 2026 - 6:45 م

لم يعتد العالم أن يرى خصومًا تجاريين يتفقون على شىء. لكن فى منتصف سبتمبر الحالى، توافق داريو أموديز Dario Amodies، رئيس شركة تطبيقات الذكاء الاصطناعى الأمريكية أنثروبيك، وسام ألتمان Sam Altman، رئيس أوبن إيه آى المنافسة، وإيلون ماسك رئيس سبيس إكس لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعى والفضاء، على فكرة تبدو غريبة على صناعة قائمة أساسًا على السبق، حيث اتفق ثلاثتهم على ضرورة إبطاء وتيرة تطوير النماذج المتقدمة فى مجال الذكاء الاصطناعى، بل وضرورة تدخل الحكومة لوضع ضوابط لهذا المجال، وهو الأمر الذى كان يعتبر دائمًا خطًا أحمر بالنسبة للاعبين الأساسيين فى هذا المجال بالذات.


• • •
بدأت القصة من الداخل حين استقال أحد الباحثين الذى سبق له العمل على تدريب برامج الذكاء الاصطناعى فى كل من أوبن إيه آى ثم فى أنثروبيك، من عمله فى الأخيرة، وأعلن أن الشركتين «تقامران بحياتنا» فى سباقهما نحو تطوير نماذج قادرة على تحسين نفسها ذاتيًا، وذكر أن غيره من العاملين على هذه التقنية يعتقدون بصدق أن هذه النماذج قد تقضى علينا جميعًا قبل نهاية العقد.


بعد أيام نشر أموديز، رئيس أنثروبيك، مقالة كتب فيها: «يجب أن نبطئ الوتيرة التى نحسّن بها قدرات النماذج الجديدة». وأرجع قلقه، جزئيًا، إلى النمو السريع فى قدرة نماذج الذكاء الاصطناعى على بناء الجيل التالى منها بنفسها بدون تدخل بشرى، واقترح خطة للتعامل مع هذه المخاطر تتضمن تواجد مشرفين مستقلين داخل المختبرات، والاتفاق على معايير أمان مشتركة بين الدول الديمقراطية.


وردّ ألتمان، رئيس أوبن إيه آى، بأنه يتفق مع ما ذكره داريو أموديز إجمالًا، وإن مسئولى الشركة ناقشوا إيقاف بعض الاختبارات مؤقتًا، وأوضح لاحقًا أن أوبن إيه آى ستؤجل طرح أسهمها للشركة فى البورصة إلى 2027 على الأقل لأسباب تتعلق بالسلامة، وجاء رد إيلون ماسك حاسمًا، حيث كتب على منصة إكس التابعة له: «داريو محق».


لم تأتِ التحذيرات من فراغ. ففى يوليو كشفت شركة «هاجينج فيس» Hugging Face الناشئة، التى تعمل فى مجال تقديم خدمات فنية لشركات الذكاء الاصطناعى، عن اختراق لأنظمتها، وتلا ذلك إعلان أوبن إيه آى أنها كانت مصدر الاختراق، حيث هرب نموذجان لها من بيئة اختبار معزولة واخترقا نظام هاجينج فيس مستغلين ثغرة لم تكن معروفة سابقًا فى برنامج وسيط للوصول إلى الإنترنت. ولاحظت «هاجينج فيس» الاختراق واحتوته قبل أن تعرف أن مصدره اختبار داخلى.


ثم جاء الكشف الأحدث فى 16 سبتمبر، حين أفصحت أوبن إيه آى عن ستة حوادث لما أسمته «بسلوك غير متوقع أو مقلق» للنماذج خلال فترة ستة أشهر، وسبق ذلك أن أفادت أنثروبيك بأن نموذجها «ميثوس» خرج من بيئة معزولة أثناء اختبار للسلامة، وراسل باحثًا من القائمين على الاختبار بدون تصريح.


وبالنسبة لباقى القيادات المعروفة فى هذا المجال مثل ساتيا ناديلا، رئيس ميكروسوفت، وديميس هاسابيس، رئيس برنامج ديب مايند DeepMind التابع لشركة جوجل، ومارك زوكربيرج، رئيس شركة ميتا Meta، فقد اتخذوا موقفًا وسطًا يؤيد فى مجمله وضع ضوابط، وإن كان يتحفظ على إبطاء وتيرة الأبحاث.


• • •
أما الجهة المعارضة لدعوات الإبطاء ووضع الضوابط، فيتقدمها جنسين وانج Jensen Whang، رئيس شركة إنفيديا Nvidia، أكبر منتج للرقائق البصرية GPU المستخدمة فى خوادم servers مراكز البيانات، ومارك أندريسين، الشريك المؤسس لواحدة من أكبر الصناديق المستثمرة فى شركات التكنولوجيا الناشئة.


وعلى الناحية الرسمية، فقد بدأت المعارضة القوية بتصريحات ديفيد ساكس، مستشار التكنولوجيا للرئيس الأمريكى دونالد ترامب وصاحب الخلفية السابقة فى الاستثمار فى الشركات الناشئة، حيث رفض تمامًا مطالبات من أسماهم «معسكر الدمار الصناعى»، رافضًا أى توسع فى فرض قيود من جانب الحكومة للإبطاء من الوتيرة المتسارعة لتطوير برامج الذكاء الاصطناعى.


ثم جاء موقف الرئيس ترامب متفقًا مع ما هو متوقع منه فى مثل هذه الحالات، حيث ذكر أن هناك «مؤامرة مريضة تُحاك ضد الذكاء الاصطناعى ومراكز البيانات»، وأن الصين هى الوحيدة السعيدة بها، واتهم من يطالبون بالإبطاء ووضع الضوابط بأنهم خونة، وأن الأمر يحتاج فقط إلى رئيس خارق الذكاء، الأمر الذى، على حد قوله، موجود بالفعل. وأدلى الرئيس ترامب بهذه التصريحات فى منشور على حسابه بموقع التواصل الذى يملكه، تروث سوشيال، حيث أعلن إنشاء ما أسماه «سلاح الذكاء الاصطناعى» على غرار «سلاح الفضاء» الذى سبق وأنشأه خلال فترة رئاسته الأولى، وإن لم يكن واضحًا فى تحديد ماهية هذه القوة وما إذا كانت ستتبع القوات المسلحة أو إدارة مدنية.


ونظرة على هذه المواقف قد تبين لنا ما يقف خلفها من اعتبارات. فبينما يبدو أن تحفظات واحدتين من أكبر الشركات العاملة على الخطوط الأمامية لتطوير برامج الذكاء الاصطناعى، أنثروبيك وأوبن إيه آى، مبنية على مخاوف حقيقية نتيجة لما لديهما من معلومات قد لا تتوافر لغيرهما وما تواجهانه من مشاكل عملية، فإن الطرف المعارض يبنى موقفه إما على اعتبارات الربح والخسارة، كما فى حالة شركة إنفيديا، أكبر منتج للرقائق الإلكترونية المستخدمة فى هذا المجال، أو صناديق الاستثمار التى تجنى أرباحًا طائلة من دعمها للشركات الناشئة فى هذا المجال.


• • •
أما على جانب الإدارة الأمريكية، فهناك البعد الاقتصادى العام، حيث بلغت الاستثمارات فى قطاع الذكاء الاصطناعى عمومًا مئات المليارات من الدولارات، فى حين أثارت دعوات الإبطاء قلق المستثمرين، والذى انعكس سلبًا على الأسواق المالية. أضف لذلك أن أنثروبيك وأوبن إيه آى كانتا تستعدان لطرحين عامين وصفا بأنهما تاريخيان، حيث قدرت قيمتهما بتريليونات الدولارات، وبما قد يسببه تأجيل هذا الطرح من قلق إضافى فى أسواق المال، مما قد يكون من شأنه التأثير على معدلات النمو عمومًا. أضف لذلك بالطبع التخوف من تأثير أى تباطؤ فى تطويرات الذكاء الاصطناعى على السباق الدائر بين الولايات المتحدة والصين فى هذا المجال.
وهذا ما ينقلنا إلى موقف الصين.
• • •
جاء الرد الصينى بنبرتين. فقد قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية إن التخويف والمواجهة والمنافسة غير العادلة ستعطل مسار الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعى ولن تخدم أحدًا.


ومن جانبه نشر وزير أمن الدولة الصينى مقالة دعا فيها إلى تسريع بناء منظومة للوقاية من مخاطر أمن الذكاء الاصطناعى والسيطرة عليها، ووصف المجال بأنه الساحة الرئيسية للتنافس التكنولوجى بين القوى الكبرى. بما قد يعنى أن بكين ترفض الإبطاء بصيغته الأمريكية، لكنها لا تنكر المخاطر.


وفى هذا الصدد، فإنه من المتوقع أن يكون موضوع الذكاء الاصطناعى بمختلف جوانبه على أجندة اجتماع الرئيسين الأمريكى والصينى فى واشنطن فى الرابع والعشرين من سبتمبر، وحيث نوقش الموضوع بالفعل خلال الاجتماع التمهيدى بين وزير المالية الأمريكى ونظيره الصينى.


فى النهاية، فإن السؤال ما زال قائمًا؛ أى التوجهين ستكون له الغلبة، التأنى والتأكد من وضع الضوابط الضرورية أم الانطلاق وترك السوق الحرة لتحدد ما هو الأفضل؟


سؤال صعب، خصوصًا إذا كان هناك من يقول إن مصير البشرية كما نعرفها يعتمد على الإجابة.


وزير الخارجية الأسبق

محمد كامل عمرو وزير الخارجية الأسبق
التعليقات