حرب إيران وأثرها على حروب المستقبل - محمد كامل عمرو - بوابة الشروق
الأربعاء 7 أكتوبر 2026 8:01 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

إذا كان القرار بيدك بشأن الجهاز الفني لمنتخب مصر.. ماذا تختار؟

حرب إيران وأثرها على حروب المستقبل

نشر فى : الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 7:05 م | آخر تحديث : الأربعاء 7 أكتوبر 2026 - 7:05 م

 - 30 ألف دولار فى مواجهة نصف مليار..  كيف تُعيدالحرب كتابة عقيدة التسليح؟

 

فى عاشر يوم بعد بدء الهجوم الأمريكى الإسرائيلى على إيران فى ٢٨ فبراير الماضى، وصف الرئيس الأمريكى دونالد ترامب العملية ضد إيران بأنها «نزهة قصيرة»، حيث إن الحرب، على حد قوله، ستنتهى بعد أسابيع قليلة. وبعد ذلك بيومين أعلن أن الولايات المتحدة قد انتصرت بالفعل، مضيفا أنه رغم أن البعض قد يرى أنه ينبغى التريث لإصدار مثل هذا الإعلان إلا أن هذا هو الواقع على الأرض.

والآن، وبعد انقضاء سبعة أشهر وما زالت الحرب دائرة، ساخنة أحيانا وفاترة أحيانا أخرى، فقد يكون من المناسب أن ننظر إلى «الواقع على الأرض»، وكيف تحوّلت «النزهة» إلى أطول مواجهة مباشرة خاضتها أمريكا مع دولة أخرى منذ عقود، وما ينتظر أن يكون لها من انعكاسات على حروب المستقبل بشكل عام.

جاءت تصريحات الرئيس الأمريكى فى الأيام الأولى للحرب مبنية فى مجملها على ما أقنعه به رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو فى اجتماعهما فى البيت الأبيض فى ١١ فبراير الماضى، من أن ضربة مفاجئة من قبل سلاحى الطيران الأمريكى والإسرائيلى على إيران، يكون أحد أهدافها الأساسية اغتيال عدد كبير من القيادات المدنية والعسكرية الإيرانية وعلى رأسهم المرشد العام، سيؤدى إلى حشد شعبى معادٍ للنظام، وهو الموقف الذى سيستغله الموساد الإسرائيلى من خلال عملائه على الأرض لإحلال نظام بديل حليف للدولتين. واستغل نتنياهو، الذى يعرف جيدا التركيبة النفسية للرئيس الأمريكى، عملية اختطاف رئيس فنزويلا مادورو التى قام بها الجيش الأمريكى قبل ذلك بأيام، كمؤشر على إمكانية تكرار ذلك مع إيران. ثم كان ما أصبح معروفا من موافقة الرئيس الأمريكى على المخطط الإسرائيلى، دون إعطاء أى اعتبار لما قد يكون لدى أجهزة الاستخبارات والأمن القومى عموما من تقديرات.

وبينما تحقق بالفعل ما كان مقدرا بالنسبة للقضاء، ليس فقط على قيادات الصف الأول فى إيران بل على عدد كبير من صفوف القيادات الأدنى، إلا أن ما تلا ذلك من تطورات جاء مغايرا تماما لما توقعه الرئيس الأمريكى من نزهة قصيرة ونصر يتحقق فى أسابيع قليلة.

* • •

فإلى جانب قيام إيران بإغلاق مضيق هرمز، وهو ما كان يمكن لأى محلل أن يتوقع حدوثه كرد فعل للخطر الوجودى الذى واجهته إيران، فإن ما حققته الأخيرة على الصعيد العسكرى خلال الأيام التالية للهجوم كان مفاجأة غير متوقعة، ليس فقط لطرفى الهجوم ولكن لغالبية المراقبين على مستوى العالم.

وحتى ندرك الأبعاد الهامة لهذه المقولة الأخيرة فمن الضرورى أن نتعرض بشىء من التفصيل لما حققته إيران عسكريا منذ بداية الحرب وحتى الآن، وهى كلها معلومات مستقاة من مصادر من داخل الولايات المتحدة ذاتها:

فى اليوم الأول للحرب قامت إيران بإطلاق مسيّرات من طراز شاهيد التى تنتجها محليا وصواريخ باليستية على القاعدة البحرية الأمريكية فى البحرين، مما أدى إلى تدمير مركز الإمداد الرئيسى للأسطول الأمريكى فى المنطقة، مما اضطر واشنطن إلى الاعتماد على قاعدة دييجو جارسيا التى تبعد نحو ٤٣٠٠ كيلومتر عن موقع العمليات، الأمر الذى كان من شأنه إحداث خلل كبير فى عمليات تموين الأسطول، بما فى ذلك حاملة الطائرات إبراهام لينكولن وما عليها من طاقم يبلغ عدده حوالى سبعة آلاف فرد لم يطئوا الشاطئ لمدة ثمانية أشهر، بما كان لذلك من آثار جسمانية ونفسية كانت مثار اهتمام واسع فى الإعلام الأمريكى.

تلا ذلك قصف لقاعدة موفق السلطى فى الأردن أدى إلى تدمير رادار تقدر قيمته بخمسمائة مليون دولار، ويعمل مع نظام الصواريخ ثاد التابع للقوات الأمريكية، والذى تمتلك منه ثمانى وحدات موزعة بين قواعدها على مستوى العالم، وقد تم ذلك بصاروخ إيرانى ذى قدرة على المناورة أثناء الطيران، وهو طراز متوفر لدى عدد محدود من الدول، الأمر الذى كان مثار تعليقات من المحللين العسكريين.

وفى يوم ٣ مارس قصفت مسيّرتان إيرانيتان من طراز شاهيد مبنى السفارة الأمريكية فى الحى الدبلوماسى فى العاصمة السعودية الرياض، حيث أحدثت الأولى ثقبا فى جدار المبنى دخلت منه المسيّرة الثانية، مما نتج عنه حريق فى المبنى أدى إلى تدمير ثلاثة طوابق، من بينها مكتب وكالة الاستخبارات الأمريكية، سى آى إيه.

وفى ٢٧ مارس أطلقت إيران عددا من الصواريخ والمسيّرات من طراز شاهيد على معدات عسكرية أمريكية فى قاعدة الأمير سلطان فى السعودية، مما نتج عنه تدمير طائرة إنذار مبكر، أواكس، تبلغ قيمتها ما يقارب خمسمائة مليون دولار، وعدد آخر من الطائرات من بينها طائرات تموين جوى.

وكان هناك كذلك قصف بالمسيّرات لقاعدة أحمد الجابر فى الكويت، نتج عنه تدمير لمبانى القاعدة الأمريكية المتواجدة بها وعدد من الطائرات على الأرض وإصابة عدد من الجنود الأمريكيين. وفى السياق نفسه تم قصف القاعدة العسكرية فى العراق من قبل قوات مؤيدة لإيران باستخدام مسيّرات إيرانية.

وعلى الجبهة مع إسرائيل استخدمت إيران ما أصبح يعرف بتكتيك «القصف المكثف» (swarm attacks)، حيث تقوم بإطلاق عدد كبير من مسيّرات شاهيد لإرباك دفاعات ما يسمى بالقبة الحديدية، حيث تمكن عدد منها من اختراق المنظومة وإحداث خسائر فى الأرواح والمنشآت، بما فى ذلك منطقة ديمونا التى يوجد بها المفاعل النووى الإسرائيلى.

وبالطبع فإن التطورات العسكرية على النحو الذى أوضحناه تطرح عددا من التساؤلات، يأتى فى مقدمتها اثنان: أولهما كيف تمكنت هذه الدولة، التى ترزح طيلة ما يزيد عن أربعين عاما تحت وطأة ضغوط وعقوبات سياسية واقتصادية وعسكرية، من تحقيق هذه النجاحات العسكرية فى مواجهة قوتين مهيمنتين دوليا وإقليميا، بحيث إنها رغم ما تعرضت له من دمار كبير فى بنيتها العسكرية والمدنية وخسائر كبيرة فى الأرواح ما زالت تمثل خصما قويا لم يستسلم أو ينهار كما توقع الجانب المقابل. والتساؤل الثانى يدور حول تداعيات ذلك على العقيدة العسكرية (military doctrine) فيما يتعلق بالتسليح لدى الدول كبيرها وصغيرها. وهما سؤالان متداخلان بحيث إن الإجابة عن أحدهما تفى بالرد على الآخر.

* • •

ومن الواضح أن إيران، إدراكا منها بأنها فى أى مواجهة عسكرية شاملة مع عدويها الرئيسيين، الولايات المتحدة وإسرائيل، لن تكون ندا لهما لو تمت المواجهة بشروط الدولتين - قوة عسكرية ضخمة تحت تصرفها أحدث المعدات العسكرية تكنولوجيا وأقواها تدميرا، الأمر الذى لا يمكن لإيران أن تضاهى ولو جزءا صغيرا منه. ومن هنا كان القرار الاستراتيجى الذى أصبح من الواضح أن إيران اتخذته منذ مدة بتطوير قدرات عسكرية بسيطة، وفى الوقت نفسه فعالة، يمكنها إنتاجها محليا بجهود ذاتية أو بمساعدة محدودة من حلفائها القلائل. وكان من نتيجة ذلك تطوير المسيّرة شاهيد، التى لا تتجاوز تكلفتها بعض العشرات من آلاف الدولارات، والتى وصلت إلى مستوى عال من الكفاءة، بحيث إن دولة متقدمة عسكريا مثل روسيا أصبحت تعتمد عليها فى حربها فى أوكرانيا. وفى المجال البحرى، وعوضا عن أسطول لا تمتلكه، اعتمدت إيران على عدد ضخم من القوارب السريعة التى يمكنها إحداث خسائر فى سفن أكبر منها بكثير أو نشر ألغام بحرية. وبالطبع فإن مسرح العمليات بأهدافه القريبة برا وبحرا كان أساسا فى زيادة فعالية هذا التوجه الاستراتيجى.

وهنا تأتى الإجابة عن التساؤل الثانى، فقد أصبح واضحا من مجمل هذه الوقائع أن هناك حاجة إلى تحديث العقيدة العسكرية على مستوى العالم. فعندما تتمكن مسيّرات لا تتجاوز قيمة الواحدة منها ثلاثين ألف دولار من تدمير طائرة إنذار مبكر أو جهاز رادار تصل قيمة أى منهما إلى نحو خمسمائة مليون دولار، أو حين يلزم لمواجهة المسيّرات نفسها استخدام صواريخ باتريوت التى يتراوح ثمن الواحد منها ما بين ثلاثة وخمسة ملايين دولار، فإن هناك كلفة اقتصادية وفعالية عملياتية لا يمكن لأى دولة، مهما كانت قوتها، تجاهلها. والأرجح أن الحروب المقبلة ستمنح وزنا أكبر لمعادلة الكلفة لا الحجم وحده: دفاعات متعددة الطبقات رخيصة إلى جانب المنظومات الباهظة، وتوزّع للقوات بدل تركزها فى قواعد ضخمة ثابتة الإحداثيات، ودور متصاعد لتقنيات التوجيه والتنسيق التى يتيحها الذكاء الاصطناعى لإدارة أسراب المسيّرات والدفاع عنها فى آن. وهذا بالطبع لن يلغى قيمة السلاح المتقدم ومنصاته فى الظروف التى تستدعيه.

ختاما، هناك تساؤل آخر يحضرنا كنتيجة لما هو حاصل: هل ما زالت القواعد العسكرية الأجنبية ضمانا للأمن أم أصبحت عبئا عليه؟

محمد كامل عمرو وزير الخارجية الأسبق
التعليقات