أعود دوما إلى بعض الكتب العجيبة، التى تتجاوز دلالاتها الاجتماعية والإنسانية محتواها الفعلى، والتى تبدو بسيطة فى ظاهرها، ولكنها تترجم مستويات مختلفة من الأهمية والمعانى، إذا قرأناها اليوم بصورة أعمق.
على رأس هذه الكتب «مذكرات نشّال»، الذى قدّم له وحققه الباحث المتميّز حسن الحلوجى، وصدر عن مؤسسة غايا للإبداع، وكانت طبعته الأولى قد أملاها مؤلف الكتاب، النشّال الشهير عبد العزيز النُّصّ، على حسنى يوسف، صاحب ومحرر جريدة «لسان الشعب»، وصدرت منذ نحو مائة عام تقريبًا.
صار الكتاب أكثر شهرة بالطبع بعد أن استلهمته حلقات مسلسل «النُّصّ» بجزئيه، من بطولة أحمد أمين، وفريق من الممثلين الموهوبين، ولكن حكايات عبد العزيز النُّصّ الطريفة تظل مهمة على الدوام، وتبقى ممتعة وظريفة فى أصلها، خصوصًا أن صنّاع المسلسل بنوا دراما كاملة تضع عملهم فى خانة التأليف الكامل، وإن كان الأساس هو النُّصّ وشخصياته الغريبة.
ما يأسرنا فى الكتاب حتى اليوم، ليس فقط حيوية العامية المحكية التى صدر بها، ولا تفاصيل الحياة المصرية النابضة بالحركة فى دلالاتها الاجتماعية واللغوية، وفى نشاطها الفنى، وفى أجواء القاهرة وشوارعها وحاراتها القديمة، ولكن أيضًا وبالأساس فى شهادة الكتاب على مهن وظواهر وأحوال مصر فى فترة ما بين الحربين العالميتين، وتحديدًا فى السنوات التى تلت إعلان الاستقلال، ومع تبلور المدّ القومى المصرى، فى مقابل الحضور الأجنبى والكوزموبوليتانى.
لا يظهر ذلك فحسب فى تفاصيل حياة ومغامرات النُّصّ، ولكنه حاضر ابتداءً فى إصدار كتب من تأليف المهمشين، ومن لا صوت لهم، وبالعامية المصرية؛ مثل: «مذكرات فتوة»، و«مذكرات نشّال»، و«مذكرات عربجى»، و«مذكرات وصيفة»، و«مذكرات خالتى أم سيد»، بل إن عبد العزيز النُّصّ قرر إملاء سيرته بعد توبته فى سن الخمسين، بعد أن أعجبه كتاب «مذكرات فتوة» والذى حقق نجاحًا كبيرًا، وصنع شهرة المعلم الفتوة «يوسف أبو حجاج».
هى - إذن - عودة بطولة المصرى العادى، الذى يتحدث بصوته ولسانه، الهامش الذى يحكى بجرأة ودون مواربة وبعباراتٍ صريحة، عن نفسه وبيئته، عن مهنته وأصدقائه، وبالضرورة عن المجتمع كله من أسفل إلى أعلى، خصوصًا إذا كانت «الشغلانة» تتسلل إلى كل مكان، كما فى مهنة «النشل».
التفت الحلوجى إلى ثراء الحكايات رغم بساطتها، فوضع هوامش لتفسير الكلمات والأمثال والمصطلحات، وحدّد خريطة لمسار الأحداث فى الكتاب، وأضاف دراسة لطيفة عن مهنة النشل وقواعدها وأصولها، بل وآدابها وحدودها، اعتمادًا على كتاب نادر آخر، صدر فى عام 1925، من تأليف ألكسندر بورجزانو، بعنوان «أسرار النشالين»، وهذا الرجل كان مسئولًا عن البوليس السرى لضبط النشالين فى عموم محافظة مصر، وكتابه يقدم أسرار حِيل النشل التى تتقاطع مع «حكايات النُّصّ».
يلفت النظر من الحكايات والهوامش والإضافات أن المهنة شهدت رواجًا أثناء الحرب العالمية الأولى، وأن النشّال المصرى التقط «التكنيك والفن» من النشالين الأجانب ممن يعملون مع القوات البريطانية، وحلفائهم من القبارصة والمالطيين، وعبد العزيز النُّصّ يحكى عن تعليمه وتدريبه، ثم قيامه هو بدوره بتعليم وتدريب آخرين، خصوصًا «زقزوق» ابن صديقه الراحل، وفى ثنايا حكاياته آداب وأخلاقيات للنشّال المحترف، الذى يعيد أوراق وكمبيالات ضحاياه إليهم، ويكتفى بسلب الأموال، وفى الهوامش حكاية إضراب النشالين عن العمل، احتفالًا بعودة سعد زغلول، تأكيدًا على أنهم وطنيون، وليسوا منفصلين عن الشأن العام!
على مستوى السرد الشعبى، يحتفى «النُّصّ»، والعهدة عليه فى كل ما حكى، بأمرين يميزان الشخصية المصرية؛ هما: الشطارة والمغامرة والفهلوة، فكأنك من جديد أمام على الزئبق فى ثوب معاصر، والأمر الثانى هو الوازع الدينى، حتى لو اتخذ شكلًا ساذجًا ومفتعلًا، فالرجل يتوب أكثر من مرة، ويلجأ إلى «مفتي» لكى يرخّص له بالعودة إلى ممارسة ما أقسم من قبل على اعتزاله، ويقوم عبد العزيز النُّصّ بالتشهد عندما يشرف على الموت فى إحدى مغامراته.
أما أعجب تلك «التلفيقات» التى اختلطت فيها التوبة بالمغامرة والشقاوة، فهو إعلان النُّصّ اعتزال النشل، ولكنه يؤسِّس بالأموال التى سرقها تجارة «مانيفاتورة» تجلب له الثراء، ثم تكافئه الأقدار بفوز سندات اشتراها بجوائز ضخمة؛ أى أن توبة النُّصّ اقترنت بما يمكن أن نطلق عليه «غسيل الأموال»، بمصطلحات هذه الأيام!
بدا لى أن النُّصّ يترجم فكرة «البطل الشعبى» بتناقضاته، مثلما يترجم عن زمنه وبيئته، دون أن يتغاضى عن عنصرى الصراع والنهاية الأخلاقية، إما لأن ذلك ما حدث فعلًا، أو احتذاءً بسردية «مذكرات فتوة»، أو لأن هذا ما يطلبه القارئ نفسه.
فالمصرى ذكى وحدق وموهوب، وهو أيضًا فقير وابن حظ وفرفشة ومغامرة، لذلك يضطر اضطرارًا للانحراف، من دون أن يضيع مؤشر الحرام لديه، مغامرته تحقق له المتعة والمكسب السهل، وتحقق له أيضًا نهاية وحسن ختام ورصيدًا من الحكايات الممتعة والضاحكة.
ينشل عبد العزيز النُّص بمفرده، ومع آخرين، فيأخذنا إلى مسرح على الكسار، وإلى الترام، يحكى عن ماكينات المقامرة التى وضعت فى الشوارع، ويتعامل مع أشكال وألوان ومستويات اجتماعية مختلفة، يسرق العُمد والبكوات، ويخوض مغامرات نسائية ناجحة وخائبة، نرى المصرى والأجنبى واليهودى، وتنفتح الصورة على مجتمع بأكمله.
تبدو مهنة النشل قرينة الخطر والمغامرة والشطارة، بينما تتصارع «الفرنجة» مع «الشعبوية»، ويبدو عبد العزيز النُّصّ نفسه ترجمة لهذه الثنائية، بمظهره الشعبى، وبأزيائه الإفرنجية على حد سواء، وكأنه مشخصاتى واقعى، يدرك أنه يصنع الدراما، ولا يمثلها فقط، وفى كل الأحوال، لا يغفل عن أهمية العائلة، بل ويجعل هذه العائلة الكبيرة أهم مبررات العودة للنشل، ثم يجعل نفس العائلة السبب الرئيس للتوبة، واعتزال مهنة النشل!
«مذكرات نشّال» وثيقة إنسانية واجتماعية ممتعة ومؤثرة، يكفى أنها أعادت صوت الهامش إلى قلب المتن، ويكفى أنها عكست مجتمعًا بقدر ما ترجمت عن طابع شخصى فريد، ويكفى أيضًا أنها تستعيد دون قصد سمات «الحكايات الشعبية» فى صورة درامية معاصرة.