فى مديح الوطن والحكايات - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
السبت 24 أكتوبر 2026 7:35 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اعتراض نادي الزمالك على التحكيم في القمة الـ133 ؟

فى مديح الوطن والحكايات

نشر فى : السبت 24 أكتوبر 2026 - 6:40 م | آخر تحديث : السبت 24 أكتوبر 2026 - 6:40 م

عندما انتهيتُ من قراءة هذه الرواية البديعة، لم أكن ممتلئًا فقط بالشخصيات والحكايات التى تستعيد الحياة الفلسطينية من قلب الموت والدمار، ولكنى تأملت أيضًا ألعاب السرد الحرّة، التى تتجاور فيها الأنواع، وربما تتجاوزها أيضًا، ورأيتُ فى هذا «التجريب» ما يعادل تلك الحالة الفلسطينية، وهذه الحياة اليومية التى يُعاد اختراعها من جديد، يطردونها من الباب، فتعود من الشبابيك، يتوهمون فناءها فتعود فى صورة أقنعة وألوان ووجوه مختلفة، يظنون أنهم أفنوا وأزالوا، فتتناسل العائلات، مثلما تتناسل الحكايات فى الرواية.
الرواية الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ومكتبة كل شىء، بعنوان «نافذة روت كل شىء» للكاتب الفلسطينى ربعى المدهون، وهى الجزء الثالث من ثلاثية يمكن أن نطلق عليها ثلاثية «العودة والبقاء هناك»، بدأت فى عام 2010 برواية «السيدة من تلّ أبيب»، ثم صدرت فى عام 2015 رواية «مصائر: كونشرتو الهولوكست والنكبة»، لتفوز فى عام 2016 بجائزة الرواية العربية (البوكر).
والآن يحكى المدهون مرة أخرى مستدعيًا بعض شخصيات روايتيه السابقتين، وعلى رأسهم وليد دهمان الذى يمكن اعتباره المعادل الروائى للمدهون نفسه، ومقدمًا ما يُعرف بـ«الميتا رواية»، بحيث نقرأ رواية داخل رواية، ونقرأ أيضًا أوبرا فلسطينية يؤلفها وليد دهمان، ونعيش قصصًا قصيرة مستقلة، أو متناسلة عن بعضها، وكأننا أمام لعبة ماتريوشكا بلا نهاية، عروسة أكبر تقودنا إلى عروسة أصغر، وهكذا.
دوائر حكى لا تتوقف، ضاقت بالسرد الكلاسيكى، فتحررت على الورق، عوضًا عن قيود الجغرافيا، وأشباح الموت، والمدهون الذى يرتدى قناع دهمان، لا يقنع بذلك أبدًا، فيجعله بطل حكاية أخرى يكتبها، ويرسله إلى غزة، ومعه حصانة روائية تقيه من الموت، من أجل أن يرى ويشهد ويتورط، بل ويستدعى أم دهمان التى ماتت، فتُبعث من جديد.
كان دهمان قد عاد إلى فلسطين، مثلما فعل فى الروايتين السابقتين، ولكن هذه المرة بحثًا عن بيت عائلة زوجته الفلسطينية الأرمنية، ماتت حماته وتركت بقايا رمادها لتنثر فى فلسطين، واكتشف من خلال زوجته جولى حكاية البيت، الذى سيقيم فيه وليد للكتابة، وما أسباب العودة فى الثلاثية سوى تعلّات للبقاء والبعث، وما دهمان نفسه سوى رسول هؤلاء الراغبين فى استعادة الذاكرة والوطن.
لم أجد ذلك لعبًا سرديًا مجانيًا، ولم أعتبره مجرد محاولة لكسر كلاسيكية السرد، ولكنى رأيته فى صميم معنى الحالة الفلسطينية بتنويعات ذكية: تضيق الجغرافيا بفعل عبث التاريخ، وتضيق الخيام على لاجئيها، فيتسع السرد ويتنوع وينفتح على أشكال مختلفة، تتوالى الكوارث والتغريبات، فيحكى المحاصرون فى الظلام، مثلما تتوالد الحكايات مثل سلسلة بلا نهاية، تُباد عائلات بأكملها، فتخرج شخصيات المدهون من القبور، وتُستدعى شخصيات من الروايتين السابقتين، فكأنهم كائنات لا تموت، تتحدى الزمن، وتكمل حكاياتها دون هاجس المحو أو الفناء.
يطيب لى أن أقرأ «نافذة روت كل شىء» (ورواية الأشياء مذكورة فى العنوان) باعتبارها رواية عن الحكى نفسه، باعتباره فعل بقاء ومقاومة وحرية واسترداد كامل للذاكرة، إنه انتقام الفن من الفناء.
ورغم أن القصف يفجّر السطور، ويقتل الكلمات، إلا أن الكلمات تعود لتبقى، وتمارس فى الخيال ما لا يتيحه الواقع، ورغم أن الرواية تكرر فى سياقات مختلفة أن أحدًا لا يقرأ الروايات المكتوبة، لا من الفلسطينيين ولا من الإسرائيليين، إلا أن النصّ وكاتبه (الكاتب المباشر ربعى، والكاتب الوكيل وليد دهمان) لا يتوقفان عن الكتابة، ولا يتوقفان عن تسجيل الحكايات.
هذه إذن لعبة المدهون البارعة: تحويل كاتب مراقب إلى مواطن متورط، وتوالد وبعث الشخصيات، وتحويل بيت التهجير إلى مكان لإقامة أدبية تحفظ الذاكرة، وبينما يصبح وليد دهمان مندوب المدهون فى النص، فإن الكاتب دهمان يجعل من نفسه شخصية روائية إضافية يرسلها إلى غزة، وبينما تقتل القنابل البشر، وتدمر البيوت، فإنها لن تستطيع أن تقتل شخصية روائية اخترعتها شخصية روائية يكتبها روائى حقيقى اسمه ربعى المدهون.
عوضًا عن أشباح الموت، لدينا خيال حىّ، ولدينا سياحة زمكانية مذهلة، فى المدن الفلسطينية (غزة والمجدل عسقلان، والقدس والخليل وحيفا)، وفى التاريخ الفلسطينى حديثًا وقديمًا (من هبة البراق والثلاثاء الحمراء إلى النكبة)، ولدينا كذلك شخصيات من مختلف الأجيال، ولكل حكايتُه التى تأخذ مكانها فى هذه الجدارية الضخمة.
إنها، إذن، رواية واحدة ممتدة عبر ثلاث روايات، وجوه متنوعة للرحلة نفسها، من المراقبة إلى التورط والبقاء بطريقة أو بأخرى، ليس البشر فقط من يحكون، وإنما النافذة التى رأت وسمعت، أما البقاء هذه المرة فيأتى فى صورة رماد جديد يُنثر فى فلسطين، ويأتى أيضًا فى صورة بيت الإقامة، والكاتب وليد دهمان، الذى يستنسخ ما شاء من نفسه، ومن أبطال حكاياته.
وحتى عندما يرتبك القارئ بين وليد دهمان الكاتب، ووليد دهمان بطل القصة الفرعية، وحتى عندما يبدو وليد نفسه حائرًا بين ذاته، وبين كونه شخصية يكتبها، فإن هذا التداخل يعيدنا إلى فوضى الحالة الفلسطينية، وإلى تشوش الواقع، الذى يتجلّى أحيانًا فى فوضى الهويات، مثلما هو الحال فى قصة «هاشموئيل».
لا ينفصل الشكل الملتبس، إذن، عن المضمون المرتبك، ورغم أن الحكايات تبدو منفصلة، ولا يجمع بينها سوى كتابة وليد دهمان/ ربعى المدهون، فإنه انفصال وهمى، إذ تتقاطع الخطوط العائلية أو الموضوعية أو المكانية، وتصبح تنويعات على الحضور، وألوانًا وظلالًا فى الجدارية الكبرى.
وعلى عكس ما تراه الثقافة العربية فى الحكى من مجرد تسلية أو كلام فارغ، فإن الرواية تجعل الحكى كل شىء، تجعله قوة وحياة لا تموت، الحكى يجعل من الهامش والمهمشين متونًا، ويحقق للشخصيات ما لا تستطيعه فى الواقع، ويطرح الأفكار نفسها من زوايا مختلفة، والحكى هو الذاكرة فى تفاصيلها، بالتوازى مع التاريخ الرسمى المكتوب.
هذه الرواية فى مديح الوطن والحكايات معًا، وهذا «الحكواتى المعاصر» استعاد هويته وبيته وذاكرته عبر الرواية. ليتهم يقرأون الروايات ليعرفوا ويفهموا.

محمود عبد الشكور كاتب وناقد سينمائي وأدبي مصري
التعليقات