سنين ومرت زى الثوانى - صحافة عربية - بوابة الشروق
السبت 24 أكتوبر 2026 7:36 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اعتراض نادي الزمالك على التحكيم في القمة الـ133 ؟

سنين ومرت زى الثوانى

نشر فى : السبت 24 أكتوبر 2026 - 6:35 م | آخر تحديث : السبت 24 أكتوبر 2026 - 6:38 م

فى أغنيتها «أنساك؟»، تغنى أم كلثوم من كلمات مأمون الشناوى وألحان العبقرى بليغ حمدى: «سنين ومرت زى الثوانى». نستمع إليها وهى تردّد المقطع فنشعر بأننا نستمع إلى شىء من حياتنا فيه. كأن الكلمات تفتح الباب على ما تركته السنوات فى أرواحنا من أثر.
كيف يمكن لسنوات طويلة أن تنكمش فى وعينا حتى تبدو كأنها مرّت فى ثوانٍ؟ فيصبح الزمن، الذى كان يومًا ممتدًا أمامنا بما يحمله من انتظار وأحلام ومخاوف، ذكرى نستعيدها بشىء من الدهشة والحنين، وربما الأسى؟
فى حساب الزمن، تساوى الدقيقة ستين ثانية، وتظل الساعة ساعة بدقائقها الستين، سواء قضيناها فى انتظار خبر مفرح أو فى جلسة ممتعة مع أصدقاء أو فى لحظة ألم لا نطيق امتدادها، لكن الحياة تقول شيئًا آخر تمامًا. الدقائق ليست متساوية فى شعورنا بها، والأيام لا تمرّ فى وعينا بالسرعة نفسها. ثمة فرق بين الزمن الذى يمكن قياسه، والزمن الذى نشعر به. الأول تتعاقب وحداته وفق نظام لا يتأثر بمشاعرنا، أما الثانى فيتصل بوعينا، ومشاعرنا، وانتظاراتنا.
ما أكثر ما نستعيد فى لقاءات مع أشخاص لهم فى القلب مكانة أوقاتًا سعيدة جمعتنا بهم، وحين نسأل فى أى سنة كان هذا، سنتذكر أنه كان قبل سنوات، لا بل عقود، لكنها «مرت زى الثوانى». شعور لم نختبره ونحن شبان فى مقتبل أعمارنا، حيث كنا نشعر بأن الحياة ممتدة أمامنا، وطريقها طويل، ولسنا فى عجلة من أمرنا، لكن للعمر منطقه المختلف، هو الذى يجعلنا نقول، وقد تقدّم بنا، ونحن نستعيد أحداثا عشناها: «والله كأنها بالأمس».
نعيش ونكبر ونحن لا نعلم أى الأحداث سيحتفظ بها الزمن فى ذاكرتنا، وأى الأشخاص سيتركون أثرًا طويلًا فينا. ولا نعرف ما إذا كانت لحظة عادية اليوم ستصبح، بعد عشرين عامًا أو أكثر، من اللحظات التى نتمنى لو استطعنا العودة إليها. إنه أحد أوجه هشاشتنا الإنسانية: نعيش الحاضر من دون أن نعرف أنه سيصبح ماضيًا، ثم ندرك بعض معانيه حين يتحوّل إلى ذكرى فقط. نكون داخل اللحظة، فلا نرى حدودها، وحين نبتعد عنها نراها فى صورة مكتملة، لكننا نفقد القدرة على العيش فيها مرة أخرى.
«سنين ومرت زى الثوانى».. عبارة قيلت فى سياق الحب، لكنها تلامس فى نفوسنا ما هو أبعد، وأشمل، وأعمق.


حسن مدن
جريدة الخليج الإماراتية

التعليقات