نشرت جريدة البيان الإماراتية مقالا للكاتبة عائشة سلطان، تؤكد فيه على دور الأدب الحيوى فى إبراز أهمية الذاكرة الفردية والجمعية للحفاظ على الهوية والوجود الإنسانى ومقاومة التجريد والتغريب.. نعرض من المقال ما يلى:
فى رواية «مئة عام من العزلة» لماركيز، حدث أن انتشر وباء الأرق فى القرية كلها، ما أدى إلى أن فقد أهالى «ماكوندو» القدرة على النوم، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ سرعان ما تطور المرض ليجد الناس أنفسهم وقد بدأوا ينسون ذكريات طفولتهم، ثم أسماء الأشياء التى يستخدمونها والتفاصيل المحيطة بهم، وكيف يطهون طعامهم، أو يعدون قهوتهم. يكتب ماركيز هذا المشهد بعبقرية وحس إنسانى لاذع وعبقرى لم يضاهِه أحد فيه، والأمر لا يتعلق بنسيان طريقة إعداد القهوة بالحليب، كان الأمر أخطر من ذلك بكثير!
ما قدمه ماركيز فى هذا المشهد الذى يعد أحد أكثر مشاهد الرواية عمقا يتصل مباشرة بفلسفة الذاكرة والهوية والوجود، أكثر مما يرتبط بتفاصيل إعداد الشاى والقهوة بالحليب، الذاكرة والهوية والوجود هى قيمات مفصلية يتصدى لها الأدب اليوم بشكل واضح، لأن كل هذه التحديات التى نعيشها وسياسات الاجتثاث والإبادة وتغيير الخرائط، تحديدا فى الشرق الأوسط، يتصل بهذا المحور: الوجود والذاكرة والهوية.
عندما بدأ الناس فى قرية «ماكوندو» يفقدون ذاكرتهم فعليا: ذكريات طفولتهم، أسماء الأشياء التى يستخدمونها، تفاصيل الحياة حولهم، شئونهم اليومية، وتسلل الخوف إليهم من نسيان هويتهم ومن هم ومعنى العالم الذى يعيشون فيه، ابتكر «خوسيه أركاديو بوينديا»، أحد أهم أبطال الرواية، وسيلة لحفظ الذاكرة ومقاومة النسيان: بأن توضع ملصقات تحمل أسماء كل الأشياء، فظهرت ملصقات مثل: هذه شجرة، هذه بقرة، هذا حليب.. بل كتبوا ملصقات يشرحون فيها كيف تُحلب البقرة كل صباح، وكيف يُغلى هذا الحليب ويُضاف إلى القهوة!
اليوم ونحن نقرأ ونرى كيف تخلت الأمم عن هويتها، ولبست هويات أخرى وتقمصت ذاكرة وحياة ليست لها، يفوتنا أن نتتبع هذا المأزق الأول الذى مرت به أولا، النسيان والتخلى، هذا النسيان الذى يتطور إلى فقدان الاسم واللغة والمعنى أولا، وبالتالى يصل إلى العمق تماما، تجد الأجيال جيلا تلو جيل قد فقدت ذاكرتها وهويتها وصِلتها بحقيقة وجودها ومن تكون!
هذه هى عبقرية الأدب، وهذه هى عبقرية «مئة عام من العزلة»: لم يعد الإنسان مهددا بنسيان أسماء الأشياء فقط، بل بنسيان: المعنى والوظيفة والدور، وعلاقته بحقيقته ووجوده!