أسئلة انتقال السلطة.. مصر ٢٠٣٠ - أحمد عبد ربه - بوابة الشروق
السبت 24 أكتوبر 2026 7:36 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد اعتراض نادي الزمالك على التحكيم في القمة الـ133 ؟

أسئلة انتقال السلطة.. مصر ٢٠٣٠

نشر فى : السبت 24 أكتوبر 2026 - 6:35 م | آخر تحديث : السبت 24 أكتوبر 2026 - 6:35 م

أعلن رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسى الأسبوع قبل الماضى عن «عدم المساس بالدستور»، وعن أنه غير راغب فى أن يتولى منصب رئيس الجمهورية بعد عام ٢٠٣٠، وهو نهاية فترته الرئاسية الحالية دستوريًا. عاد الرئيس بعد ذلك ليؤكد المعنى ذاته، بل ويضيف أن أحدًا من أسرته لن يترشح عام ٢٠٣٠ لأن «مصر أكبر من ذلك».
• • •
كانت هذه التصريحات، وبحق، تاريخية، فلا نعرف أى رئيس للجمهورية المصرية قرر بشكل طوعى وبإرادته التامة أن يسلم السلطة سلميًا، وهو أمر لو تم بالفعل فى ٢٠٣٠ فسيكون مسألة غير مسبوقة، فالرئيس محمد نجيب لم يغادر السلطة طوعًا، بل تم تحديد إقامته فى فيلا زينب الوكيل بمنطقة المرج! ثم جاء الرئيس عبد الناصر ليحكم فترة بلغت رسميًا ١٤ عامًا إلى أن وافته المنية فى ١٩٧٠. ثم كان اغتيال الرئيس أنور السادات، وجاءت ثورة يناير ٢٠١١ لتزيح الرئيس مبارك عن الحكم، ثم ثورة يونيو لتزيح الرئيس مرسى عن كرسى السلطة، ثم جاءت فترة المستشار عدلى منصور، وهى فترة استثنائية تولى فيها السلطة بصفته رئيس المحكمة الدستورية العليا، إلى أن جاء الرئيس السيسى.
بالطبع، من هنا وحتى عام ٢٠٣٠، ستكون هناك الكثير من الاحتمالات التى لا يمكن معها أن نجزم بأن مثل هذا الانتقال سيتم، وقد تكون بعض هذه الاحتمالات خارج إرادة الرئيس نفسه، ولكن لأننا فى الحاضر، فيجب أن نتعامل مع تصريحات الرئيس على أنها نية صادقة لتسليم السلطة، وهو الأمر الذى يطرح ثلاثة أسئلة صعبة تحتاج إلى تفكير دقيق قبل تسليم السلطة المنتظر!
السؤال الأول يدور حول من يكون الرئيس القادم؟ وهنا لا أعنى من يكون الشخص الذى سيتولى السلطة، ولكن ما هى خلفيته وخبراته لتولى هذا المنصب؟ فمنصب رئيس الجمهورية المصرية منصب شديد الحساسية وعظيم المسئولية، ولا يحتمل التجربة والخطأ، وخصوصًا فى ظروف الإقليم وما به من تحديات جمة تمثل تهديدات واضحة للأمن القومى المصرى. فى الدول الأكثر ديمقراطية، عادة ما يأتى رئيس الجمهورية بعد عملية ممارسة سياسية وحزبية طويلة، ومن ثم فإنه فى العادة يكون جاهزًا لتولى المنصب، مع وجود مساعدات من بعض المستشارين السياسيين الذين قد يحتاج إليهم، وخصوصًا فى سنوات حكمه الأولى! لكن مثل هذه العملية السياسية غير موجودة فى مصر، ومن ثم فإن أى شخص من التيارات المدنية والحزبية قد لا يكون بالضرورة مؤهلًا للحكم عام ٢٠٣٠!
• • •
فى العصر الجمهورى المصرى، كانت وما زالت عملية الانتقال هذه تتم فى معظم الحالات بين قادة عسكريين، تحكمهم الثقافة المؤسسية نفسها القائمة على الانضباط والنظام، كما أن لديهم فهمًا متقاربًا لمفاهيم الأمن القومى المصرى، كما أن بعضهم قد جاء للرئاسة بعد أن قضى فترة فى منصب نائب رئيس الجمهورية، مما مكنه من تحصيل بعض الخبرات اللازمة لهذا المنصب! وقد جاء الاستثناء ليؤكد القاعدة، فمن بين رؤساء مصر، جاء اثنان فقط من خارج المؤسسة العسكرية، ولم يمكث أى منهما أكثر من عام تقريبًا، وفى ظروف سياسية ملتهبة ما زالت عالقة فى ذاكرة ووجدان الشعب المصرى.
وهو ما ينقلنا إلى السؤال الثانى، وهو حول طبيعة العلاقة المنتظرة بين هذا الرئيس الجديد وبين أجهزة الدولة فهى تقوم بأدوار مهمة فى إدارة الدولة، حيث تلعب دورًا فى اختيار النخب السياسية (رئيس الوزراء والوزراء ورؤساء العديد من الهيئات الرسمية فى الدولة)، كما أنها تلعب أدوارًا دقيقة فى صياغة خطة الأمن القومى، وفى الإشراف على عمل نخبة الجهاز البيروقراطى فى الدولة، وكذلك لها أدوار شديدة الأهمية والحساسية فى الوقت نفسه، متعلقة بالاتصال السياسى داخل البلاد وخارجها! وقد قامت هذه الأجهزة بهذه الأدوار بشكل متصل ومتراكم على مدار أكثر من سبعة عقود تقريبًا بلا انقطاع، ومن ثم فالعلاقة السلسة بين هذه الأجهزة وبين رئيس الدولة لا غنى عنها من أجل استقرار الأوضاع السياسية فى مصر، ولا يمكن بأى حال من الأحوال المغامرة بعلاقة مضطربة بين الرئيس الجديد وبين هذه الأجهزة، كما كان الوضع فى ٢٠١٢-٢٠١٣! وهو ما يعنى أن الرئيس الجديد لا بد له من أن يتفهم طبيعة عمل هذه الأجهزة وأن يتعاون معها، كما يجب أن تثق الأجهزة فى هذا الرئيس الجديد.

ثم يأتى السؤال: ما الإجراءات المنتظرة خلال السنوات الأربع القادمة من أجل التسليم السلس للسلطة؟ أعتقد أن هناك عدة إجراءات واجبة حتى نضمن أن تسليم السلطة الرئاسية لا يؤثر على الاستقرار السياسى الداخلى، وخصوصًا فى ظل ظروف الأمن الإقليمى العربى والشرق أوسطى، التى تعد فيها مصر رمانة الميزان!
• • •
أول هذه الإجراءات يتعلق بوضع رئيس الجمهورية الحالى بعد تسليم السلطة، وفى هذا السياق أقترح أن نتبع بعض الإجراءات التى أثبتت نجاحها فى تجارب انتقال وتسليم السلطة فى ظروف مشابهة لظروفنا السياسية الحالية، ومنها توفير كل الضمانات والإجراءات التى تضمن حياة كريمة وآمنة تليق برئيس سابق لجمهورية مصر العربية، ومن ضمنها ــ إن رغب فى ذلك ــ منصب دائم فى مجلس الدفاع الوطنى أو فى مجلس الشيوخ أو النواب مدى الحياة، وهو اقتراح يتطلب تعديلًا فى الإطار الدستورى والقانونى المنظم لهذه المؤسسات، فهذه من أهم الإجراءات التى تضمن أن الخبرة الكبيرة التى تمتع بها الرئيس على مدار الـ١٦ عامًا (٢٠١٤-٢٠٣٠) فى أمور الأمن الداخلى والخارجى، وكذلك فى صياغة السياسات وتحديد طبيعة التهديدات، لن تذهب سدى، وستكون فى النهاية إضافة لنهج الحكم بعد ٢٠٣٠، ومثل هذا التراكم مطلوب لأن مصر قد عانت كثيرًا من الانقطاع بين إرث الرؤساء السابقين، وهو أمر نفتقد إليه بشدة، ولعله يحدث بعد ٤ سنوات من الآن.
أعتقد أيضًا أنه من ضمن الإجراءات الواجب اتخاذها من أجل هذا التسليم السلس للسلطة قيام الرئيس السيسى بالتفكير فى احتمالية تعيين نائب أو أكثر لرئيس الجمهورية، يكونون من الكفاءات التى رآها وتعامل معها خلال رئاسته للجمهورية. قد يكون هناك نائب لرئيس الجمهورية لشئون الأمن القومى والدفاع، وآخر كنائب للرئيس للعلاقات الخارجية والدولية، وثالث كنائب للرئيس لشئون الاقتصاد والتنمية المستدامة.
نعلم من التجربة أن الرئيس مبارك لم يرغب أبدًا فى تعيين نائب للرئيس حتى اضطر، تحت ضغوط الثورة، إلى أن يعين السيد عمر سليمان، الذى لم يستمر فى منصبه سوى لعدة أيام فقط حتى تنحى مبارك. أما مرسى فقد عين المستشار محمود مكى نائبًا لرئيس الجمهورية فى أغسطس ٢٠١٢، واستمر فى منصبه حتى ديسمبر من العام نفسه، كما قام بتعيين عدد من المستشارين كان أغلبهم بلا سلطة حقيقية، واضطر عدد منهم بعد ذلك إلى الاستقالة بعد قراراته المنفردة بشأن الدستور فى نوفمبر عام ٢٠١٢. أما عن الرئيس عدلى منصور، فقد قام بتعيين الدكتور محمد البرادعى نائبًا للرئيس للشئون الخارجية، لكن الأخير استقال بعد أسابيع قليلة!
• • •
لماذا سيكون تعيين نائب أو أكثر لرئيس الجمهورية خلال العامين المقبلين خطوة مهمة فى تقديرى؟ أولًا، لأن الحساسيات التى كان يتم تسريبها والحديث عنها أيام مبارك، من أنه لا يرغب فى تعيين نائب للرئيس حتى لا يكون هناك طمع أو ضغوط عليه لتسليم السلطة لآخر، لن تكون موجودة هذه المرة، فالرئيس السيسى أعلن بمحض إرادته الحرة أن هذه السلطة ستُسلَّم كما ينص الدستور فى ٢٠٣٠!
كذلك، فمثل هذه التعيينات سوف تكسب أصحابها خبرات مهمة قبل أن يتسلموا منصب الرئاسة ــ فى حالة ترشحهم ونجاح أحدهم فى ٢٠٣٠ ــ فهذه الخبرات لا غنى عنها كما أوضحت فى بداية المقال. وأخيرًا، فإن مثل هذه التعيينات من شأنها إحداث التقارب المطلوب بين الرئيس الجديد وبين أجهزة الدولة السيادية، وهو أمر حتمى فى الحالة المصرية!


أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر

أحمد عبد ربه أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر