ليس الفساد فقط - سامح فوزي - بوابة الشروق
الأربعاء 6 مايو 2026 2:46 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

ليس الفساد فقط

نشر فى : الثلاثاء 5 مايو 2026 - 7:00 م | آخر تحديث : الثلاثاء 5 مايو 2026 - 7:00 م

لفت انتباهى مقال الأستاذ عماد حسين أمس الأول عن الفساد الصغير الذى يقود إلى الفساد الكبير، وهو مُحق فى طرحه، لأن التسامح مع الأخطاء يؤدى إلى استفحالها، وليس اجتثاثها. وتنبع الخطورة من الفساد، لأنه مكشوف وظاهر، صغر أم كبر، يمكن اكتشافه فى صور عديدة: التزوير والاختلاس المالى وافتعال وقائع غير حقيقية من أجل مكسب مادى، وتكوين شبكات بين الموظفين محكمة، ومترابطة، تقوم على الفساد، وقد يصل الأمر، كما تشير أدبيات الإدارة العامة، إلى أن نرتطم بإدارة فساد أكثر من إدارة فاسدة.

 ولكن الخطورة الدائمة، والمستمرة، والتى قد لا يرافقها تأنيب الضمير، ولا عقاب القانون هو سوء التعامل مع الموارد العامة، أو ما يندرج تحت مسمى السلوك غير الأخلاقى فى العمل. الأمثلة على ذلك كثيرة منها استخدام موارد المؤسسة لأغراض شخصية، مثل السيارات وأجهزة الحاسب الآلى، والطابعات والهواتف، واستغلال المكاتب الإدارية فى قضاء مصالح شخصية والتسرب من العمل تحت ذرائع وحجج شتى، يضاف إلى ذلك سوء الإدارة نتيجة ضعف قدرات القائمين على العمل الإدارى بمختلف مستوياته، واستقطاب عناصر ضعيفة وتهميش الشخصيات المتوهجة. الإشكالية أنه فى أحوال كثيرة تكون مساءلة القيادات ماليا فقط، تحت مسمى إهدار المال العام، فى حين أن هناك صورًا أخرى لإهدار الموارد العامة يصعب إثباتها، وهى خارج دائرة الحصر، والمتابعة، ولا تكون تحت رادار الرصد.

إذا كان الفساد، صغيرا أو كبيرا، يمثل إهدارا لموارد المجتمع، ويشيع اليأس والإحباط، ويضع أعباء قاسية على الفقراء ومحدودى الدخل الذين يدفعون ثمنه، فإن سوء الإدارة يتسبب فى تلك النتائج السلبية، بل يزيد عليها بإنتاج نمط إدارى مشوه، يركن فيه الموظفون، والعاملون فى الدوائر العامة إلى نظرة ضيقة للعمل، تفضل المصالح الشخصية على الصالح العام.

وتتطلب مواجهة الفساد منظومة متكاملة من المساءلة، سواء المساءلة الرأسية التى تتمثل فى مؤسسات الدولة البرلمانية والرقابية والمحاسبية، والمساءلة الأفقية التى تشمل الإعلام، والمجتمع المدنى، وغيرهما من الروابط التى ينشئها المواطنون. أما الاخلاق فى الإدارة، فهى تحتاج إلى بناء أعمق، يشمل مؤسسات التنشئة، مثل الأسرة، والتعليم، والمؤسسات الدينية، بالإضافة إلى المواثيق المهنية والأخلاقية التى تحدد التعامل الأخلاقى فى العمل، والتى بموجبها يمكن معاقبة المخالفين من العاملين أو الموظفين.

وبصفة عامة فإن المجتمعات المتقدمة تكون فيها المعايير الأخلاقية فى العمل محل التزام صارم، وأى خروج عليها يترتب عليه عقاب شديد، وقد لا يحتاج الأمر أن يرتكب الشخص فسادا كبيرا أو صغيرا، بل يكفى أن يتحمل المسئولية الأخلاقية عن ارتكاب خطأ أو سوء استغلال للموارد، أو اقتراف أخطاء قد لا ينظر إليها الناس فى مجتمعات أخرى على أنها جسيمة، بل قد لا يعتبرونها أخطاء من الأصل، أو يسمونها فهلوة!

 

سامح فوزي  كاتب وناشط مدني
التعليقات