عنوان المقال مقتبس من عنوان فرعى لكتاب صدر فى نهاية العام الماضى فى إسرائيل تحت عنوان: «عن يمين الصهيونية ــ من جابوتنسكى وحتى نتنياهو». يتضمن الكتاب مقدمة بعنوان: مختصر تاريخ اليمين الصهيونى، وخمسة عشر فصلًا كتبها مؤلفون مختلفون، من بينهم مؤلفون غير إسرائيليين، وقام بتحريره، المؤرخ، آفى شيلون.
يتناول الكتاب مجموعة متنوعة من القضايا، أبرزها: الشرق فى فكر زئيف جابوتنسكى، وفكرة الترانسفير (أى طرد كل الفلسطينيين من كل فلسطين التاريخية) فى فكره، والتكنيك الذى اتبعه حزب الليكود، اليمينى، فى التوصل إلى اتفاق السلام مع مصر، واليمين الصهيونى بوصفه حركة شعبوية محافظة، وعملية بناء ما يُطلق عليه «اليمين الجديد» من الناحية الأيديولوجية والاستراتيجية، وتشعب هذا اليمين وتمدده داخل إسرائيل، وعلاقة الحريديم (الأصوليين اليهود) باليمين، وكيف تحولت من علاقة تفضيل إلى خيار عجز، وأوجه الشبه بين اليمين الإسرائيلى الشعبوى ونظيره فى الغرب، خاصة فى فرنسا، والتخوف من أن ينشأ يمين فلسطينى داخل إسرائيل بين الكتلة الفلسطينية الكبيرة (أكثر من 2 مليون نسمة بحسب إحصاءات عام 2024م، أى ما يقارب 21% من إجمالى عدد السكان داخل إسرائيل) والتاريخ الحقيقى لليهود والصهيونية.
لا تخفى دلالة العنوان الفرعى على فطنة القارئ، إذ إن زئيف جابوتنسكى (1880م ــ 1940م) هو أبو اليمين الصهيونى، بعد أن أنشأ الحزب التصحيحى (تصحيح لمسار الحركة الصهيونية، حسب رؤيته) عام 1925م، وانشق على التيار الرئيس بها، بعد أن وافقت الهستدروت الصهيونية (التنظيم الأم لكل الهيئات الصهيونية، الذى أسسه الزعيم الصهيونى، ثيودور هرتزل، فى 3 سبتمبر 1897م خلال انعقاد المؤتمر الصهيونى الأول فى بازل بسويسرا) على الحدود التى رسمها البريطانيون لمنطقة الانتداب على فلسطين، والتى استبعدت الضفة الشرقية لنهر الأردن من نطاق الانتداب، الذى كان يشمل، طبقًا لوعد بلفور، (1917م) غربى وشرقى نهر الأردن معًا.
كتب جابوتنسكى، فى هذا الصدد (هو أديب وشاعر أيضًا إلى جانب كونه سياسيًا)، قصيدة بعنوان: «شرق الأردن»، شرح فيها رؤيته، تجاه ما يُسمَّى «أرض إسرائيل الكاملة»؛ حيث يقول: «كالعامود الأوسط للقصر/ كالعامود الفقرى حتى للإنسان/ فإن نهر الأردن، النهر المقدس/ هو محور ارتكاز أرضى وقاعدتها/ للنهر ضفتان: هذه لنا وتلك أيضًا (...) نذرت كلتا يدى لك، يا وطنى/ كلتاهما للمنجل والترس/ لتنسى يمينى الخائنة فى التو/ إذا نسيت شرق الأردن/ للنهر ضفتان: هذه لنا وتلك أيضًا».
تمسك فريق «الصهيونية التصحيحية»، ومعه جزء من حركة «العمل الموحد»، الصهيونية، بضرورة ضم الضفة الشرقية لنهر الأردن إلى الدولة اليهودية المخطط إقامتها، واعتبارها جزءًا مما يُسمَّى «أرض إسرائيل الكاملة»، ولذا اشتمل رمز التنظيم الصهيونى الإرهابى، المسمَّى بالـ «إتسل» (التنظيم العسكرى القومى، الإرهابى، الذى أسسه جابوتنسكى وتزعمه)، على صورة لبندقية وفى خلفيتها خريطة لفلسطين فى حدود الانتداب البريطانى الأصلى، أى على جانبى نهر الأردن، وتحتها عبارة: «بالبندقية فقط».
• • •
أصَّل جابوتنسكى للفكر اليمينى، العنيف، ورسم ملامح اليهودى الاستعمارى، الاستقوائى، نقيض اليهودى الأوروبى، الذليل، وكتب، ضمن ما كتب، رواية بعنوان: «شمشون» (1927م)، رسم فيها صورة لهذا اليهودى، واشترط توافر ثلاثة عناصر كى يصبح وجوده أمرًا واقعًا، وتتحقق لليهود سيطرة، كما يقول آفى شيلون، هى: «الحديد»، بمعنى حيازة قوة عسكرية وتكنولوجية، و«الملك»، بمعنى العيش تحت حكم قوى يوحد الجماعات اليهودية المختلفة، و«الضحك»، بمفهوم تنمية ثقافة عبرية فرحة وفخورة، لا تهاب المخاطر.
تبنى جابوتنسكى نهج القوة على طول الخط، ومارسه، بالفعل، فهو الذى دعا، مبكرًا، أثناء إقامته فى أوديسا فى كنف الإمبراطورية الروسية، إلى إقامة ميليشيات يهودية مسلحة للدفاع عن يهود روسيا، واكتشف أن هناك، بالفعل، ميليشيا أقامها الطلبة اليهود فى روسيا، أسموها «أورشليم، فانضم على الفور إلى صفوفها، وسعى إلى جمع أموال من أثرياء اليهود لشراء أسلحة لها؛ وهو الذى سعى من أجل إقامة الفيلق اليهودى، الذى حارب ضمن صفوف الجيش البريطانى؛ وقد التقى من أجل هذا الغرض مع رئيس الحكومة البريطانية، لويد جورج، ومع وزير الداخلية البريطانية، هربرت صموئيل، وفى 21 يناير 1917م وقَّع على مذكرة رسمية مع حكومة الحرب البريطانية بشأن إقامة هذا الفيلق.
• • •
هذا فيما يخص جابوتنسكى ونهجه، باختصار. أما بنيامين نتنياهو، مجرم الحرب، المطلوب للعدالة الدولية، بسبب الجرائم التى ارتكبها، وما يزال، فى غزة، فهو ابن المؤرخ، بن تسيون نتنياهو، الذى كان عضوًا فى حزب جابوتنسكى، وعمل سكرتيرًا له لفترة من الوقت، ومن هذا المنطلق، هو امتداد طبيعى لجابوتنسكى ولنهجه الاستقوائى. وهو لا يخفى انتماءه، أيديولوجيًا، إلى جابوتنسكى.
شغل نتنياهو منصب رئيس الحكومة ثمانية عشر عامًا، حتى الآن، وهى أطول فترة شغلها رئيس حكومة فى إسرائيل؛ وقد تهرب طوال الثمانية عشر عامًا من التقدم على مسار السلام، وحل الدولتين، وأعرب مرارًا وتكرارًا عن رفضه لإقامة دولة فلسطينية، وأيد سيطرة إسرائيل عسكريًا على الضفة الغربية، وأطلق يد المستوطنين فيها، كما كشف، فى أحد اللقاءات الصحفية، مؤخرًا، عن رؤيته اليمينية، القائمة على أيديولوجية دينية، حين قال إنه يؤمن بأن هناك ارتباطًا تاريخيًا ودينيًا لليهود بما يُسمَّى «أرض إسرائيل الكاملة» (عقيدة جابوتنسكى نفسها) ولم يخض أى مفاوضات جادة من أجل المضى قدمًا نحو حل عادل، وسعى، طوال الوقت، إلى فصل الضفة الغربية المحتلة عن غزة، المحاصرة، كى لا يشكل ارتباطهما نواة لقيام دولة فلسطينية، ووضع شروطًا تعجيزية أمام الفلسطينيين منها اعترافهم بإسرائيل دولة قومية للشعب اليهودى.
قصارى القول: لا يرى نتنياهو فى الحل السياسى الكلاسيكى هدفًا قابلًا للتحقق، ويفضل إدارة متواصلة للنزاع. يشير البروفيسور، تسفى بن دور بانيت، أستاذ التاريخ الصينى والدولى بجامعة نيويورك، فى مقال كتبه بالكتاب، إلى أن مجرم الحرب، بنيامين نتنياهو، «اخترع مسألة الإرهاب، كى يتشدق، كذبًا، وزورًا وبهتانًا، بأنه «أنقذ الغرب»، وإلى أنه أطلق حربًا أبدية فى غزة وفى سائر الجبهات الأخرى مع إسرائيل، وإلى أنه يطبع حالة الحرب عن عمد، من أجل أن يبقى فى سدة الحكم».
• • •
لم يتغير النهج الاستقوائى، العنيف، منذ عصر جابوتنسكى، وحتى عصر نتنياهو، وهو ما يؤكده آفى شيلون: «يتسم اليمين الحالى برؤية سياسية استقوائية قوامها الاعتبارات العملية المصلحية والنفعية، وليس الأساس الأيديولوجى، الأخلاقى أو المبادئ المجردة، أو المثل، وقوامها إثارة الشحناء والبغضاء بين طبقات المجتمع، وإطلاق تصريحات غوغائية».
فيما يخص الجماعات اليمينية، العنيفة، الجديدة، التى انبثقت عن التيار الصهيونى الدينى، يرى تومر بيرسكو، الباحث والمحاضر فى شئون الأديان والمجتمع الإسرائيلى، وزميل بحث بمعهد شالوم هرتمان، أنها تنقسم إلى أربعة تيارات أصولية يهودية، إذا جاز التعبير، هى: التيار الحريدى القومى، وهو تيار يؤمن إيمانًا دينيًا عميقًا بحق اليهود فى كل «أرض إسرائيل»، ويؤيد الاستيطان فيها، ويعارض معارضة تامة الانسحاب من أى جزء من أجزاء هذه الأرض، ويعارض إقامة دولة فلسطينية، وله حضورٌ قوى فى الجيش وفى التعليم، وفى السياسة، والتيار الكهناوى ( نسبة إلى الحاخام، العنصرى، ميئير كهنا، صاحب فكرة طرد الفلسطينيين من كل فلسطين التاريخية) ويمثله فى الائتلاف الحكومى، الحالى، بزعامة نتنياهو، وزير الأمن القومى، إيتمار بن جفير، أما التيار الثالث فهم من يُطلق عليهم «شبيبة التلال»، أو، بالأحرى، شبيبة الأهوال، كما أسماهم رئيس الحكومة السابق، إيهود أولمرت، وهم ميليشيات مسلحة، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، تحظى بدعم من جميع المؤسسات فى إسرائيل، وعلى رأسها مؤسسة الجيش، فضلًا عن دعم كبار الحاخامات؛ وهى ترتكب أهوالا ( قتل، وحرق منازل، وإتلاف حقول ومزروعات، وحرق سيارات وغير ذلك) ضد الفلسطينيين فى الضفة الغربية بهدف تنغيص حياتهم وإجبارهم على الرحيل، ثم تيار نشطاء ما يُسمَّى «جبل البيت» ــ الحرم القدسى الشريف ــ وهم جماعات تعمل من أجل تغيير ما اصطلح على تسميته بالـ «وضع الراهن» فى الحرم القدسى الشريف، وتسعى إلى تقسيم المكان زمانيًا ومكانيًا على غرار التقسيم السائد فى الحرم الإبراهيمى بالخليل، وتضم شخصيات عامة وحاخامات.
وهو يوضح أن هذه الجماعات تتمسك بتفسير أصولى للتراث اليهودى، وترفض سلطة الدولة، بما فى ذلك تبنيها للاهوت الصهيونى الدينى، وتقدم شكلًا جديدًا من التدين اليهودى ــ المتعصب، والشوفينى، غير الملتزم بالخط الرسمى للدولة، وغير الصهيونى فى بعض الأحيان؛ ويتبنى أعضاؤها، من خلال مستويات مختلفة من التقيد بالشريعة اليهودية، الأساس التوراتى الذى بنت الحركة الصهيونية عليه علاقتها بما يسمى «أرض إسرائيل»، لكن من خلال تفسير حرفى وانتقائى.
يشير بيرسكو إلى أن هذا الطرح الجديد يمثل، فى نظره، «يمينًا منفصلًا عن الواقع، ومستخفًا بمؤسسات الدولة، ومجافيًا لمعظم المواطنين الإسرائيليين وعاداتهم، وإلى أن الهدف النهائى لهذه الجماعات، رغم طرقها المختلفة، هو تدمير إسرائيل كدولة ديمقراطية تقيم حيزا عاما علمانيا وليبراليا، وإلى أنها تعتمد على رؤى لاهوتية أصولية».
ما يزال اليمين، الذى بدأ استقوائيًا، وعنيفًا، وإرهابيًا، وعنصريًا، يحمل الجينات نفسها حتى يومنا هذا، وما يزال زعماؤه اليوم، وعلى رأسهم، نتنياهو، يحملون ويطبقون أفكار جابوتنسكى بحذافيرها.
أستاذ الدراسات الإسرائيلية بجامعة المنصورة