تشومسكى مزيفًا - سيد محمود - بوابة الشروق
الثلاثاء 10 فبراير 2026 8:53 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد أزمة إمام عاشور.. ما تقييمك لعقوبة الأهلي؟

تشومسكى مزيفًا

نشر فى : الثلاثاء 10 فبراير 2026 - 7:25 م | آخر تحديث : الثلاثاء 10 فبراير 2026 - 7:25 م

أحدث ظهور اسم عالم اللغويات الأمريكى الشهير نعوم تشومسكى ضمن قائمة أصدقاء رجل الأعمال الأمريكى إبستين صدمة كبيرة فى الأوساط الفكرية فى العالم، لكن هذه الصدمة اتخذت فى عالمنا العربى بعدًا مختلفًا، بسبب القيم والمواقف التى كان تشومسكى يمثلها كمدافع شرس عن عدالة القضية الفلسطينية؛ فعلى مدى نصف قرن لخص تشومسكى المسئولية الأخلاقية للمثقف ولذلك ظلت الميديا الأمريكية تضعه فى خانة الأعداء، فى حين تعامل معه الإعلام العربى كنبيٍّ منبوذ وحليف ناقد للسياسة الأمريكية. ولسنوات ظلت زياراته للمنطقة أقرب إلى أحداث ثقافية كبرى تحظى باهتمام خاص، وتستقطب كل الأصوات الغاضبة.

باختصار، كان تشومسكى صوتًا حرًّا، وكثيرًا ما ظهرت صورته على جرافيتى الحوائط فى المدن العربية، على نحو كرّس صورته الأيقونية. لكن إيميلات إبستين تنقل صورته إلى ألبوم آخر، وتضعه ضمن المثقفين المزيّفين الذين قصدهم باسكال بونيفاس فى كتابه الذى حمل العنوان نفسه، وتحدث فيه عن الثمن الذى يتقاضاه الخبراء جراء ظهورهم على الشاشات لتمرير قضايا بعينها.

لم يكتفِ تشومسكى بالظهور على الشاشات أو بتقديم استشاراته الفكرية لرجل الأعمال الفاسد حول الأوضاع فى سوريا وفنزويلا، وإنما بالغ فى دعم إبستين. وتشير السجلات المالية الخاصة بإبستين إلى وجود مدفوعات متعددة قُدِّمت إلى تشومسكى وأفراد من عائلته، من بينها عشرون هبة منفصلة صُرفت لصالح صناديق اتئمانية تعود إلى أحفاده.

اللافت أن فئة من المثقفين العرب لا تزال تتمسك بالتشكيك فى الوثائق المُفرج عنها، وتتهم بعض الدوائر الصهيونية بتشويه سمعة الرجل، ذلك على الرغم من أن زوجة تشومسكى تفاخرت فى بيانات رسمية بوجود زوجها ضمن دائرة كان إبستين يثق بها ويحصل منها على نصائح للتعاطى مع الإعلام حتى بعد أن تم الكشف عن فضائحه الجنسية. كما تحدثت عن وجود العائلة فى ضيافته أكثر من مرة داخل شقق فى باريس ونيويورك، وبعض تلك الشقق وردت عناوينها فى لوائح الاتهام التى وُجهت لإبستين.

فى الرسائل الإلكترونية المُفرج عنها، ينصح تشومسكى صديقه بعدم الاكتراث بالضجة المثارة حول جرائمه أو التقليل من شأنها.

نعلم أن إبستين انتحر فى زنزانته فى أغسطس 2019، بينما كان ينتظر محاكمته بتهم الاتجار الجنسى، لكنه ترك تشومسكى فى مواجهة العاصفة التى ستدمر سمعته السياسية والفكرية تمامًا، فى حين تبقى أعماله فى مجال اللغويات -وهو موضوع تخصصه الأصلى- بعيدة عن هذا الفخ.

تُذكّر القضية من جديد بملفات سقوط المثقف، وبنخب كثيرة تورطت فى خدمة مصالح وسلطات فاسدة.

ويحفل كتاب «المثقفون»، الذى ترجمه طلعت الشايب لبول جونسون، بالكثير من النماذج التى تصيب بالصدمة والغثيان، كما أن الكتاب الذى ترجمه تحت عنوان «المثقفون والحرب الباردة: من يدفع للزمار» يضع أمامنا الكثير من السياسات التى اتبعتها أمريكا وحلفاؤها لخدمة مشروعها السياسى.

ومؤخرًا نوّه الباحث تقادم الخطيب عبر صفحته فى «فيسبوك» إلى كتاب يستكمل الصورة، وهو بعنوان «من الذى دفع أجر الزمار فى الماركسية الغربية» لجابرييل روكهيل، يكشف خطط الولايات المتحدة الأمريكية من أجل هندسة يسار عالمى آمن لا يشكل تهديدًا للمنظومة الأمريكية القائمة، ويعتمد فى المقابل على دعم وترويج أفكار ما يسمى بالنظرية النقدية، التى تم استعمالها -كما يقول الخطيب- لتوجيه البوصلة من تحليل الاقتصاد السياسى والصراع الطبقى إلى نقد الثقافة و«الشمولية»، بما أدى فى نهاية المطاف إلى مساواة الشيوعية بالفاشية تحت شعار نقد الاستبداد، وإلى إفراغ المشروع الماركسى من محتواه الثورى.

ومن هنا، فإن مواقف معاصرة مثل موقف هابرماس من تبرير حرب الإبادة على غزة لا تبدو انحرافًا طارئًا بل تعبيرًا منطقيًا عن مسار فكرى وسياسى طويل انتهى إلى التماهى مع النظام الإمبريالى فى لحظاته الأكثر عنفًا. وبالتالى فإن يورجن هابرماس ذاته ليس سوى واحد من هؤلاء المثقفين المزيّفين الذين يضمهم كتاب باسكال بونيفاس، والذين مارسوا تضليلًا متعمدًا للجمهور.

وفى هذا السياق نفسه تكتسب «ظاهرة تشومسكى وإبستين» -كما يشير تقادم- دلالةً أعمق بكثير من كونها جدلًا شخصيًا أو أخلاقيًا. فبروز اسم نعوم تشومسكى فى مراسلات جيفرى إبستين ليس اتهامًا جنائيًا بقدر ما هو كاشف عن البنية التى يصفها روكهيل بدقة.

غير أن الحديث عن النظرية النقدية وأفكار ما بعد الماركسية بوصفها خطةً بديلة لا يمكن قبوله كحكم قاطع؛ فقد امتد تأثير النظرية النقدية إلى مجالات النقد الأدبى والعلوم الإنسانية بوجه عام، وأصبحت بالفعل إحدى أدوات الكشف عن المتناقضات فى الرأسمالية وأوجه قصورها. وقد ترجم المترجم الرائد محمد عنانى كتابًا مهمًا يُعد من أهم ما ظهر حول تطوراتها، وهو كتاب «المفكرون الأساسيون: من النظرية النقدية إلى ما بعد الماركسية» (المركز القومى للترجمة - مركز المحروسة)، وأظن أنه يسهم فى إثراء النقاش حول النظرية النقدية ودورها كأداة أو كإطار بديل لنقد الرأسمالية.