استخدام إسرائيل الجليفوسات يهدّد عودة المدنيين - مواقع عربية - بوابة الشروق
الأربعاء 11 فبراير 2026 12:15 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد أزمة إمام عاشور.. ما تقييمك لعقوبة الأهلي؟

استخدام إسرائيل الجليفوسات يهدّد عودة المدنيين

نشر فى : الثلاثاء 10 فبراير 2026 - 7:30 م | آخر تحديث : الثلاثاء 10 فبراير 2026 - 7:30 م

 تواصل إسرائيل خرق اتفاقية وقف الأعمال العدائية الموقّعة فى نوفمبر 2024، آخرها عبر رش مواد كيميائية على مساحات بجانب الخط الأزرق، وفقًا لما نقلت قوات الطوارئ الدولية. واعتبرت اليونيفيل هذه الممارسات خرقًا لقرار مجلس الأمن الدولى 1701، وتقويضًا لقدرتها على ممارسة أعمالها، مثيرةً مخاوف حول الآثار المحتملة لمواد كيميائية مجهولة على الأراضى الزراعية، ما قد يهدد عودة المدنيين وسبل عيشهم على المدى الطويل.

وأعلنت وزارتا البيئة والزراعة فى بيان مشترك، أن العينات التى فُحصت بالتعاون مع الجيش اللبنانى، وقوات اليونيفيل، أظهرت أن المواد التى رُشَّت هى مبيد الأعشاب  "الجليفوسات". وأشارت الوزارتان الى أن رش هذا المبيد سيؤدى إلى تضرر الغطاء النباتى فى المناطق المستهدفة، مع تداعيات مباشرة على الإنتاج الزراعى وخصوبة التربة والتوازن البيئى، إذ تبين فى بعض العينات نسب تركيز تتراوح 20 و30 ضعفًا مقارنة بالنسب المعتادة. ودعت الوزارتان المواطنين إلى تجنب ملامسة المزروعات المتضررة أو استخدام المياه فى المناطق المشتبه بتعرضها للرش إلى حين صدور الإرشادات الرسمية بعد إعداد خريطة دقيقة للمناطق المتضررة.

رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون اعتبر قيام الطائرات الإسرائيلية برش المبيدات على القرى الحدودية جريمة بيئية وصحية تستهدف الأراضى الزراعية ومصادر رزق المواطنين.

الجليفوساتمادة مصنعة تحت اسم «Round Up» من شركة  Bayer  الأمريكية، التى استحوذت على شركة التكنولوجيا الحيوية الزراعية «مونسانتو». وتواجه الشركة دعاوى قضائية تتعلق بالمبيد وآثاره على صحة المواطنين.

وليست هذه المرة الأولى التى تستخدم فيها إسرائيل هذه المواد فى الجنوب اللبنانى، إذ سبق أن استخدمتها فى ريف القنيطرة السورية قبل أيام، كما فى قطاع غزة خلال حرب الإبادة.

عام 2007، حظّرت المحكمة العليا الإسرائيلية استخدام مادة "الجليفوسات" بعد رشها من قِبل دائرة الأراضى فى حقول تعود إلى قرى فى النقب، معتبرةً أنها تشكل تهديدًا لحياة البشر والكائنات الحية كما تلحق أضرارًا بالمحاصيل الزراعية.

 

الأرض المحروقة لفرض واقع أمنى وجغرافى جديد

نقلت وسائل إعلام إسرائيلية أن ممارسة رشّ هذه المواد الكيميائية تندرج ضمن خطة لمنع حزب الله من الاقتراب من الحدود. لكن هذه الممارسات تتجاوز الأهداف العسكرية لتندرج ضمن سياسة أوسع تهدف إلى تحويل القرى الحدودية إلى منطقة عازلة غير قابلة للحياة. وترتكب إسرائيل جرائم بيئية وصحية من خلال رش مواد لديها خصائص السلاح الكيميائى، حتى لو لم تُذكر صراحة فى اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية. ويخلق تلويث التربة والمياه وإتلاف المحاصيل الزراعية ومصادر الرزق، بيئة غير قابلة للحياة تسهم فى منع عودة الجنوبيين وفرض واقع تهجيرى طويل الأمد على طول الشريط الحدودى.

خلال الحرب الأخيرة، اعتمدت إسرائيل استراتيجية الهدم والترحيل كأداة حرب فى الجنوب اللبنانى. ولجأت إلى تهجير السكان القسرى من خلال إنذارات إخلاء وصفتها منظمة العفو الدولية بـ«المضلّلة». كما لجأت إلى استخدام الفوسفور الأبيض وأسلحة أخرى أشبعت المياه والتربة بمعادن ثقيلة.

قد يرقى استخدام هذه المبيدات إلى انتهاك لاتفاقيات دولية عدة، منها اتفاقيات حظر الأسلحة الكيميائية، وحظر الأسلحة البيولوجية، وحظر استخدام تقنيات التعديل البيئى لأغراض عسكرية أو عدائية ENMOD.

لم توقع إسرائيل على هذه الاتفاقيات إلا أنه وفقًا للعرف الدولى الملزم، يحظر استخدام مبيدات الأعشاب كأداة حرب خلال النزاعات المسلحة، "خصوصًا، إذا كان من شأنها أن تسبب أضرارًا واسعة النطاق وطويلة الأمد وشديدة بالبيئة الطبيعية، أو التسبب بخسائر عرضية فى أرواح المدنيين، أو إصابات بينهم، أو أضرارًا بالأعيان المدنية.

واعتبر المرصد الأورومتوسطى لحقوق الإنسان أن رش هذه المواد على الأراضى الزراعية فى لبنان وسوريا بمثابة انتهاك لقواعد القانون الإنسانى وقد يرقى إلى جريمة حرب. وأكد أنه لا يمكن النظر إلى هذه الواقعة بمعزل عن سياسة الأرض المحروقة التى ينتهجها الجيش الإسرائيلى، إذ تشكل أداة عقاب جماعى ووسيلة تهدف إلى خلق بيئة تدفع السكان إلى النزوح القسرى.

 

جريمة بيئيّة وصحّية

أثار الجليفوسات جدلًا علميًا واسعًا بين دراسات تُحذر من مخاطره الصحية والبيئية، وجهات تُقلل من هذه المخاطر وتدافع عن إمكانية استخدامه كنوع من أنواع المبيدات الزراعية.

عام 2015، صنّفت منظمة الصحة العالمية الجليفوسات كمادة مسرطنة محتملة للبشر. وتوصلت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) إلى أدلة تشير إلى تسبب هذا المبيد بالسرطان لدى الحيوانات، وأيضًا الى تسببه بتلف كروموسومى لدى الأشخاص الذين يعيشون بالقرب من المناطق التى تم رشها، ما يشير إلى أن هذه المادة قادرة على إلحاق الضرر بالحمض النووى (DNA). وتعد هذه المادة من المواد المُعطلة للغدد الصماء، ما يؤثر سلبًا على التوازن الهرمونى فى الجسم. وأظهرت دراسات أخرى أن الجليفوسات قد يلحق ضررًا بوظائف الكلى مع مرور الوقت.

عام 2020، عقدت اللجنة الأمريكية لحقوق الإنسان جلسة اجتماع حول الآثار السلبية المحتملة للمبيدات الحشرية، منها الجليفوسات، على الصحة الإنجابية للنساء والأطفال. ووفقًا لدراسة أجراها مركز الحقوق الإنجابية عام2020  بعنوان «الصحة الإنجابيةوالجليفوسات فى سياق النزاع المسلح فى كولومبيا»، يتسبب هذا النوع من المبيدات بأضرار سامة لدى البشر، منها ارتفاع معدلات اضطرابات الخصوبة، والإجهاض، وانخفاض وزن المواليد، والولادة المبكرة، والتشوهات الخلقية، ووفيات الرضع.

وبدأت كولومبيا باستخدام الجليفوسات عام 1990 لأغراض عسكرية ضمن ما يُعرف بـ "الحرب على المخدرات"، وكان موضوع جدل إلى أن حُظّر نهائيًا عام 2022.

أما فى دول الاتحاد الأوروبى، فقد سُمح باستخدام الجليفوسات للمرة الأولى عام 2002. وفى 15 مارس 2017، خلصت لجنة تقييم المخاطر التابعة لوكالة المواد الكيميائية الأوروبية (RAC) إلى عدم وجود أدلة تربط بين استخدامه وإصابة البشر بالسرطان، كما أنها لم تصنفه كمادة تسبب ضررًا جينيًا أو كمادة تؤثر على القدرة الإنجابية. وفى نوفمبر 2023، جدّدت المفوضية الأوروبية الموافقة على استخدام  الجليفوسات لمدة عشر سنوات، أى حتى عام 2033.

لكن فى خطوة مثيرة للجدل، سُحبت دراسة «تقييم مخاطر مبيد راوند آب ومادته الفعالة الجليفوسات على الإنسان» من السجل العلمى، لوجود وثائق تؤكد تأثير شركة «مونسانتو» المصنعة لهذا المبيد، على نتائج الدراسة، ما أثار مخاوف جدية بشأن النزاهة العلمية والأخلاقية.

وتثير نتائج هذه الدراسات القلق فى ظل استخدام إسرائيل هذه المبيدات بشكل مكثف فى الجنوب اللبنانى. وفى ظل غياب أى استعداد للتعامل مع المخاطر البيئية الناجمة عن النزاعات المسلحة، تقع على عاتق الدولة اللبنانية مسئولية عاجلة لوضع خطة طوارئ وطنية تشمل الرصد العلمى، وحماية الموارد الطبيعية، وتعويض المتضررين، وضمان حق السكان فى بيئة صالحة للحياة.

منذ الحرب الأخيرة، تتصاعد المطالبة بانضمام لبنان إلى نظام روما الأساسى المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، باعتبارها أحد المسارات الأساسية لمساءلة مرتكبى الجرائم، بما فيها الجرائم البيئية.

وفى هذا السياق، أثارت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، أنياس كالامارد، مسألة انضمام لبنان إلى المحكمة الجنائية الدولية خلال اجتماعها مع رئيس الوزراء نواف سلام ووزير العدل عادل نصار العام الماضى، مشيرةً إلى أنهما يدركان أهمية المحكمة على المستويين الإقليمى والدولى، لكنهما غير قادرين على رؤية المسار السياسى الذى يمكن أن يفضى إلى تنفيذ ذلك فى لبنان فى الوقت الحالى، وفقًا لما قالته فى مقابلة مع «درج». وأضافت كالامارد: «إذا لم تقم الحكومة بهذه الخطوة الأساسية، فهى تبعث برسالة مفادها ألا دور لها تؤديه فى ضمان المساءلة لشعبها».

فى ظل هذا الجدل السياسى والقانونى، يبقى الجنوب اللبنانى عرضة لتهديدات بيئية، فيما تُترك المجتمعات المتضررة وحدها فى مواجهة التلوث. فمن يحمى حقوق المواطنين من الاعتداءات المتكررة على البيئة؟

رنين عواد

موقع درج

النص الأصلى:

https://tinyurl.com/3rr538ay

 

 

التعليقات