نشر موقع 180 مقالًا للكاتب عبدالحليم حمود، يوضح فيه أن الاندماج الكامل للتكنولوجيا فى نشأة الجيل الجديد أدى إلى تغيير جذرى فى نظرته للسلطة والولاء، حيث لم تعد الدولة بالنسبة له رمزًا تاريخيًا مقدسًا، بل أصبحت منصة خدمات ذكية تُقاس شرعيتها بمدى فعاليتها، شفافيتها، وقدرتها على مواكبة الإيقاع الرقمى السريع.. نعرض من المقال ما يلى:
تكوّنت الدولة تاريخيًا كمساحة تنظّم الوجود المشترك، وتحوّل الجماعة إلى كيان سياسى قابل للاستمرار. فى هذا الإطار، نشأت السلطة بوصفها وعدًا بالحماية، وشكلًا للانتماء، ونظامًا يمنح الحياة اليومية إيقاعها. المواطن وُلد طويلًا داخل هذا النسق، يتعلّم الدولة فى المدرسة، يراها فى الإدارة، يشعر بها فى الجيش والعملة والحدود، ويكوّن ولاؤه عبر الزمن والخبرة والاحتكاك.
اليوم يولد جيل مختلف جذريًا. طفل هذا العصر يفتح عينيه داخل فضاء ذكى، تحيط به الشاشات، وترافقه الخوارزميات منذ اللحظة الأولى. هذا الجيل يتعلّم قبل أن يُلقَّن، ويستكشف قبل أن يُرشَد، ويكوّن وعيه عبر التفاعل المباشر مع أنظمة قادرة على الاستجابة، والتوقّع، والتخصيص. الدولة هنا تظهر له كخدمة أكثر منها رمزًا، وكواجهة رقمية أكثر منها سردية تاريخية.
حين يدخل الذكاء الاصطناعى إلى بنية الحكم، يتقاطع مع هذا الجيل تقاطعًا عميقًا. القرار العام يصبح قريبًا من منطق التطبيقات التى يعرفها الطفل، سريعًا، قابلًا للتحديث، مرتبطًا بالبيانات. الموظف فى نظره يشبه واجهة استخدام، الوزير يشبه مدير نظام، النائب يظهر كحساب عام يخضع للتقييم المستمر، الجندى يتحوّل إلى عنصر فى منظومة حماية ذكية، والرياضى يتجسّد كنموذج أداء قابل للقياس والتحسين.
هذا الجيل يتشكّل وعيه السياسى خارج الطقوس التقليدية. فكرة الطاعة تتحوّل إلى فكرة تفاعل. فكرة الولاء ترتبط بجودة التجربة، لا بقداسة الموقع. الدولة التى تفهم لغته تحظى بثقته، والدولة التى تتأخر عن إيقاعه تبدو بعيدة عن عالمه. الانتماء يتغذّى من الإحساس بالعدالة الرقمية، وسهولة الوصول، وشفافية القرار.
فى المقابل، تنشأ هواجس عميقة. هذا الجيل يعيش داخل أنظمة قادرة على التوجيه الخفى، وعلى تشكيل السلوك عبر التوصية والتنبؤ. الدولة الذكية تمتلك قدرة غير مسبوقة على التنظيم والرعاية، وتمتلك فى الوقت ذاته قدرة عالية على التشكيل الصامت للوعى. هنا يبرز سؤال المعنى: كيف تُبنى مواطنة حيّة داخل فضاء محسوب.. وكيف تُصان الحرية داخل نظام يعرف الكثير عن أفراده؟
الدولة المقبلة تتكوّن أمام أعين جيل يولد كامل التكوين داخل رحم الذكاء الاصطناعى. نجاحها يرتبط بقدرتها على التحوّل إلى شريك فى النمو، لا إلى وصى خفى. دولة تفهم أن هذا الجيل يقيس الشرعية بالإنصاف، ويقيس السلطة بالفعالية، ويبحث عن معنى يحفظ كرامته داخل السرعة. فى هذا التوازن الدقيق، يتحدّد مستقبل الدولة كفكرة حيّة، لا كجهاز فقط، وكعلاقة إنسانية، لا كمنظومة إدارة فحسب.
النص الأصلى: