نشر موقع 180 مقالًا للكاتب حامد بن إبراهيم تناول فيه تراجع الاعتماد العالمى على الممرات البحرية، فى ظل اضطراب حركة الملاحة الناتج عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. ويرى الكاتب أن هذه التطورات أعادت إحياء فكرة الممرات البرية وخطوط الأنابيب بوصفها بدائل استراتيجية لنقل النفط والغاز من الخليج إلى أوروبا. وفيما يلى أبرز ما ورد فى المقال:
التفكير فيما يجرى حول مضيق هرمز، يُحيل على كلمة «درُوجْبَا» (Druzhba) التى تعنى «الصداقة» بالروسية؛ والتى تحولت خلال الحرب الباردة إلى عنوانٍ لأحد أكبر مشاريع الطاقة فى القرن العشرين. ففى بداية ستينات القرن الماضى، أنشأ الاتحاد السوفييتى خط أنابيب Druzhba Pipeline، لربط حقول النفط السوفييتية بدول أوروبا الشرقية ثم بألمانيا الشرقية.
الثقة فى قابليّة اللغة العربية للتطويع ولاشتقاق الأفعال الجديدة، تسمح بابتكار فعل «درَجْبَنَ»، ليكون مدخلًا لتحليل ما يدور حول مضيق هرمز. هذا الابتكار يرجح ألا يواجه معارضة كبيرة، لأننا تعوّدنا على استحداث الكلمات والأفعال. مقاربة التحولات عبر مفهوم «درَجْبَنَة غرب آسيا»، هى استعارة من المشروع السوفييتى، الذى حوّل الطاقة خلال الحرب الباردة إلى أداة تأمين للارتباط الاستراتيجى مع أوروبا الشرقية؛ وحول الأنابيب من معطى لوجستى إلى أداة لتثبيت المجال الجيوسياسى السوفييتى، وجزءًا من بنية الحرب الباردة نفسها.
***
ينطلق المقال من فرضية مفادها أن غرب آسيا يشهد تدريجيًا انتقالًا من جغرافيا الطاقة البحرية المرتبطة بالمضائق، إلى جغرافيا بريّة قائمة على شبكات الأنابيب العابرة للدول. فالممرات البرية الجديدة المقترحة، لا تتعلق فقط بتصدير الطاقة، بل بإعادة تشكيل خرائط النفوذ والتحالفات، وتعريف جديد لشبكة الاعتماد المتبادل بين القوى الإقليمية والدولية.
ولا شك، أن الحرب الجارية وتصاعد التوترات الإقليمية، وإظهار إيران استعدادًا وقدرة على استخدام ورقة التحكم فى انسياب الملاحة أو تعطيلها خلال الأزمات، أعادا إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا يتعلق بمدى هشاشة النظام الطاقوى العالمى، القائم على المضائق البحرية.
وتحويل إيران لمضيق هرمز من بوابة عبور مائى، إلى أكبر معضلة جيو استراتيجية تواجه الولايات المتحدة. وطبعًا، المشهد يُقرأ دائمًا مع أخذ تجربة باب المندب مع الحوثيين فى الحسبان، والكل يدرك مدى خطورة التفعيل المتوازى لقرار غلق المضيقين.
***
يتزامن ما يجرى مع التحولات الكبرى التى شهدتها أوروبا بعد الحرب فى أوكرانيا والعقوبات الغربية على روسيا، حيث تعرضت البنية التقليدية لأمن الطاقة الأوروبى لهزة عميقة بعد تراجع الاعتماد على الغاز الروسى. ومع أن الغاز الطبيعى المُسال القادم من قطر والولايات المتحدة وفّر بدائل لأوروبا، فإن الكلفة المرتفعة ومحدودية حمولة الناقلات، وإشكالية العامل الزمنى فى النقل البحرى مقارنة بالأنابيب، أعادت الاعتبار لفكرة الممرات البرية العابرة للقارات.
ضمن هذا السياق، عادت إلى التداول نقاشات حول أهمية ربط الخليج بأوروبا عبر شبكات أنابيب تمر من السعودية والأردن وسوريا وتركيا. وبالتوازى، تسجّلُ جهود إقليمية تهدف إلى تجاوز اختناق هرمز، عبر خطوط بديلة موجودة سواء على البحر الأحمر (يُنبع)، أو الموانئ الواقعة خارج خليج فارس مثل الفجيرة، إلى جانب خُطط بنيامين نتنياهو الطموحة للربط بالبحر الأبيض المتوسط (حيفا). أما العراق، فقد عاد بجدية، تحت ضغط أزمة مضيق هرمز، إلى تعزيز خطوط التصدير بالأنابيب نحو تركيا، وعبر سوريا باتجاه البحر المتوسط بالشاحنات. وتحتل سوريا موقعًا مركزيًا فى أى تصور لممرات الطاقة البرية بين الخليج وشرق المتوسط وأوروبا؛ فهى تقع فى قلب المسارات المحتملة. وقد أعاد ذلك إحياء نقاشات قديمة حول مشاريع نقل الغاز نحو أوروبا عبر الأراضى السورية. وأهمية البعد الطاقوى فى فهم آفاق التموضع السورى، تبقى قائمة ضمن سياق التنافس الأوسع على أسواق الطاقة الأوروبية بين اللاعبين الخليجيين وروسيا.
فى هذا الإطار، يمكن فهم سوريا بوصفها نقطة تقاطع بين الجغرافيا السياسية والجغرافيا الطاقوية، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع مشاريع العبور الإقليمى. ويذهب البعض إلى أن جانبًا من الأزمة السورية، وجهود إسقاط نظام بشار الأسد، كان مرتبطًا بمثل هذه المشاريع الاستراتيجية. وتحتاج هذه الفرضية إلى تعمق، لا يتسع هنا المجال له، ونكتفى بالقول إن الأزمة السورية قامت على خلل بنيوى مأتاه عجز النظام عن التعامل مع تعقيدات الوضع داخليًا وخارجيًا؛ واحتماليّة استفادة بعض الجهات من تغيير المنظومة لفرض مشاريعها الإقليمية ليس مستبعدًا. والمتابع لتصريحات نتنياهو وطوم باراك، السفير الأمريكى فى أنقرة، إثر لجوء إيران لتفعيل ورقة هرمز، يفهم أن ورقة البر السورية ليست غائبة عن تفكير دوائر التخطيط الاستراتيجى الصّهيو-غربية، كأحد البدائل لتجاوز استعصاء الوضع فى المواجهة مع طهران.
***
تقتضى الموضوعيّة هنا الاعتراف، بأنّ مساعى البحث عن بدائل لوجستيّة لنقل الطاقة، لها ما يُبرّرها واقعيًا فى ظل المخاوف من تحول الخليج إلى ساحة مواجهة مفتوحة وفضاء تصعيد إقليمى واسع. ولا تتنزل المساعى والخطط فى كلّيتها، فى خانة مشاريع التوسع أو مخططات إعادة رسم الخرائط وقلب التوازنات. هنا، لا تفوتنا الإشارة إلى أنّ إيران نفسها بصدد العمل على إيجاد بديل احتياطى عن العبور بمضيق هرمز، على الأقل لتفعيلها فى حالات محددة مثلما تبين مع الحصار الأمريكى الحالى على الموانئ الإيرانيّة. وطهران - حسب بعض المعطيات الجدّية - توصّلت إلى ما يمكن تسميته «آلية لمقايضة الكمّيات»، تمكّنها من تزويد حلفاء روسيا فى جوارها، مقابل تولّى موسكو ضخ كميات إضافية فى الأنابيب التى تربط سيبيريا بالصين؛ والموضوع يتم عبر "مقاّصة الكمّيات استلهامًا من المقاصّة البنكية، المعروفة لتصفية التّحويلات المتقاطعة.
واجمالًا، يُظهر ما سبق طرحه أن التطورات الجارية يمكن أن تؤدى، على المديين المتوسط والبعيد، لإعادة تشكيل جغرافيا الطاقة والبنية التحتية، بل قد تمتد إلى تغيير أنماط السلوك السياسى لبعض دول الخليج. فتصاعد التهديدات المرتبطة بمضيق هرمز دفع بعض الدول، وبخاصة السعودية وقطر، إلى تبنّى مقاربات تقوم على تخفيف التصعيد مع إيران، وتقليل مسببات المواجهة المباشرة. وفى المقابل، يُظهر التعامل الإماراتى تباينَ الرؤى الإقليمية بشأن إدارة التهديدات وهندسة التحالفات؛ بما يعكس اختلاف الخيارات بين دول الخليج، حول طبيعة العلاقة مع إيران ومع القوى الإقليمية والدولية.
***
فى المحصلة، بين مضيق هرمز من جهة، والممرات البرية الممكنة للربط بين الخليج وأوروبا من جهة أخرى، يتبلور صراع أوسع حول من يملك القدرة على التحكم فى خرائط العبور، لا فقط مصادر الطاقة. والموضوع يمس الصين التى تراقب كل ما يمكن أن ينافس مشاريعها وممراتها، التى عملت لعقود على تثبيتها، وروسيا التى لا تقبل أى تهديد لخط الربط شمال – جنوب عبر إيران، والهند الطامحة للاستفادة من ممر التوابل، العابر للخليج وحيفا وصولًا إلى قبرص واليونان.
وإذا كان القرن العشرون قد شهد نموذج «دروجبا» كأداة لربط أوروبا الشرقية بمركز الطاقة السوفياتى، فإن القرن الحادى والعشرين قد يشهد «درَجْبَنَةً» بنُسخ متعددة ومتنافسة فى غرب آسيا؛ فالمسألة لم تعد مجرد نقل موارد، بل إعادة تشكيل خرائط النفوذ عبر مسارات الطّاقة.
وختاما، يبقى من الضرورى التعامل بحذر مع فرضية «تجاوز هرمز»، لأن قيمة المضيق فى الحسابات الإيرانية لا تُختزل فى إمكان إغلاقه الكامل أو تعطيل تدفقات النفط فحسب، بل تتصل أيضًا بوظيفته ضمن منظومة ردع أوسع، قوامها رفع كلفة الحرب وإنتاج حالة دائمة من عدم اليقين الجيوسياسى والاقتصادى. كما أنّ الحديث عن دخول غرب آسيا فى مرحلة «مركزيّة الأنابيب البرية العابرة للحدود» يحتاج إلى تنسيب، إذ لا ينبغى أن تُحجب حقيقة أن أوروبا تتجه، فى المدى المنظور، نحو تنويع مُركّب لمصادر الطاقة ومساراتها، يشمل الغاز الطبيعى المسال، والطاقة المتجددة، وإمدادات النرويج وشمال إفريقيا (غاز، نفط، الطاقة الشمسية)، فضلًا عن الرهان المستقبلى على الهيدروجين؛ بما يعنى أن الممرات البرية المحتملة قد تتحول إلى جزء من منظومة بدائل متعددة، لا إلى بديل أحادى يعيد إنتاج نموذج الاعتماد السابق والتحول من الارتهان للمضائق إلى الارتهان للأنابيب.
النص الأصلى
https://180post.com/archives/64635