أدت التطورات التكنولوجية المتلاحقة منذ عقود، وبخاصة تقنيات الذكاء الاصطناعى، إلى تغيير مشهد الحياة البشرية بشكل كبير، فمن خلال الخوارزميات المعقدة وقدرات معالجة البيانات المتقدمة، أمكن للذكاء الاصطناعى اليوم محاكاة العمليات المعرفية البشرية، مثل الاستنتاج والتعلم وحل المشكلات واتخاذ القرار، وهذا الأمر جعل الذكاء الاصطناعى يتغلغل فى شتى المجالات الحياتية من الصناعة والرعاية الصحية والتعليم.. وغيرها. لكن يبدو أن سباق الذكاء الاصطناعى اليوم، قد حسمت ملامحه مبكرا، وخارج المجتمعات التى وضعت قسرا على هامش الحداثة، مثل المجتمعات العربية.
بينما تستثمر الولايات المتحدة الأمريكية والصين مليارات الدولارات فى البحث العلمى وتكوين الكفاءات، يعانى العالم العربى من فجوة واضحة فى منظومات التعليم والابتكار والاهتمام بالكفاءات وضعف التمويل، وهجرة مستمرة للعقول، إذ يمكن الجزم أن البيئة العربية فى الكثير من الحالات هى طاردة للكفاءات والإبداعات الجادة.
اليوم، وبعد أن استقرت موازين القوة فى هذا الميدان، يبدو أن إدماجنا فى السباق يتم وفق موقع محدد سلفا، موقع المستهلكين لا المنتجين، والتابعين لا الشركاء، وبدلا من أن نكون جزءا من صناعة الخوارزميات وبناء النماذج، يقدم لنا الذكاء الاصطناعى فى شكل حزم جاهزة: برامج تعليمية، تطبيقات مساعدة فى الحياة اليومية، ومنصات إنتاجية تسوق بوصفها مفاتيح حداثة القرن الـ21، حيث تتصدر نماذج مثل «ChatGPT» و«Gemini» و«Copilot» هذا المشهد، ومن داخله - كمستهلكين لا كمطورين ومبرمجين - يعاد تشكيل علاقتنا بالتكنولوجيا، من منظور الاستعمار المعرفى، حيث نغذى هذه النماذج ببياناتنا ولغتنا وثقافتنا مجانا، ثم نعيد شراءها كخدمات.
إن الحديث عن خسارة السباق ليس قدرا، ولا ينبغى أن يكون إعلانا للهزيمة، بقدر ما هو دعوة ملحة للتفكير فى موقعنا كعرب داخل الاقتصاد المعرفى العالمى، واستدراك ما يمكن استدراكه عبر الاستثمار فى الإنسان قبل الآلة، وتدريب الذات قبل تدريب النموذج، وأول خطوة فى سباق الخروج من التأخر ومن موضع المستهلكين فى سباق الذكاء الاصطناعى، تبدأ من تبنى السيادة المعرفية، وعدم الانخراط الأعمى فى سباق تقوده الشركات والمنصات العالمية، بل البحث عن بدائل محلية مفتوحة المصدر، وتطوير بنى تحتية مشتركة عربيا، تسمح بتعظيم الموارد وتقاسم الميزات بدل استنزافها بشكل متفرق وغير فعال.
من جهة أخرى، لا يكفى إدخال أدوات الذكاء الاصطناعى إلى المدارس والجامعات، بل يجب إعادة بناء التكوين الأساس، عبر ربط علوم الحاسوب بالرياضيات والفلسفة وعلم الاجتماع، ثم قبل هذا وذاك التفكير من منظور نقدى فى «اقتصاد ما بعد الذكاء الاصطناعى»، بمعنى أدق، فى الفرص البديلة، من خلال الانفتاح على السؤال: ماذا لو كنا نعيش فقاعة الذكاء الاصطناعى؟ وماذا لو وصل العالم إلى نقطة تشبع أو تراجع؟ حيث تشير التوقعات إلى احتمال نفاد البيانات اللغوية عالية الجودة خلال السنوات المقبلة، إضافة إلى مشاكل متزايدة فى استنزاف الطاقة العالمية وتضخم الاستثمارات.
وفى هذه الحالة، لا يتعلق الأمر بنا كعرب بتدارك تأخر تقنى، بل بإعادة التفكير فى التأخر كفرصة وميزة للتموقع من جديد داخل البنية العالمية لإنتاج المعرفة.
بشرى زكاغ
موقع عروبة 22
النص الأصلى: