المشهد السياسى الداخلى الإيرانى وسيناريوهات ما بعد الحرب - وليد محمود عبد الناصر - بوابة الشروق
الخميس 4 يونيو 2026 11:31 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

المشهد السياسى الداخلى الإيرانى وسيناريوهات ما بعد الحرب

نشر فى : الأربعاء 3 يونيو 2026 - 7:10 م | آخر تحديث : الأربعاء 3 يونيو 2026 - 7:10 م

- السيناريو الثالث.. الانفتاح على قوى وطنية وثورية خارج حدود النظام القائم

 

 

فى مقالين سابقين شرفت بنشرهما على صفحات جريدة «الشروق» الغراء يومى الخميس 21 و28 مايو 2026 على التوالى، تناولت اثنين من السيناريوهات المحتملة للمشهد السياسى الداخلى الإيرانى بعد انتهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية التى بدأت فى 28 فبراير 2026 على إيران، وهما على النحو التالي: الأول يتعلق بتعاظم دور «الحرس الثورى الإيرانى»، ومعه معسكر من يسمون بـ «المتشددين» فى صفوف النخبة السياسية الحاكمة فى طهران، والثانى يتمثل فى تعاظم دور من يسمون بـ «المعتدلين» فى صفوف تلك النخبة الحاكمة، مع بيان ما بين هؤلاء من تنوع من التيارات وتعدد فى التوجهات واختلاف فى الأهداف والغايات، سواء تلك المرحلية أو الطويلة المدى.

 


ونتناول هنا فى هذا المقال سيناريو ثالث يختلف فى مداه ونطاقه نوعيًا عن السيناريوهين السابق تناولهما، وهو يتصل باحتمالية أن تؤدى الحرب الحالية وبقاء النظام السياسى الإيرانى بعدها إلى استيعاب الأركان الرئيسية فى هذا النظام لحقيقة أهمية، بل وربما ضرورة، تحقيق انفتاح سياسى للنخبة السياسية الحاكمة فى طهران على قوى سياسية وفكرية إيرانية تقف حاليًا خارج حدود النظام السياسى القائم حاليًا فى البلاد، وبينما براهن هذا السيناريو على بناء جسور بين قوى داخل النظام السياسى الإيرانى وقوى توجد خارجه، سواء متواجدة داخل البلاد أو خارجها، فإن السيناريوهين الماضيين كان جل تركيزهما هو على تفاعلات تجرى داخل النخبة السياسية الحاكمة فى طهران بعد انتهاء الحرب الجارية.
ويستند هذا السيناريو إلى اعتبارين، أحدهما هو من منظور تاريخى والآخر معاصر وآنٍ، قد تؤدى الحرب الجارية إلى إدراك ووعى النخبة السياسية الحاكمة فى إيران حاليًا، أو على الأقل قطاعات مؤثرة وصاحبة دور مهم ورئيسى فى عملية صنع القرار فيها، بأهميتهما، وقيامها بدراستهما بتعمق وبرغبة فى الاستفادة من دروس ما حدث، سواء تاريخيًا أو مؤخرًا.
ويكمن الاعتبار الأول فى تقديرات سياسية، أصبحت الآن تاريخية، يراها البعض خاطئة وأضرت بمسيرة الثورة الإيرانية وبتأثير النظام الدستورى والسياسى والقانونى والاقتصادى والاجتماعى والثقافى الذى تأسس عقب انتصار الثورة على حياة الشعب الإيرانى على الصعيدين الفردى والجماعى، وذلك من وجهة نظر العديد من المحللين السياسيين الذين يعتبرون أن تلك الأخطاء الجسيمة قد ارتكبتها القيادة السياسية الإيرانية فى الفترة التالية مباشرة لانتصار الثورة الإيرانية، وبصفة خاصة على مدار السنوات الخمسة الأولى التى أعقبت انتصار الثورة الشعبية الإيرانية التى أطاحت بنظام الشاه الراحل محمد رضا بهلوى وبالحكم الإمبراطورى الوراثى فى نهاية الأمر فى يومى 9 و10 فبراير 1979. فعلى مدار تلك السنوات الخمسة، يتفق عدد كبير من الباحثين والمحللين فى شأن الثورة الإيرانية وواقع إيران السياسى بعد انتصار الثورة على أنه تم بشكل ممنهج عملية استبعاد للقوى الفكرية والسياسية والاجتماعية الإيرانية الأخرى التى شاركت فى الثورة ولعبت أدوارًا بارزة فيها من جانب التيار السياسى الذى تمثل حينذاك فيما سمى بـ «الحزب الجمهورى الإسلامى»، وهو الحزب الذى تم حله لاحقًا فى مايو 1987 بقرار من الخمينى نفسه قبل وقت قصير من انتهاء الحرب العراقية / الإيرانية (1980 ــ 1988) ومن وفاة آية الله الخمينى اللاحقة فى عام 1989 وبسبب تصاعد الخلافات داخل الحزب، والذى عرف نفسه باعتباره يضمن كل السائرين على نهج آية الله الخمينى والمؤمنين، على الأقل على المستوى المعلن من جانبهم فى تلك الفترة، بشكل مطلق بنظرية «ولاية الفقيه» التى صاغها الخميني، وأصبحوا بدرجة كبيرة، من وجهة نظر البعض، يحتكرون ما يستمع إليه المرشد الأعلى الأول للثورة الإيرانية آية الله الخمينى ولا يسمحون للآراء المخالفة لهم بالوصول إلى مسامعه، بينما يرى البعض الآخر أن الخمينى هو من سمح لهم بالسعى الدءوب لاحتكار المشهد السياسى والقانونى والفقهى الإيرانى نظرًا لارتياحه لطاعتهم المطلقة له ولقبوله بتفسيراتهم لأفكاره وأطروحاته.
وقد أدى سيادة وغلبة هذا التوجه الإقصائى على الصعيد النظرى والفكرى والمنهجى إلى عدم إفلات الثورة الإيرانية من مصير، وربما مصيدة، أحد النظريات المهمة فى العلوم السياسية والمعنية بتفسير وشرح مسيرة الثورات فى التاريخ الإنسانى بشكل عام، والتى تؤكد على أن أى «ثورة» بالطبيعة وبالضرورة ينتهى بها الأمر إلى أن «تأكل أولادها»، وذلك يصدق بشكل خاص، ولكن لا يقتصر على، الثورات الكبرى فى التاريخ الحديث والمعاصر، بدءًا بالثورة الفرنسية التى قامت وانتصرت فى عام 1789، ومرورًا بالثورة الأمريكية ما بين العقد الثامن والعقد الأخير من القرن الثامن عشر، والثورة البلشفية فى روسيا المنتصرة فى أكتوبر من عام 1917 والثورة الشيوعية فى الصين المنتصرة فى أكتوبر من عام 1949 ووصولًا إلى الثورة الإيرانية المنتصرة فى فبراير 1979.
فبدلًا من الاستجابة لدعوات من قطاعات عريضة من القوى السياسية المشاركة فى الثورة ضد نظام الشاه السابق ما بين استشهاد المفكر الإسلامى التقدمى الراحل الدكتور على شريعتى فى يونيو 1977 وانتصار الثورة فى فبراير 1979، لبناء ركائز نظام سياسى تعددى جديد على أسس توافقية فيما بين تلك القوى جميعًا، وعلى أساس الحد الأدنى المشترك فيما بينهم، سواء فيما يتعلق بتسمية الدولة الجديدة بعد إنهاء الحكم الإمبراطوري، وهل تكون جمهورية إسلامية فقط أم جمهورية ديمقراطية إسلامية أم جمهورية ديمقراطية، أو فيما يتصل بمبادئ ومقاصد ومضامين الدستور الخاص بتلك الدولة، خاصة الجدل الكبير حول النص على مذهب الدولة الرسمى الشيعى الجعفرى الاثنى عشرى والجدل الأكبر حول النص على مركزية نظرية ولاية الفقيه وإيجاد منصب المرشد الأعلى للثورة فوق جميع السلطات التنفيذية والنيابية والقضائية والعسكرية والأمنية، وما تلى ذلك من مطالب بضمانات خاصة بنزاهة الانتخابات على مختلف الأصعدة الرئاسية أو النيابية أو المحلية، وبعدم إعطاء امتيازات خاصة لرجال الدين، سواء كمؤسسة أو كأفراد، وبدلًا من التعامل مع كل هذه المطالب بشكل منفتح على كل الأطياف التى ساهمت فى صنع الثورة وانتصارها، وعلى أسس الاستناد إلى مرجعية الحوار والنقاش المفتوح سياسيًا ومجتمعيًا ومقارعة الحجة بالحجة وترك القرار النهائى بدون قيود للشعب الإيرانى فى مجمله أو فى غالبيته، مع استبعاد العناصر التى كانت مستفيدة من حكم أسرة بهلوى أو تلك المتورطة فى جرائم ارتكبها ذلك النظام ضد قطاعات واسعة من الشعب الإيرانى، خاصة خلال فترة الثورة، تم اللجوء إلى سلسلة من الإجراءات وتبنى عدد من السياسات التى اتسمت فى بعض الأحيان باللجوء إلى استخدام القوة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فى مواجهة تلك الأطراف الأخرى غير المنتمية للحزب الجمهورى الإسلامى وللملتزمين بشكل حرفى بأفكار الخمينى، وتم تهميشهم، سواء كانوا أطرافًا داخل الإطار العام للتيارات الإسلامية فى سياقها العام، ومع الاختلافات فيما بينها، أو كانوا من صفوف اليسار بفصائله المتنوعة، أو من جانب التيارات الوطنية العلمانية أو شبه العلمانية، أو من جانب التيارات الليبرالية على تعددها، واضطرت بعض تلك الفصائل والشخصيات إما إلى الصمت واعتزال العمل السياسى، بل والحياة العامة أحيانًا، أو تبنى مواقف لا تضعها فى مواجهة مع النظام الجديد، أو اللجوء للنزول تحت الأرض والعمل السري، السياسى أو العسكرى أو كليهما، ضد النظام الجديد، أو الخروج للمنفى والعمل من الخارج ضد هذا النظام.
وإذا انتقلنا من الاعتبار الأول المتعلق بالتاريخ فى السنوات الأولى التالية لانتصار الثورة الإيرانية إلى المشهد الأكثر معاصرة والآنى، نجد أنه يفرض أيضًا على النخبة السياسية الحاكمة فى طهران إعادة حساباتها وتقديراتها، وذلك فى ضوء مواقف عدد ليس بالقليل من فئات وقوى المعارضة الإيرانية فى الداخل والخارج التى رفضت الانحياز للطرف الخارجى المعتدى على بلادها، سواء كان ذلك خلال الحرب الإسرائيلية على إيران فى يونيو 2025 أو الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التى انطلقت منذ 28 فبراير 2026، وبالرغم من معارضة تلك القوى لسياسات وتوجهات أساسية لدى النظام القائم حاليًا فى طهران، فإنها غلبت انتماءاتها الوطنية على خلافاتها الأيديولوجية والسياسية مع النخبة السياسية الحاكمة فى طهران، ورفضت الانجرار إلى تأييد خيار تغيير نظام الحكم فى بلادها على يد أطراف خارجية لا ترى هذه القوى المعارضة أن هذه الأطراف تهمها مصالح الشعب الإيرانى من قريب أو بعيد، واختارت، على الأقل حتى نهاية الحرب الجارية، الاصطفاف تحت راية الوطن والدعوة لرفض التدخلات الأجنبية فى شئونه أو السعى لتغيير نظامه السياسى عبر بوابة الخارج.
ولربما كان الدافع أيضًا لتبنى عدد من فصائل المعارضة الإيرانية، خاصة بالطبع تلك الرافضة لعودة حكم أسرة بهلوى، لهذه المواقف هو ما رأوه بالدليل القاطع فى بلدان أخرى فى المنطقة على مدار الربع قرن الأخير مما نتج عن تغيير نظم الحكم عبر تدخلات عسكرية وسياسية خارجة، مباشرة أو غير مباشرة، من نتائج كارثية عادت بالسلب على البلدان التى تعرضت لتلك التغييرات المدعومة من الخارج وعلى ما تعيشه شعوبها من معاناة منذ حدوث ذلك يرى البعض أنها فاقت فى بعض الأحيان ما كانت تعانيه تحت حكم نظمها السابقة، بدون أن يعنى ذلك الدفاع عن استبداد وظلم تلك النظم السابقة لقطاعات واسعة من شعوبها، وبالتالى خشيت تلك القوى الوطنية الإيرانية المعارضة من أن يلقى الشعب الإيرانى، صاحب الحضارة العريقة، نفس المصير.
فهل تتفهم القيادة السياسية الإيرانية الحالية هذه الاعتبارات والمعطيات جيدًا وتوظفها فى إطار سياسة للم الشمل الوطنى والانفتاح على قوى المعارضة الوطنية التى شاركت فى ثورة فبراير 1979، ربما مع استبعاد فقط الفئات والقوى المؤيدة لعودة الحكم الإمبراطورى، أم تدع الفرصة تفلت منها مجددًا وبعد أكثر من أربعة عقود على ضياع الفرصة الأولى؟

وليد محمود عبد الناصر مفكر وكاتب مصرى
التعليقات