تأثيرات الحرب الإيرانية على السياسة الخارجية الأمريكية.. إشكالية المقارنة بين حالتى فنزويلا وإيران - وليد محمود عبد الناصر - بوابة الشروق
الأربعاء 8 يوليه 2026 9:15 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

توقعاتك لـ مباراة مصر والأرجنتين؟

تأثيرات الحرب الإيرانية على السياسة الخارجية الأمريكية.. إشكالية المقارنة بين حالتى فنزويلا وإيران

نشر فى : الأربعاء 8 يوليه 2026 - 8:05 م | آخر تحديث : الأربعاء 8 يوليه 2026 - 8:05 م

توجد حالة من شبه الإجماع بين المراقبين والمحللين السياسيين الذين تناولوا، وما زالوا، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التى اندلعت يوم 28 فبراير 2026، على أن اتخاذ الإدارة الأمريكية لقرارها بشن هذه الحرب ربما يكون قد تأثر بدرجة ما بنجاح العملية العسكرية السريعة والسهلة والآمنة التى قام بها الجيش الأمريكى فى فنزويلا يوم 3 يناير 2026، والتى تمثلت فى خطف الرئيس الفنزويلى آنذاك «نيكولاس مادورو» وقرينته من غرفة نومهما فى القصر الرئاسى فى كراكاس ونقلهما جوًا إلى داخل الأراضى الأمريكية وبدء محاكمة للرئيس الفنزويلى السابق، مع آخرين، فى مدينة نيويورك الأمريكية، على خلفية اتهام الرئيس مادورو بالعمل على تهريب مخدرات إلى داخل الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى تهم أخرى.

 


ويمكن القول إن هناك أكثر من وجه لتأثير عملية اختطاف الرئيس الفنزويلى السابق وزوجته على قرار شن الحرب على إيران من جانب الإدارة الأمريكية.
إلا أن الوجه الأهم لهذا التأثير هو أن اختطاف الرئيس الفنزويلى، أدى من الناحية العملية، وفى ظرف إطار زمنى محدود، إلى تولى نائبته دلسى رودريجز السلطة من بعد مادورو، وقبولها بكل ما طلبته منها الإدارة الأمريكية فى المجال الاقتصادى، وفى المقدمة منه التراجع الكامل والسريع عن السياسات الاقتصادية ذات الصبغة اليسارية التى كان يتبناها سلفها، ومن قبله الرئيس الفنزويلى الراحل هوجو تشافيز، والذى حكم فنزيلا ما بين عامى 1999 حتى وفاته فى عام 2013 وأخذ البلاد نحو منحى يسارى، بما تضمنه ذلك من حملة تأميمات واسعة، بما فى ذلك قطاع النفط الحيوى الذى صار ملكًا للدولة، وتبنيه سياسات استهدفت إعادة توزيع الثروة وزيادة ضخمة فى الإنفاق الاجتماعى للحكومة. وتحت رعاية الإدارة الأمريكية، والتى رفعت عقوبات سابقة كانت قد فرضتها شخصيات قيادية فى حكومة فنزويلا، بما فى ذلك على "رودريجز" نفسها شخصيًا، قامت الرئيسة المؤقتة الجديدة بسلسلة من الإجراءات التى استهدفت "تحرير" الاقتصاد الوطنى وفتحه أمام العالم الخارجى بكل ما يحمله ذلك من فرص ومن مخاطر أيضًا، إلا أن معظم السلطات السياسية بقيت بيد الحزب الفنزويلى الاشتراكى الموحد الحاكم كما هى، وإن كان قد تم الإفراج عن بعض المسجونين السياسيين وتخفيف بعض القيود القانونية على المواطنين. وبالاتفاق بين الرئيسة "رودريجز" والإدارة الأمريكية، لم يتم حتى الآن تحديد موعد للانتخابات الرئاسية القادمة التى تطالب بها المعارضة الفنزويلية.
وبالتالى، كان الاستنتاج الذى توصلت إليه الإدارة الامريكية بصفة عامة، والرئيس الأمريكى على وجه الخصوص، هو أنه يمكن تكرار ما تم مع فنزويلا فى الحالة الإيرانية، أى أن القضاء على رأس النظام السياسى من شأنه أن يجعل التاليين له فى هيكل القيادة يسلمون بسهولة وسرعة للمطالب الأمريكية ويقبلون بها أيًا كانت طبيعتها.
إلا أن حرب الأربعين يومًا ضد إيران أثبتت أن مثل تلك التقديرات شابها الكثير من المبالغة من أوجه التشابه والتقليل من قيمة أوجه الاختلاف بين الحالتين الفنزويلية والإيرانية.
وبعد توقف القتال، عزا البعض سوء التقديرات تلك إلى بعض أجهزة الدولة الفيدرالية الأمريكية، بينما نسبها البعض الآخر إلى الدائرة من المقربين الذين يستمع إليهم الرئيس الأمريكى، وكان هناك جزء ثالث يعيدها إلى تقديرات واردة من الجانب الإسرائيلى، وأيًا كان مصدر تلك التقديرات، فالثابت أنها أدت إلى تولد قناعة لدى القيادتين السياسية والعسكرية الأمريكية، بأنه بمجرد النجاح فى استهداف آية الله على خامنئى المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، وهو ما نجحت واشنطن وتل أبيب فى تحقيقه فى اليوم الأول لشنهما المشترك للحرب على إيران، فإن النظام السياسى الإيرانى ومؤسساته إما سوف يتعرضوا للتصدع ثم للانهيار السريع أو سوف ينصاعون لتلبية ما تطالب به واشنطن وتل أبيب لمجرد ضمان بقائهم فى مقاعد السلطة وعدم تعرض النظام السياسى بأكمله للسقوط بكل ما سوف يستتبعه ذلك من تعقب ومحاكمات لهم.
وتشير غالبية التحليلات أنه مع انتهاء الأسبوع الأول للحرب بدأت القيادات الأمريكية، بدءًا بالقيادات العسكرية والاستخباراتية، ووصولًا إلى القيادات السياسية، تدرك خطأ المبالغة فى افتراض التشابه بين الحالتين الفنزويلية والإيرانية.
فالفوارق متعددة ومتنوعة أيضًا بين نظام مادورو فى فنزويلا ونظام الجمهورية الإسلامية القائم على مبدأ ولاية الفقيه فى إيران، دون إنكار وجود أوجه تشابه بالتأكيد.
فمن الصحيح أن النظامين السياسيين يقومان على أسس عقائدية، إلا أنه بالرغم من هذا التشابه العام، فإن النظام السياسى الإيرانى شكل منذ مرحلة مبكرة من تأسيسه، خاصة فى السنوات الأولى بعد انتصار ثورة الشعب الإيرانى فى فبراير 1979، وفى سياق توظيف آية الله الخمينى وعدد من رجال الدين المحيطين به والسائرين على نهجه الفكرى لمعطيات انتصار الثورة فى 1979 لصالح منح الشرعية والشعبية لنظام سياسى جديد، شبكة متشابكة ومعقدة ومتسلسلة من المؤسسات الأمنية والعسكرية وشبه العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وكلها ذات ارتباط عضوى ووثيق فيما بينها وبينها وبين المؤسسات الدينية الشيعية وتحت توجيهها وإشرافها، كما أوجد هذا النظام السياسى، وعلى مدار عقود تقترب من الخمسة، عدة مستويات متسلسلة هرميًا من القيادات والكوادر، بحيث إذا خلت بعض المواقع بسبب تعرض بعض القيادات للاغتيال أو القتل أو الموت الطبيعى تكون هناك دائمًا شخصيات أخرى، المفترض أنها على نفس المستوى من الانتماء العقائدى والولاء للنظام السياسى جاهزة ومستعدة لتحل محل من تعرضوا للاستهداف أو توفاهم الله فى موت طبيعى. كذلك أوجد هذا النظام السياسى شبكة من المصالح الاقتصادية والاجتماعية بين قاعدة شعبية واسعة وعريضة من المواطنين المؤيدين وهم فى الوقت ذاته لهم مصلحة فى الدفاع عن النظام السياسى لأنهم من المستفيدين من المؤسسات الاقتصادية التابعة للدولة ومؤسساتها أو للمؤسسات الدينية المرتبطة عضويًا بالدولة.
وبالرغم من تراجع فى الأداء الاقتصادى على مدى السنوات الماضية، فإن انتقال السلطة بعد وفاة آية الله الخمينى إلى آية الله خامنئى تم بسلاسة نسبيًا، على الأقل من جانب القطاعات المؤثرة من داخل النظام السياسى الإيرانى، صحيح أن خامنئى لم يكن ضمن آيات الله العظمى، ولكن دوره فى سنوات حياة الخمينى وإصابته فى محاولة لاغتياله عام 1981، وتوليه منصب رئاسة الجمهورية لفترتين متتاليتين عزز من جاذبية فكرة اختياره ليخلف الخمينى بين قطاعات من النخبة السياسية ومن الشعب الإيرانى، كما أنه، وربما هذا هو الأهم، حظى بدعم المؤسسات المتنفذة فى بنية السلطة السياسية فى إيران، خاصة المؤسسات الأمنية والعسكرية، والتى قررت الاصطفاف خلفه ودعمه ربما لتعويضه عما كان من مقومات لدى آية الله الخمينى وبعضها لم يكن لديه، وربما كان مبعث هذا هو الحفاظ على النظام السياسى القائم وحمايته وتدعيم جذوره وأفرعه وعدم السماح بالمساس به باعتبار هذه المؤسسات ومن يعملون بها صاروا أصحاب مصلحة حيوية فى استمرار النظام السياسى على ما هو عليه دون تغييرات جذرية.
أما الحالة الفنزويلية فهى مختلفة من عدة أوجه، فلم تكن هناك ثورة شعبية واسعة أطاحت بالحكم القائم قبل الرئيس الراحل هوجو تشافيز، بل تطلع هو شخصيًا ثلاث مرات إلى السلطة، الأولى والثانية فى فبراير ونوفمبر من عام 1992 عبر محاولتين انقلابيتين عسكريتين لم يكتب لهما النجاح وتعرض للسجن بعد المحاولة الثانية لحوالى عامين، ولم تكن له أى توجهات أيديولوجية واضحة آنذاك، والثانية عبر انتخابات ديمقراطية رئاسية فاز بها فى عام 1998، ومن الصحيح أنه أسس ما أسماه بـ«الحركة البوليفارية» فى مسعى لاكتساب شرعية تاريخية فى أمريكا اللاتينية بالانتساب إلى فكر محرر القارة: «سيمون بوليفار» ولتبرير دعوته لتوحيد أمريكا اللاتينية، ثم أسس الحزب الاشتراكى الفنزويلى الموحد فى إطار اتهامات تعرض لها بالسعى لإقامة حكم استبدادى فى البلاد تحت شعارات تقدمية، فى حين أن جوهر مشروعه الفكرى والسياسى والاقتصادى والاجتماعى كان من وجهة نظر البعض شعبويًا، ولكن بقى «تشافيز» بلا شك يتمتع بقدر عريض من الشعبية ومن الشرعية، بالإضافة إلى الكاريزما السياسية، وربما ذلك ما مكنه من الصمود أمام محاولة الانقلاب العسكرى ضده فى عام 2002، والتى لم تمتد سوى لمدة 47 ساعة فقط عاد بعدها للسلطة، واستمر فى الحكم حتى وفاته عام 2013، بالرغم من تصاعد اتهامات من جانب معارضيه فى آخر سنوات حياته بسوء إدارة الاقتصاد مما أدى إلى تراجع فى معدلات أدائه وبسوء التصرف فى عوائد النفط وتوجيهها لدعم دول وحركات ذات توجهات يسارية لأسباب سياسية بحته بغرض تعظيم زعامته فى أمريكا اللاتينية وعبر العالم وبعيدًا عن مصالح بلاده.
إلا أن انتقال السلطة من بعد وفاة «تشافيز» إلى نائبه «مادورو»، لم تحمل نفس الثقل لأن شخصية الأخير لم تكن على نفس قدر زعامة تشافيز وشخصيته وشرعيته وشعبيته، كما زاد الحديث، حتى داخل دوائر مؤيدة للحكم فى كراكاس وداخل صفوف الحزب الاشتراكى الموحد الحاكم ذاته، عن ارتفاع معدلات الفساد وعن سوء الإدارة الاقتصادية وعن تصاعد النزعة الشعبوية على حساب أى نزعة للتعامل مع الأمور بعقلانية وعلى أسس اعتبارات المصلحة الوطنية الفنزويلية، كذلك فإن تشديد القبضة السياسية على السلطة زادت فى عهد «مادورو» وتزايدت معها الاتهامات بتزوير الانتخابات، سواء الرئاسية والنيابية، بينما كانت الحالة الإيرانية، تشهد، بالطبع داخل حدود القوى السياسية المؤيدة لمبدأ ولاية الفقيه فقط، تداولًا للسلطة على منصب الرئيس ما بين من يطلق عليه تعبير المحافظين ومن يطلق عليه تعبير الإصلاحيين، ولكن بقيت السلطات الحقيقية بالطبع فى يد المرشد الأعلى، وهو أمر لم يتوافر فى الحالة الفنزويلية، من حيث إظهار أى مظهر من مظاهر تداول السلطة.
إلا أنه بات من الواضح بعد أيام فقط من اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران فى 28 فبراير 2026 أن دراسة وتحليل وتقييم هذه الفوارق بين النظامين السياسيين فى كراكاس وفى طهران لم يكن على النحو الأمثل لدى الإدارة الأمريكية، وهكذا صحيح نجحت واشنطن وتل أبيب فى اغتيال المرشد الأعلى آية الله خامنئى ولكن ذلك لم يؤدِ إلى انهيار النظام ولا إلى إسراع القيادات المتبقية على قيد الحياة للتسليم بالمطالب الأمريكية والإسرائيلية، أو على الأقل لا تبدو شواهد على ذلك حتى اللحظة الراهنة.

وليد محمود عبد الناصر مفكر وكاتب مصرى
التعليقات