العالم، ونحن جزء منه، يمر بمرحلة انتقالية، وقد علمتنا التجارب أن المراحل الانتقالية، وبخاصة تلك التى تنتقل فيها الأمم فجأة من حال إلى حال شديد الاختلاف، أو تلك التى تنتقل بإرادتها أو تحت الضغط والتهديد من الإيمان بعقائد إلى الإيمان بعقائد أخرى، أو تلك التى تتحول فيها بعض النخب الحاكمة من الالتزام بقواعد وأساليب ثقافة أو حضارة بعينها إلى تبنى قواعد وأساليب ثقافة أو حضارة أخرى، هذه التجارب علمتنا أنها عادة ما تكون مهمة وإن صعبة وفى الغالب حرجة وعصية على التنبؤ بمستقبلها ومستقبلنا.
العالم الواسع، هذا الذى نعيش فيه، يمر منذ ما لا يقل عن ثلاثين عامًا فى مرحلة انتقال من نظام دولى أحادى القطبية إلى نظام لم تتحدد بعد هويته بشكل قاطع. نقلت هذه المرحلة عن مرحلة أو مراحل انتقالية سابقة درجة عليا من ممارسة العنف. كنا، كعرب مثلًا، ضحية خطة مدروسة لممارسة حملات عسكرية نفذتها جيوش القطب الدولى الساعى للانتقال وجيوش حليفة ضد ما تصورته بعض التيارات السياسية، وفى مقدمها تيار «المحافظون الجدد»، خطرًا جاثمًا يهدد حضارة الغرب وفى وسطه دولة إسرائيل، أما الخطر الذى تصوروه فكان يقوم حول عصب استجد فور بدء المرحلة الانتقالية وهو "الإسلام الجهادى الزاحف" فى نظرهم. نعرف الآن أن نشر الخوف من هذا "البعبع" كان ضمن استراتيجية التحكم فى مفاصل المرحلة الانتقالية.
نعرف، بفضل ما نشر من تقارير ومذكرات، أن ما حدث فى نيويورك وواشنطن عندما فجرت الطائرات بنايات ضخمة أو هددت سلامة "البنتاجون" عقل أمريكا العسكرى، كان من تدبير وتنفيذ أجهزة تخضع لسيطرة قادة سياسيين أمريكيين. كان بينهم إسرائيليون حسب اجتهادات تجاسرت وبحثت بعمق وشجاعة فى حقيقة ما عرف بمغامرة 11\9، وهى المغامرة التى مهدت لزعزعة الاستقرار فى دول عربية ودول أخرى.
شهدت المرحلة أيضا ثمار أو عواقب انفراط الاتحاد السوفييتى، القطب الثانى فى النظام الدولى، ومنها أو فى صدارتها نشوب "الثورات الملونة" فى عديد دول شرق أوروبا. من بين هذه الثورات ثورة أو أكثر فى أوكرانيا، تطورت لتصبح أقرب ما تكون إلى حرب يقودها حلف يضم أكثر من ثلاثين دولة، هدفها استنزاف روسيا باعتبارها خليفة الاتحاد السوفييتى ووأد كل الفرص الممكنة قبل أن تصبح هذه الفرص أرصدة قوة تعتمد عليها روسيا لتجدد بها مشاركتها فى قمة فى النظام الدولى القادم.
الحرب ضد روسيا مكلفة للغاية، مكلفة لأوكرانيا، القصة التى لم تروى بصدق حتى الآن، ومكلفة لدول حلف الأطلسى ولروسيا بطبيعة الحال. وفى ظنى أنه لولا الدعم الصينى المستتر غالبا والصريح أحيانا لما تمكنت روسيا من الصمود حماية لهيبتها ووقف تدهورها. فى ظنى أيضا أن السياسة الأمريكية تجاه روسيا مزدوجة الأهداف. هدف منها هو إضعاف روسيا عسكريا واقتصاديا والهدف الثانى، ويبدو للوهلة الأولى متناقضا مع الهدف الأول، يحاول إبقاء الباب مفتوحا أمام روسيا لإقامة علاقات صداقة وتهادن بين الرئيسين الروسى والأمريكى، أملا من ناحية روسيا فى أن تتمكن من الهيمنة على إرادة الرئيس الأمريكى.
• • •
فى الوقت نفسه تسارعت وتعددت خطوات واشنطن نحو تعظيم الهيمنة الاقتصادية الأمريكية وحرمان الصين من فرص زيادة إمكاناتها الاقتصادية. لا شك أن كلا منهما، الصين وأمريكا، نجح فى إقناع الآخر بضرورة تنحية الخيار العسكرى من جملة الخيارات المتاحة نظريا لأى منهما للصعود على حساب الآخر. يدرك الطرفان أن نظاما دوليا ثنائى القطبية، القطبان فيه هما الصين وأمريكا، سوف يكون فى النهاية نظاما ثنائى القطبية الحضارية، حضارة أوروبا مقابل حضارة آسيا، أكثر منه نظاما ثنائى القطبية العقائدية إمبراطورية كانت أم سياسية أم اجتماعية.
كلها، كما ترى أمريكا، عمليات سياسية واقتصادية وعسكرية تجتمع على صنع أوضاع تمهد فى أحسن الأحوال لقيام نظام دولى تعود فيه الولايات المتحدة قطبًا أوحد ومهيمنًا، أو لقيام نظام تكون الولايات المتحدة فيه قطبا أول فى نظام دولى متعدد الأقطاب. لاحظ معى أن العمل لم يكتمل فى أى منهما، وبمعنى آخر أكثر وضوحًا سوف تبقى أغلب أمم العالم مهددة فى استقرار أحوالها وسلامة أراضيها وممتلكاتها ومعادنها الثمينة إلى يوم تكتمل فيه عمليات تشكيل نظام عالمى جديد.
• • •
نتحول الآن إلى المرحلة الانتقالية على مستوى آخر فى التنظيم الدولى وهو مستوى النظام الإقليمى ونخص بالذكر النظام الإقليمى العربى فى مرحلته الانتقالية الثانية. نعرف أنه فى المرحلة الأولى، أى فى الفترة اللاحقة مباشرة للحرب العالمية الثانية وحتى مطلع الألفية الثانية، تشكلت أول معالم ما أطلقنا عليه نظامًا إقليميًا عربيًا، تشكلت مجموعات من تفاعلات واتصالات ونوايا وبدايات أنشطة تكاملية بين وحدات، وأقصد دول، النظام وعددها يقترب من سبعة ومع الوقت تجاوز العشرين. دول تكونت بحدود وعلامات واضحة ولبعضها، رغم عفوية وطفولة مؤسساتها البيروقراطية، أقيمت دساتير وحكومات وشعوب تدين بالولاء والفخر لرموز وطنية، وأحيانًا قومية. حدث هذا فى ظل مرحلة استقرار فى النظام الدولى الذى خرج من بطن حرب باردة أسفرت عنها تسويات ما بعد الحرب العالمية الثانية.
حدث فى نهاية الألفية أن اهتزت بشدة، ولكن دون عنف، أركان النظام الدولى كما أسلفنا فى السطور الأولى، ولم يفلت منها النظام الإقليمى، إذ تحول هو نفسه ليصير أداة من أدوات عديدة جرى استخدامها ليحقق طرف أو آخر وبخاصة الطرف الأمريكى أهدافًا له مستفيدًا من الفوضى المتعمدة التى التصقت بممارسات المرحلة الانتقالية. حدث، وبفعل فاعلين كثر ما يلى وأكثر منه:
أولًا: انفراط وحدات، أى دول، عديدة إلى تفرعات متنوعة بتنوع الأصول. غابت أو كادت تغيب الدولة الحاكمة. غاب دورها فى المحافظة على وحدة الكيان ووحدة السلاح.
ثانيا: توقف العمل فى مشاريع ومؤسسات التكامل، وكلها بدأ تشغيلها وبعضها عمل بنجاح ملموس إلى أن أغرقها أو أبطلها طوفان الانفراط.
ثالثا: تراجع الاهتمام بالعمل السياسى على المستوى القومى كتنسيق المواقف وتطوير العمل الجماعى وتوقف المبادرات ذات الصفة القومية أو فى صيغة التعاون الإقليمى.
رابعا: الميل إلى المبالغة فى تضخيم قيمة الأنشطة السياسية الخارجية على حساب العمل العربى المشترك، وهو الأمر الذى تطور أو تدهور حتى صارت بعض الأنشطة الخارجية المنفردة خطرا على دول شريكة فى النظام العربى يذكر أن بعض الدول التى مارست منفردة نشاطا أضر بأهداف النظام الإقليمى ومؤسساته كانت مدينة بوجودها لجهود جامعة الدول العربية ومؤسسات أخرى ولتضحيات عدد من الدول المؤسسة للنظام.
خامسًا: كان منطقيا ومتوقعا أن انفراط الدولة العربية من داخلها وتعدد عمليات الانفراط سوف يشجع الدول الأجنبية غير العربية المتاخمة للإقليم العربى على تحقيق أقصى استفادة من وراء الإضرار المتعمد بكل دولة عربية على حدة. وبكل المعايير لا يمكن التقليل من خطورة ما حدث نتيجة هذه الاستباحة وبعضها متفاقم حتى لحظة كتابة هذه السطور.
سادسًا: الانتشار المثير للدهشة والغضب والشك للعديد من الميليشيات المسلحة فى كل ركن من أركان النظام العربى تحت عناوين إسلامية متطرفة، تستخدم أساطيل سيارات باهظة الثمن ويحصل أفرادها على مرتبات خيالية. لا أحد ولا جهة واحدة تحققت من مصادر هذه الأموال.
لن يتسع المجال هنا لسرد عدد وحجم الإساءات الدامية والخسائر الفادحة التى تحملها النظام العربى وما يزال يعانى من تبعاتها ومستجداتها. أخطر وأدهى ما يمكن أن يقال فى هذه الآونة الدقيقة تلخصه الكلمات القليلة التالية، نظامنا العربى قد يكون آيلًا للسقوط، وقد يكون مهددًا بالإحلال بمشروع يحمل عنوان النظام الإقليمى الشرق أوسطى ترعاه وتقوده إسرائيل بضغوط أمريكية وأوهام عربية.
المؤكد فى كل الأحوال أننا، كنظام إقليمى عربى وكتجربة فريدة كان يجب أن تنجح، سقطنا فى أول تجربة لنا مع مرحلة انتقالية مر به النظام العربى من حال إلى آخر. أقل ما يمكن لمواطن عربى غاضب أن يقوله فى هذا الصدد، نحن الآن، وبعد سنوات من خيبات الأمل فى تحقيق تكامل إقليمى مجدى، نجد أنفسنا على أهبة الاستعداد لشن عملية طرق أبواب سعيًا وراء فكرة أو خطة نواجه بها خيارات أغلبها غير مستحب إن لم يكن رديئًا.
لحظنا، جاء جيلنا لعيش فى مرحلة انتقالية فى النظام الدولى لم تكتمل، وفى مرحلة انتقالية فى النظام الإقليمى بدورها لم تكتمل.