من مزايا التعود على استحضار الذاكرة القوية، ولو متقطعة أو متباعدة فى الزمن، أنه الأقدر على إطفاء بعض النار المشتعلة بفعل حنين مفاجئ أو مضاعف، أو بسبب دفقة من دفقات ظمأ حسى، أو تفاعلًا مع لسعة شوق مباغت، أو تمردًا على إيقاع ملل مستبد نخاله لقسوته مزمنًا. وهو، أقصد هذا التعود، ربما كان الأقدر كذلك على حشد قدرات أخرى فشلت منفردة ومجتمعة فى التصدى لصعوبات عسيرة واجهتنا أو تواجهنا، هو العضد والسند فى الأزمات وعند غياب الخيارات والبدائل. كل هذا وأكثر منه مر بى وسوف أمر ببعضه فيما تبقى لى من زمن.
• • •
كنا ونحن صغار نفضل أن نذاكر دروسنا ونستعد للامتحانات ضمن مجموعة أصدقاء أو زملاء. أذكر أننا كنا نستبعد، وبخاصة فى وقت الأزمة، الكسول والمشاغب وغير الراغب فى التحسين والتحصيل. كنا كجماعة مختارة نحقق نتائج أفضل، حتى وإن اختلفت مشاربنا الأكاديمية. كانت أمى خبيرة تعرف كيف تميز بين أعضاء جماعات اللعب والتنزه وأعضاء جماعات الدرس و«المذاكرة»، ترحب بهم جميعا طالما التقوا خارج دائرة الأزمات، أى خارج مواسم الامتحان، ولا تشجع حضور «الأشقياء»، ومن كانت تطلق عليهم «عيال لعبية وبطيئى التفكير»، فى اجتماعات نهاية العام الدراسى.
• • •
على ذكر أمى لا أريد المرور مرور الكرام على إحدى فضائلها المتعلقة بموضوع حديثنا، ألا وهى قوة الذاكرة أو الذاكرة القوية. كانت تحكم على تصرفاتى وفقا لتجارب دخلتها بخاصة شقيقتها الأكبر سنًا أو أمها أو إحدى الشقيقات الأخريات. كنت أعرف أن الشقيقات لا يتزاورن، إنما يلتقين كل نهاية أسبوع فى بيت العائلة بالجمالية لقاء مطولًا. وبدقة أكبر، كان اللقاء الأهم هو ذلك الذى ينعقد أسبوعيا حول «السبرتاية» وصينية مستلزمات القهوة وسلسلة من أحاديث الذكريات والتجارب. هناك فى هذا اللقاء تتعمق الذكريات وتتقوى الذاكرة الجمعية والمفردة حتى تصير منهجًا «مشروعًا» للسلوك، سلوكهن كزوجات وشقيقات وأمهات ومربيات و«صانعات رجال»، بلغة ذلك الزمن.
• • •
من حسن حظى وحظ آخرين من زملائى فى السنوات النهائية لدراستنا الجامعية أن عاد من الخارج اثنان من شباب الخريجين الموفدين للحصول على الدكتوراه، عادا ليتوليا تدريس مادة أو أخرى من المواد الضرورية لحصولنا على شهادة التخرج. أشهد أن لكليهما الفضل بدرجة أو أخرى فى تكوين أفضل لعقولنا وفى تدريبنا على التعامل مع تحديات التخرج واستقبال المستقبل. أذكر أن فتح الله الخطيب، أحد الاثنين العائدين لتوهما من الخارج، كان على امتداد آخر سنة دراسية لنا يعقد لعدد مختار من الطلبة اجتماعًا أسبوعيًا فى بيته الكائن بحى الدقى يتنافسون فيه على تطبيق ما تعلموه عن تفاصيل التاريخ الدبلوماسى وعن نظريات العلاقات الدولية على سياستنا الخارجية، وعلى كيفية تجاوز عراقيل الحياة العملية باستخدام ما تراكم لدينا من ذكريات. كنا نطرح هذه الذكريات ثم ننغمس فى إجراء تجارب لتقويمها وتجديدها. لعلها المرحلة التى يجب الإشادة بها، بسبب ما فعلت بأسس مخزون الذكريات، وبخاصة تقوية محتواه وجعله جاهزًا للاستفادة منه فى كل الأوقات.
• • •
مرت السنين، تخرجت وسافرت لأعمل فى الهند ثم فى الصين. كنت أتابع أخباره وأخبار زميله إبراهيم صقر. أذكر أننى دعوت الدكتور فتح الله مع عروسه ليقضيا بعض أيام شهر العسل فى بيتنا فى روما، المدينة الساحرة التى نقلت لها بعد قضاء مدة فى بكين. كان للدكتور صقر هو الآخر نصيبه من روما عندما نزل علينا ضيفا خلال إقامته فى إيطاليا ضمن وفد برلمانى مصرى.
• • •
عدت إلى الجامعة بعد عشر سنوات أو أكثر من العمل فى الدبلوماسية، عدت مدفوعًا بروح التمرد وساعيًا للتحسين والتجديد والتغيير. هناك قابلت على الدسوقى يستعد لتقديم رسالة الدكتوراه. كان حاضرًا والسيدة العظيمة إجلال فى كل مرة احتجنا لمشورة أكاديمية أو لربتة على كتفينا. أذكر أننى وصفته فى رسالة لزميل من دبلوماسيى مصر فى نيويورك بأنه أشبه بنسمة دافئة فى مدينة لا تعرف إلا برد الصقيع وهبات الجليد. نقضى الساعات نتجول فى أنحاء الجامعة التى كنا ندرس فيها أو فى الحى الذى كنا نسكنه، يذكرنى بأهم ما نشر مؤخرًا فى موضوعات أدرسها فأعود فى نزهتنا التالية لأناقشه فى بعض ما قرأت وأسمعه خلاصات مما توصلت له أو أنوى فعله. كان على الدين هلال وما يزال نعم الزميل والصديق والأستاذ. أذكر بعض أسعد الأيام والأمسيات قضيناها معًا فى بيتنا بتونس، المدينة الهادئة والودودة فى آن، نكتب «النظام الإقليمى العربى».
• • •
أذكر أننى كنت فى جامعة ماكجيل بمونتريال ضمن عشرة طلاب من جنسيات متعددة ندرس العلاقات الدولية ونظريات صنع قرار السياسة الخارجية على يد أحد أكفأ علماء السياسة فى الغرب. كان يطرح علينا فى نهاية السيمينار عنوان موضوع نفكر فيه ونعود بعد أسبوع لنتناقش حوله، أو كان يعرض علينا نقطة خلافية توقف عندها خلال إعداده أحد فصول مخطوطة كتاب عن صنع السياسة الخارجية، يطلب منا مساعدته فى التوصل إلى صيغة مناسبة لتسوية الخلاف الفكرى الدائر فى ذهنه حول هذه النقطة المحورية. صدر الكتاب بعد مرور أعوام وأذكر أن نسخة منه وصلتنى على عنوانى بالقاهرة مع إهداء وشكر من جانبه. أذكر أيضًا أنه طلب منى فى نهاية فصل دراسى تقديم عرض موجز لما نويت التقدم به كمشروع رسالة للماجستير لمناقشته مع الزملاء ومعه. وبالفعل استفدت جدًا من مشاركة الزملاء.
***
ظل هذا النوع من العمل الجماعى يحظى بتفضيلى إلى يومنا هذا باعتباره الأسلوب الأمثل لشحذ قريحة المشاركين وزيادة أو تحسين محتوى الذاكرة لدى كل منا. سعدت أيما سعادة يوم استدعانى رئيس تحرير الأهرام إلى مكتبه بالطابق الرابع وسط انشغالنا بتأسيس مركز للدراسات الاستراتيجية. استقبلنى «هيكل» كعادته بالاستفسار عن آخر فكرة «براقة» سمعتها أو قرأت عنها أو أتداولها مع أصدقائى لينتقل بعدها إلى سبب الاستدعاء. قال إنه يفكر فى تنظيم لقاء دورى يضم من نعتقد أنه يمكن أن يفيدنا فى مشروعنا، مشروع إقامة مركز للبحوث لا تختلف فكرته كثيرًا عن المركز الشهير المقام فى لندن. عاد يؤكد وهو يودعنى على أهمية أن نبقى الأمر بيننا إلى أن نقرر نهائيًا.
انتظم اللقاء ليعقد كل ثلاثاء فى الخامسة مساء. لا جدول أعمال، ولا ورقة عمل إلا فى حالات استثنائية، لا تصوير، ولا مكالمات هاتفية حتى لرئيس التحرير، بمعنى آخر لا مؤثرات خارجية من أى نوع حتى المشروبات الساخنة والمرطبات موجودة فى أحد أركان غرفة الاجتماع، وهى إحدى الغرف التى يتكون من مجموعها ما كان يعرف بمكتب رئيس التحرير.
• • •
حضر بانتظام هذه اللقاءات، على ما أذكر، كل من عبدالحليم بدوى، وهشام عامر، وأسامة الباز من الخارجية، وسميح صادق، وحاتم صادق، ومحمد سيد أحمد، ورئيس التحرير، وكاتب هذه السطور من الأهرام. حضر، على ما أذكر، دون انتظام وبدعوات خاصة عبدالوهاب المسيرى والعقيد القذافى واللواء حسن البدرى.
أذكر، بغير صعوبة شديدة، كيف كانت ثمار هذه الاجتماعات مفيدة للجميع وبخاصة لعمل المركز فى مستقبل أيامه، وبشكل ما الشهور التى وجدت فيها. أذكر مثلًا الرحلة باسم المركز، التى تقررت لزيارة عدد غير قليل من دول آسيا على ضوء اقتناع المجلس بفكرة «القرن الآسيوى» وتبعاتها بعيدة المدى على النظام الدولى وعلى نظامنا الإقليمى. أذكر جيدًا احتلال أحوال الخليج العربى لمكانة بارزة فى تفكير معظم أعضاء المجلس، وقد جاءت ترجمتها فى رحلة أخرى قادتنا نحن الاثنين إلى جميع العواصم العربية باستثناء عاصمتين أو ثلاث، قمنا بها خارج إطار المركز. كان المجلس فرصة رائعة يجرى خلالها «شحذ» قدراتنا الفكرية بعيدًا عن قيود الحساسية الزائدة وإضافة رائعة لمخزون الذاكرة. كم تمنيت أن تتكرر تلك الأيام والشهور فى مستقبل حياتى!
• • •
حضر هذا المستقبل. حضر محملًا بأحمال ثقيلة أثقل كثيرًا من كل توقعاتنا.