أذكرنى فى مثل هذه الأيام قبل أكثر من سبعين سنة أجلس فى المكتبة التابعة لقسم الاستعلامات بالسفارة الأمريكية بحى جاردن سيتى وأمامى كتب وكراساتى اذاكر لامتحان نهاية العام الدراسى. انتبهت وأنا منهمك إلى يد على كتفى، رفعت رأسى لأرى قريبا لى يعمل بالمكتبة أمينا لمكتبتى الأطفال والموسيقى يدعونى لشرب الشاى والاستمتاع ببعض الراحة فى مكتبه بالطابق الثانى. تحادثنا فى أمور العائلة وأمورى الخاصة بدراستى وما أخططه لما بعدها وقد صار قريبا. انضم إلينا موظفون آخرون وموظفات كل لدقيقة أو أقل. كل يحيينى تحية من يعرفنى من قبل بسبب كثرة ترددى على المكتبة وقد صار وجهى مألوفا وطباعى كقارئ منتظم معروفة.
شربنا الشاى ونهضت استئذانا للعودة إلى مكانى، نهض معى لتوديعى وعند باب غرفته استدار ليفاجئنى بأنه وكل زملائه المصريين بالمكتبة يطلبون منى التفكير فى قبول اقتراح أن أعمل معهم فى وظيفة «صبى مكتبة» بمرتب نصف شهرى يبلغ إحدى عشر جنيها مصريا ولم انتهِ بعد من الدراسة اللازمة للحصول على شهادة البكالوريوس فى العلوم السياسية وهى الشهادة التى تؤهلنى للعمل بالحكومة بمرتب لن يتجاوز ثلاثة عشر جنيها فى الشهر. أذكر أننى وافقت من حيث المبدأ مع ملاحظة أننى أفكر جديا فى التقدم بعد التخرج لامتحان الملحقين الدبلوماسيين فور الإعلان عنه.
• • •
كانت مصر تغلى بالآثار التى خلفتها الحملة التى شنتها حكومة الثورة ضد الخطط الأمريكية الهادفة تحت مسمى حلف بغداد إلى قمع تيار «القومية العربية» الزاحف وقتها بحماسة لم تشهد الكيانات السياسية العربية، وبخاصة التى لم تكن حصلت بعد على استقلالها، مثيلا لها من قبل.
أذكرنى وأنا العضو النشيط فى فريق الجوالة، العضوية التى أتاحت لى زيارة أعالى السودان ومرتفعات وسهول «المملكة» الليبية امتدادا من الجبل الأخضر فى ولاية برقة وانتهاء بالحدود مع تونس قرب طرابلس الغرب إحدى أجمل المدن العربية المطلة على البحر المتوسط، أتاحت لى أيضا زيارة مخيمات اللاجئين فى قطاع غزة وحققت أمنية مراهق سياسى أن يشاهد على الطبيعة نمط حياة العدو الاسرائيلى على أرض غيره.
أذكرنى ساعيا للتعرف على مختلف نواحى العالم العربى ومختلف مناحى الحياة فيها. لم تكن كل رحلاتى سهلة أو بسيطة لشاب بالكاد بدأ ينتقل من عالم المراهقة «الفكرية والأيديولوجية» إلى عالم الشباب والنضج المبكر، حين يتأهل الشاب لاتخاذ قرارات، بعضها بدون شك، سوف يلعب دورا ما فى تحديد مصيره. شجعنى والد محب، يريدنى أن أرى وأتعلم وبالتأكيد لا يريدنى أن أتعب أو أمرض أو أودع فى زنزانة بسجن إسرائيلى فأحظى وأنا دون الثامنة عشرة بتغطية الصفحات الأولى لصحف القاهرة، وتوافد مراسلى الصحف على بيتنا بحى الدواوين تستقبلهم أم بدموع منهمرة لثلاثة أيام طول فترة الاعتقال والعودة برفقة البوليس الحربى من غزة وحتى تسليمى لها على «بسطة» شقتنا على الطابق الثالث حيث «باتت» فى انتظارى لتحمينى من الصحفيين وغيرهم من الفضوليين أبناء الحى.
• • •
مر عام أو عام وشهور معدودة ليعلن جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، هذا المرفق الحيوى المهم. نعرف الآن أن إسرائيل حثت كلا من بريطانيا العظمى وفرنسا على شن حرب ضد مصر دون أن تحيط الولايات المتحدة علما أو تحصل منها على إذن مسبق. أظن أنها عادة إسرائيلية وكفاءة منقطعة النظير، عادة إشعال الحروب بين دول كبيرة تتقاتل أو تقاتل بينما تنتهز إسرائيل الفرصة لتبيد شعوب أو تسرق ثروات أو تتوسع فى أراضى الغير أو تحصل على ميزة أو فائدة ما.
هناك فى حرب السويس، حرب ساهمت إسرائيل فى إشعال فتيلها، خرجت بريطانيا دولة «منزوعة» العظمة، دولة عظمى فقدت فى هذه الحرب عظمتها. لم يدرك قادة دول العدوان الثلاثى أن أمريكا بفضل حربهم سوف تحصل على اعتراف عالمى بأنها صارت دولة عظمى. تشهد السنوات اللاحقة كيف راحت دول العدوان ودول المنطقة والعالم بأسره تجرب سياسات شتى لتتأقلم مع واقع جديد فى النظام الدولي.
رحت أتأمل طويلا فى واقعنا الراهن. ففى نظرنا، كما فى نظر دول عديدة، أمريكا لم تعد القوة الوحيدة صاحبة الحق فى أن تمارس الهيمنة على ما عداها من دول وشعوب. أمريكا فى وضعها الراهن لا تملك من القوى الناعمة والناتج الاقتصادى ما يسمح لها بان تهيمن منفردة، وإن كانت مستمرة فى ممارسة هذا الحق تلصصا أو خلسة أو خروجا عن القواعد الجديدة المصاحبة لمرحلة الانتقال الراهن فى خريطة توزيع القوة. لاحظت، كما لاحظ كثيرون، أن إسرائيل مثل دول أخرى فى الشرق الأوسط ما تزال مصرة بالعجز أو بنقص اليقين أو بالثقة العمياء على أن تتعامل إقليميا ودوليا على اعتبار أن الولايات المتحدة ما تزال دولة عظمى ومهيمنة ولو فقط فى هذا الإقليم.
أعتقد أن فى هذه الملاحظة الكثير من المبالغة. لأنه إذا كانت هناك دول فى هذا العالم يجيد خبراؤها قراءة خريطة توزيع القوى فإسرائيل سوف تأتى فى مقدمة هذه الدول. إسرائيل مدينة بنشأتها وغزواتها ونفوذها الدولى لدورين أجادت صنعهما وممارستهما على مدى السنين. قليلون من بين منظرى وممارسى التعليق على أدوار لعبتها إسرائيل فى القرنين الأخيرين هم الذين ينكرون هذه الحقيقة. اليهود من ذوى الميول الصهيونية ما يزالون الأقدر، بين مختلف التيارات الأيديولوجية، على دفع الدول، العظمى بخاصة، إلى شن حرب أو أخرى فلإسرائيل من وراء هذه الحروب غرض ومبتغى.
أسرائيل تعلم أن أمريكا دولة عظمى ولكن منحدرة، والانحدار كما تعلمنا من تجارب التاريخ وبخاصة حرب السويس سبب كافٍ لشن حرب لا يرجى من ورائها خير للدولة العظمى المنحدرة، وسبب آخر كافٍ أيضا لانسحابها فجأة وفى أى وقت من هذه الحرب.
يخالجنى الاقتناع بأن هذين السببين وقد توفرا فى الحرب الدائرة حاليا بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى كافيان وحدهما لفهم حقيقة ما يحدث ولتوقع ، بغير ابتهاج ولا تعجل، ما سوف يحدث.