بينما العالم منشغلٌ بالحرب الإيرانية ــ الأمريكية، وكذلك بالحرب التى تتصاعد بين روسيا وأوكرانيا، ترك العالمُ سكانَ غزة الحبيبة وكأنهم نسوا أهوال الدمار والقتل الإجرامى لسكانه فى محنتهم ونضالهم اليومى للحصول على أقل قدر من الغذاء ومياه الشرب؛ فمعاناتهم تستمر بصورة يومية للحصول على أبسط مقومات الحياة، وهى المياه النظيفة الصالحة للشرب. ووفقًا لوكالة «رويترز»، تحذر وكالات الإغاثة ومسئولو الأمم المتحدة والسلطات الصحية الفلسطينية من أن غزة تواجه انهيارًا غير مسبوق فى أنظمة المياه والصرف الصحى، مما يترك قطاعًا كبيرًا من السكان عالقين بين خطر العطش وأزمة بيئية طويلة الأمد قد تمتد عواقبها لعقود.
وتصطف العائلات لساعات بجوار شاحنات متهالكة لنقل المياه للحصول على بضع قطرات منها. كما حذر مسئولو الصحة من تسرب مياه الصرف الصحى غير المعالجة إلى الخزان الجوفى الساحلى فى غزة، وهو المصدر الطبيعى الوحيد للمياه العذبة فى القطاع. وعند حدوث العدوى، يعود الأطفال الذين يعانون من الإسهال والعدوى الجلدية من العيادات إلى الخيام، حيث تندر المياه النظيفة والصابون ومرافق الصرف الصحى. ويعتمد السكان بشكل متزايد على المياه التى تنقلها الشاحنات، والآبار المتضررة، والمياه الجوفية غير المعالجة.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من نصف سكان غزة، أى حوالى 1.3 مليون نسمة، يحصلون على أقل من ستة لترات من مياه الشرب يوميًا، إذ يضطر الناس لاستخدام مياه مالحة وغير صحية للاستحمام وغسل ملابسهم.
وتقول منظمة «أطباء بلا حدود»: إن بياناتها تشير إلى أن الوضع يسوء؛ حيث يحصل معظم السكان على متوسط 4.3 لتر للفرد الواحد يوميًا، علمًا بأن متوسط استهلاك الفرد اليومى للمياه قبل الحرب كان يبلغ حوالى 85 لترًا. وتشير بيانات الرصد الخاصة بمنظمة «أطباء بلا حدود» إلى أن التهابات الجهاز التنفسى الحادة تمثل 46% من الأمراض المُبلغ عنها، فى حين تشكل الأمراض الجلدية 31%، والإسهال المائى الحاد 21%.
ويقول مسئولون فلسطينيون إن الأزمة تتجاوز بكثير مجرد نقص مياه الشرب، محذرين من أن استمرارها دون حل يفاقم الأضرار التى لحقت بالبنية التحتية للمياه فى غزة، وقد يؤدى إلى عواقب تستمر لعقود.
ويقول أليساندرو مراكيتش، رئيس برنامج الأمم المتحدة الإنمائى: إن السكان ما زالوا يصطفون لانتظار وصول الشاحنات التى تحمل المياه، وهو أمر غير سهل على الإطلاق؛ إذ يجب على تلك الشاحنات السير وسط الأنقاض والدمار للوصول إلى السكان. ورغم أن شاحنات المياه تمثل الآن شريان حياة للكثيرين، فإن وكالات الإغاثة تؤكد أنها لا يمكن أن تغنى عن شبكة المياه العامة.
هل هذا الصمت الدولى مقصود؟ لا توجد إجابة شافية لذلك، ولكن قطعًا المستفيد الأول والأوحد هو إسرائيل التى ــ رغم الاتفاقيات ــ تمارس القتل والهدم، ناهيك عن إهدار حقوق الإنسان بل أبسط الحقوق، لتستولى على مزيد من الأراضى وتفرض سياسة الأمر الواقع على المجتمع الدولى، بينما الغزاويون وأطفالهم وأمهاتهم يدفعون الثمن الباهظ، وينشغل العالم فى حروب ومعارك أخرى تشغله لينسى أو يتناسى مأساة غزة.