تُفسر نظرية «حدوة الحصان» اقتراب متطرفى الحزبين الرئيسيين فى الولايات المتحدة من بعضهما البعض، على الرغم مما يجمع بينهما من عداء تاريخى أيديولوجى وسياسى. بمقتضى هذه النظرية، تجمع متطرفو التيارين (بالمعايير الأمريكية) يمينيو وفاشيو الجمهوريين مع يساريى واشتراكيى الديمقراطيين فى احتقارهم للرأسمالية فى صورتها المعاصرة، وازدرائهم للوسطية السياسية فى صورتها المعتدلة.
ولم يعد من الغريب أن يتفق عمدة مدينة نيويورك الديمقراطى الاشتراكى زهران ممدانى مع نائب الرئيس جى دى فانس، الذى يعد أحد رموز حركة أمريكا، الفاشية فى جوهرها، فى رفضهما للأساليب الرأسمالية المعاصرة، بما فيها من عولمة اقتصادية يرونها أفقرت أغلب الأمريكيين وركزت الثروات فى يد حفنة صغيرة من أعضاء النخبة الليبرالية التى تقدس بقاء الأوضاع على ما هى عليه من استقرار يخدم مصالحهم.
ويوم الثلاثاء الماضى، اتفق النائب اليسارى الديمقراطى بيرنى ساندرز، المؤسس المعاصر للحركة اليسارية الأمريكية، مع ستيف بانون، أحد أذكى العقول اليمينية الفاشية الأمريكية، على ضرورة فرض قيود على الذكاء الاصطناعى فى منتدى عُقد بواشنطن للتحذير من التباطؤ أو التردد فى هذا الاتجاه. وهاجم الرجلان الأوليجاركية التكنولوجية المتمركزة فى وادى السيليكون بولاية كاليفورنيا.
بانون، الحليف المقرب من الرئيس دونالد ترامب، والذى يدعم ادعاءات تزوير انتخابات 2020، اتفق مع ساندرز، الذى يرى ترامب رئيسًا ساقطًا فاجرًا، على ضرورة عرقلة سعى كبريات شركات الذكاء الاصطناعى إلى تحقيق ما يعتبرونه إنجازات فى السباق التكنولوجى، حتى لو كان على حساب البشر.
• • •
لا ترى نظرية «حدوة الحصان» المجال السياسى الأمريكى كخط مستقيم على طرفيه يقف الحزب الجمهورى بعيدًا عن منافسه الديمقراطى، وبينهما شريحة واسعة من المستقلين الوسطيين المعتدلين. وترى حدوة الحصان النظام الأمريكى فى شكل حدوة منحنية على طرفيها يقف متطرفو الجمهوريين غير بعيدين عن متطرفى الديمقراطيين فى الجهة المقابلة. تؤكد نظرية حدوة الحصان أن أقصى اليسار وأقصى اليمين ليسا نقيضين تمامًا على خط مستقيم، بل ينحنيان قريبين من بعضهما مثل نهايات حدوة الحصان.
من هنا يقترب الجناح الشعبوى للجمهوريين، الذى يمثله فانس، من الجناح اليسارى التقدمى الذى يمثله ممدانى، وطبقًا لحدوة الحصان (المشابهة لحرف U الإنجليزي) قد اقترب فانس وبانون من ممدانى وساندرز، وابتعدوا عن مراكز أحزابهم الوسطية.
ومن الغريب أن يحتقر الطرفان فكرة الأسواق الحرة والعولمة فى وقت لا يمانع كلاهما من تبنى الحكومة الكبيرة القوية رغم تضاد فهمهما لمفهوم قوة الحكومة. ويعرف الهوس طريقه إلى التيارين فيما يتعلق بالهوية. اليمين الشعبوى يهاجم الهجرة، بينما اليسار التقدمى ينتقد العنصرية الإثنية. الطرفان شعبويان يريان أنفسهما يمثلان المواطنين العاديين فى مواجهة النخب الأمريكية المتزعمة بدورها للنخب العالمية. ويصب الطرفان جم غضبهما على نخب مؤسساتهم الحزبية.
وعلى صعيد العمل السياسى، نسق بعض ممثلى التيارين لتبنى تشريعات شعبوية اتفقوا على أهميتها. وفى مجلس الشيوخ، تعاونت السيناتورة التقدمية إليزابيث وارن مع السيناتور الجمهورى بيرنى مورينو لرفع نسبة ضرائب الضمان الاجتماعى على أجور الأثرياء. وفى مجلس النواب، أجبر النائب التقدمى رو خانا والنائب الشعبوى توماس ماسى معًا على الإفراج عن ملفات جيفرى إبستين المتعلقة بفضائح جنسية لنخبة أمريكا المالية والسياسية.
• • •
تعكس نظرية حدوة الحصان صورة معكوسة للمركز السياسى المتقلص للحزبين. ولطالما اختلف الجمهوريون والديمقراطيون حول نسب الضرائب وحجم الإنفاق ومدى التدخل الحكومى فى قطاع الأعمال، إضافة إلى العديد من القضايا الاجتماعية والثقافية، لكن اتفق يساريو الديمقراطيين ويمينيّو الجمهوريين عمومًا على الأمور الكبرى مثل مواجهة توحش الرأسمالية وضرورة ضبط العولمة وحرية التجارة، واتفقوا على ضرورة مواجهة المؤسسات السياسية الدولية، ولهم مواقف متشابهة من علاقات واشنطن بحلفائها التاريخيين، وعلى رأسهم إسرائيل، حيث يشكك الطرفان فى طبيعة هذه العلاقات ويطالبان بفك الارتباط الخاص الأمريكى بإسرائيل.
• • •
مثل عام 2016 علامة فارقة فى اقتراب اليمين الشعبوى الجمهورى بزعامة الجديد دونالد ترامب من اليسار التقدمى الاشتراكى الديمقراطى بزعامة السيناتور بيرنى ساندرز. وأعاد كل من ترامب وساندرز تثقيف ملايين الناخبين الأمريكيين وشككوهم فى الثوابت السياسية التقليدية التى يمثلها الحزبان الجمهورى والديمقراطى. وكان من الغريب أن يتفق ترامب وساندرز على رفع الحد الأدنى للأجور إلى 15 دولارًا فى الساعة، وتحديد سقف أسعار الفائدة على بطاقات الائتمان عند 10٪، ودعم ما يقرب من 70٪ من الأمريكيين هذه السياسات رغم صعوبة تحققها اقتصاديًا وقانونيًا.
رغم كل تداخلهما، لن يشكل اليسار الاشتراكى التقدمى مع اليمين الفاشى حزبًا واحدًا، فهما، وإن اتفقا على مواجهة التوحش الرأسمالى وأوليجاركية التكنولوجيا، إلا أن خلافاتهما حول قضايا الهوية هيكلية.
«حدوة الحصان» تُقرب الطرفين من بعضهما البعض لكرههما الوسط والاعتدال والأوضاع القائمة، لكنهما لا يلامسان بعضهما البعض لاحتقار كل منهما للآخر. من هنا، ينتهى تشخيص الطرفين للقضايا الكبرى بصورة متشابهة، إلا أنهما يصفان الحلول بشكل مختلف تمامًا. كلاهما يشكك فى الحروب الخارجية والتدخل العسكرى الأمريكى فى الخارج، وينتقد السيناتور ساندرز وفانس الحروب الأمريكية الطويلة والمفتوحة و«الحروب التى لا تنتهى»، بحجة أن الأموال والموارد التى تنفق فى الخارج يجب أن تذهب نحو الأولويات الداخلية بدلًا من ذلك. ويجمع الطرفان شكوكًا واسعة فى وول ستريت والبنوك الكبرى. ورفض الطرفان التدخل الحكومى لإنقاذ البنوك فى 2008؛ لأن البنوك تم إنقاذها بينما لم يتم إنقاذ الناس العاديين.
وفى النهاية، يجمع الطرفان معركة كبرى بدأت بالفعل وتتعلق بمواجهة إجراءات مكافحة الاحتكار ضد شركات التكنولوجيا الكبرى. دعا كل من الديمقراطيين الاشتراكيين والجمهوريين الشعبويين إلى تفكيك أو تنظيم شركات مثل جوجل وأمازون وميتا. اليسار يراها محتكرة، فى حين يرفضها اليمين لقيودها الرقابية وتحيزها السياسى.