منذ عودته إلى البيت الأبيض رئيسًا للولايات المتحدة فى يناير من العام الماضى، يصر دونالد ترامب على إبهار العالم بمستويات لا يمكن تصورها للبلطجة السياسية والعسكرية وأخيرًا الرياضية. ففى 30 مارس 2025 لوح ترامب بالاستيلاء بالقوة العسكرية على جزيرة جرينلاند من الدنمارك حليف بلاده فى حلف شمال الأطلسى (ناتو) بعد أن تجاهل الدنماركيون إعلان رغبته فى ضم الجزيرة إلى بلاده فى أغسطس 2019 أثناء ولايته. ليس هذا فحسب، بل إنه هدد بفرض عقوبات اقتصادية على حلفاء واشنطن الأوروبيين الذين رفضوا رغبته العبثية فى الاستيلاء على أرض دولة أخرى بالقوة. وبنفس المنطق تحدث عن ضرورة ضم كندا إلى الولايات المتحدة لتصبح ولاية أمريكية، بمجرد فوزه فى انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة، ثم كرر هذا الحديث بعد تنصيبه، وهو ما ردت عليه حكومة كندا بالقوة، وفرضت رسومًا جمركية مضادة للرسوم التى فرضها على بلاده فى إطار الضغط الاقتصادى عليها.
وتصور كثيرون أن هذا هو سقف البلطجة الدولية، وأن ترامب أتى بما لم يات به الأوائل، لكن الرجل خيب ظن الجميع وفاجأ العالم بإرسال قواته العسكرية إلى العاصمة الفنزويلية كاراكاس فى يناير الماضى لكى تخطف الرئيس الفنزويلى الشرعى نيكولاس مادورو بدعوى قيامه بتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة، ومحاكمته أمام القضاء الأمريكى، لتصبح واشنطن الخصم والقاضى لمادورو الذى كان مناوئًا للسياسات الأمريكية فى أمريكا اللاتينية طوال سنوات حكمه.
وبعد نحو شهر واحد شن ترامب بالاشتراك مع حليفه مجرم الحرب المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو حربا شاملة ضد إيران دون أى غطاء من الشرعية الدولية ولا حتى «الشرعية الغربية». وخلال أيام الحرب تحدث ترامب عن اعتزامه السيطرة على النفط الإيرانى وإرساله إلى الولايات المتحدة والاستيلاء على مضيق هرمز وتحصيل رسوم عبور منه لصالح بلاده. لكن صمود الدولة الإيرانية رغم ما تكبدته من خسائر اقتصادية وبشرية هائلة أجبرته على القبول بوقف الحرب دون تحقيق أى من هذه الأوهام. وتحولت بلطجة ترامب ضد إيران إلى هزيمة استراتيجية كبيرة للولايات المتحدة بحسب أغلب المراقبين، ودوائر صناعة السياسة الأمريكية التى لا تدور فى فلكه.
وكما قلنا فإن ترامب يثبت كل يوم منذ عودته إلى البيت الأبيض أن «البلطجة أسلوب» حكم بالنسبة له سواء كانت ضده خصومه فى الداخل أو حتى ضد معارضيه أو المؤسسات التى لا ترضخ لرغاباته فى الداخل، بدءًا من مجلس الاحتياط الفيدرالى (البنك المركزى) الأمريكى ووصولًا إلى الكونجرس.
ثم جاءت قمة البلطجة التى لم يرَ العالم لها مثيلًا وربما لم يكن أحد يتصور أنه سيراها عندما أجبر ترامب الاتحاد الدولى لكرة القدم «فيفا» على تعليق عقوبة الإيقاف لمباراة واحدة للاعب المنتخب الأمريكى فولارين بالوجان بعد حصوله على بطاقة حمراء مباشرة فى مباراة بلاده أمام البوسنة والهرسك فى دور الـ32 لكأس العالم لكرة القدم التى تستضيفها الولايات المتحدة بالاشتراك مع كندا والمكسيك.
فلم يحدث أن أعلن رئيس دولة عن اتصاله برئيس «فيفا» كما فعل ترامب الذى قال إنه اتصل بجيانى إنفانتينو، رئيس فيفا، وطلب منه إلغاء إيقاف اللاعب الأمريكى بدعوى أنه يرى أن قرار الحكم البرازيلى رافائيل كلاوس بطرد اللاعب بعد الرجوع إلى تقنية فار لم يكن صحيحًا.
والحقيقة أن تاريخ كرة القدم فى العالم ملىء بقرارات الحكام المثيرة للجدل، والتى غيّرت نتائج مباريات وربما بطولات، لكن لم يحدث أبدًا أن تدخل «فيفا» وألغى مثل هذه القرارات التى يتخذها الحكم.
وربما تصور ترامب أنه بإجبار «فيفا» على اتخاذ هذا القرار العجيب بتعليق عقوبة بالوجان حتى يتمكن من المشاركة مع منتخب بلاده فى مباراة دور الـ16 ضد بلجيكا يمكن أن يضمن للمنتخب الأمريكى الفوز على أساس أن الخصم فى هذه المباراة ليس من ضمن القوى الكروية العظمى فى العالم.
لكن شاءت المقادير أن تخسر أمريكا بنتيجة مذلة أمام بلجيكا 1/4، وتغادر البطولة التى تستضيف مبارياتها، غير مأسوف عليها بعد أن أكد رئيسها للمرة الألف أن العالم يعيش معه أزهى عصور البلطجة.