شيزوفرنيا غربية - أشرف البربرى - بوابة الشروق
الأربعاء 1 يوليه 2026 9:30 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

توقعاتك لـ مباراة مصر وأستراليا؟

شيزوفرنيا غربية

نشر فى : الأربعاء 1 يوليه 2026 - 8:00 م | آخر تحديث : الأربعاء 1 يوليه 2026 - 8:00 م

مشهد مباريات أغلب المنتخبات الأوروبية المشاركة فى بطولة كأس العالم لكرة القدم التى تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك يكشف عن حالة تناقض بالغة الوضوح، حيث يحتشد عشرات الآلاف من الجماهير البيضاء لتشجيع فريقها الوطنى الذى يمثل اللاعبون من أبناء المهاجرين وبخاصة الأفارقة أغلب لاعبيه، فى الوقت الذى تتزايد فيه شعبية الأحزاب اليمينية المتطرفة المعادية للمهاجرين فى تلك الدول.

ففى حين تشير استطلاعات الرأى إلى تقدم كبير لحزب التجمع الوطنى الفرنسى المعادى للمهاجرين والأجانب، يضم المنتخب الفرنسى المرشح بقوة للفوز بلقب البطولة 19 لاعبًا من المهاجرين وأبنائهم من إجمالى 26 لاعبًا تضمهم القائمة الرسمية للفريق، يعنى هذا أن المهاجرين الذين يمثلون أقل من 12% من إجمالى سكان فرنسا يمثل أبناؤهم حوالى 73% من تشكيل المنتخب الفرنسى الذى يرفع علم فرنسا فى الحدث الرياضى الأهم عالميًا.

ولا يختلف الأمر كثيرًا بالنسبة لإنجلترا التى يضم فريقها المشارك فى كأس العالم 15 لاعبًا من أبناء المهاجرين من إجمالى 26 لاعبًا، أى بنسبة 60% تقريبًا من إجمالى قوام الفريق، فى حين أن نسبة المهاجرين لا تزيد على 14% من مجموع عدد سكان بريطانيا.

 فى الوقت نفسه تتزايد شعبية حزب الإصلاح اليمينى المتطرف المعادى للمهاجرين والأجانب بزعامة «نايجل فاراج». وقد أحدث الحزب الشعبوى زلزالا انتخابيا عبر اقتحامه معاقل الأحزاب التقليدية.

أما ألمانيا التى خرجت مبكرًا من منافسات كأس العالم والتى يتقدم فيها حزب البديل من أجل ألمانيا المتطرف بقوة مثيرة للقلق، يضم منتخبها الوطنى لكرة القدم 14 لاعبًا من المهاجرين وأبنائهم بما يزيد على 50% من إجمالى قائمة الفريق، فى حين أن المهاجرين لا يمثلون أكثر من 26% من إجمالى سكان البلاد.

ما يحدث فى ملاعب كرة القدم حيث يحمل المهاجرون وأبناؤهم الجزء الأكبر من عبء الدفاع عن ألوان غالبية الدول الأوروبية حاليًا، وهو ما ينطبق على غالبية القطاعات فى ظل ارتفاع معدلات الشيخوخة فى المجتمعات الأوروبية وتزايد اعتمادها على المهاجرين وأبنائهم للحفاظ على مستويات الشباب فى المجتمع.

ووفقًا للبيانات الأوروبية فإن المهاجرين فى سن العمل (15 - 64) فى دول الاتحاد الأوروبى يمثلون 76% من إجمالى المهاجرين. وتبلغ النسبة فى فرنسا 71% وألمانيا 72%، بينما ترتفع بشكل ملحوظ فى إسبانيا إلى 84% وإيطاليا 85%.

فى المقابل تمثل الفئة السكانية فى سن العمل حوالى 64% من إجمالى سكان الاتحاد الأوروبى، وتشهد هذه النسبة اتجاهًا مستمرًا للانخفاض نتيجة شيخوخة مجتمعات هذه الدول، ومن المتوقع انخفاضها إلى نحو 50% بحلول عام 2100.

معنى ذلك أن الواقع الفعلى يقول إن المجتمعات الأوروبية التى تتجه نحو اليمين العنصرى المعادى للأجانب والمهاجرين لا تستطيع الحياة دون هؤلاء المهاجرين الذين باتوا يشكلون جزءًا لا غنى عنه من قوة العمل التى تضمن استمرار دوران عجلة اقتصاداتها من ناحية، بل تدفق الأموال على أنظمة التقاعد والتأمينات التى تضمن دخول المسنين فيها من ناحية أخرى باعتبار أغلب المهاجرين فى سن العمل مما يساهمون فى اشتراكات التأمينات والتقاعد.

ويقول أحد الأصدقاء المصريين الذى يعيش ويعمل فى مدينة ميلانو الإيطالية معقل حزب رابطة الشمال اليمينى المعادى للأجانب بزعامة ماتيو سالفينى إن مقر الحزب يرفع على مدخله شعار Meno immigrati, più lavoro باللغة الإيطالية وترجمته مهاجرون أقل، وظائف أكثر، فى حين أن غالبية العاملين فى أعمال الصيانة والنظافة وغيرها من الخدمات داخل المبنى من المهاجرين الأجانب.

حالة التناقض التى تعيشها المجتمعات الأوروبية بين ميلها المتزايد لأحزاب اليمين العنصرى المعادى للمهاجرين والأجانب، وحاجة تلك المجتمعات المتنامية لهؤلاء المهاجرين حتى تحافظ على بقائها، تكشف عن قصور شديد فى إدراك هؤلاء الأوروبيين لحقائق الواقع، واستغلال السياسيين العنصريين للمشكلات الحياتية المعادة لتحقيق مكاسب سياسية على حساب استقرار مجتمعاتهم.

التعليقات