تعكس الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران بوضوح تام سيطرة جنون القوة على صناع القرار فى واشنطن وتل أبيب وبدرجة أقل فى طهران. فالرئيس الأمريكى دونالد ترامب يهدد علنا باعتزامه انتهاك القانون الدولى الإنسانى الــذى يحظــر صراحــة «مهاجمــة الأعيــان والمــواد التــى لا غنــى عنهــا لبقــاء الســكان المدنييــن علــى قيــد الحيــاة أو تدميرهــا أو إزالتهــا» مع تهديده بتدمير جميع محطات الكهرباء وحقول البترول فى إيران إذا لم تستسلم لطلباته. كما يتحدث عن رغبته فى الاستيلاء على ثروات إيران من النفط، ويتباهى باغتيال المسئولين الإيرانيين السياسيين، ويهدد بإعادة إيران عقودا إلى الوراء.
وعلى نفس إيقاعه يخرج وزير حرب الكيان الصهيونى يسرائيل كاتس ليعلن قيام الجيش الصهيونى بإزالة قرى لبنانية كاملة، واحتلالها بعد تهجير سكانها وهو ما يعتبره القانون الدولى عملا من أعمال التطهير العرقى. ويقتل جيشه عناصر قوات حفظ السلام الدولية (يونيفيل) دون خوف من حساب واستنادا إلى الحماية الأمريكية.
وفى تحليل مشترك نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية قالت ربيكا ليسنر الباحث الزميل فى السياسة الخارجية الأمريكية بمجلس العلاقات الخارجية، وميرا راب هوبر الزميل الزائر فى معهد بروكينجز للأبحاث إن ترامب يؤمن بمقولة المؤرخ اليونانى القديم ثوسيديدس: «الأقوياء يفعلون ما فى وسعهم، والضعفاء يتحملون ما يجب عليهم تحمله».
أما شونج يوان شو ليو زميلة برنامج موريس جرينبيرج لدراسات الصين فى مجلس العلاقات الخارجية الأمريكى فتقول إن تدخلات إدارة ترامب فى فنزويلا وإيران أقرب إلى تصرفات إمبراطورية فى مراحلها الأخيرة، منها إلى تصرفات قيادة إمبراطورية واثقة، وهو ما يمثل تهديدا خطيرا للعالم أجمع، الذى يجد نفسه أمام قوة مهيمنة فقدت ثقتها بنظامها، لكنها لا تزال تمتلك قدرة تدميرية لا تضاهى ويمكن أن تستخدمها بلا سقف فى معركتها من أجل البقاء.
والحقيقة أن المجتمع الدولى بأكمله مسئول بدرجة أو بأخرى عن وصول الهوس بالقوة لدى الرئيس الأمريكى إلى هذه الدرجة التى باتت تهدد العالم، أجمع. فالصمت الدولى على انتهاكات ترامب للقانون الدولى والقواعد المرعية منذ ولايته الأولى بدءا من إعلانه الانسحاب من جانب واحد من اتفاق باريس للمناخ وتحديه للعالم فى قضية حماية المناخ وحتى خطف الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو من قصره الرئاسى وضرب القوارب المدنية فى البحر الكاريبى والمحيط الهادئ بدعوى أنها تابعة لعصابات المخدرات، ومطالبته بالحصول على جزيرة جرينلاند الدنماركية، فتحت شهيته أمام المزيد من العدوان والحروب دون محاولة تقديم أى مبررات لها، ومهما كانت تداعيات تلك الحروب على دول العالم.
وقبل نشوب حرب إيران قال نيت سوانسن مدير إدارة إيران فى مجلس الأمن القومى الأمريكى خلال الفترة من 2022 إلى 2025 إن ترامب لا يستمع لكل الأصوات المحذرة من تداعيات مثل هذه الحرب، استنادا على تجاربه السابقة فى انتهاك القوانين والقواعد الدولية وعدم حدوث ما حذر منه الخبراء. فعندما قرر ترامب نقل السفارة الأمريكية فى إسرائيل إلى القدس عام 2018، حذر المحللون من أن هذه الخطوة ستشعل غضبا شعبيا ورسميا فى كل الدول العربية والإسلامية بما يهدد بالخطر المصالح والرعايا الأمريكيين، لكن القرار صدر ولم يحدث شىء. وعندما انضم ترامب إلى الضربات الإسرائيلية على البرنامج النووى الإيرانى، وحذر المحللون من أن هذا القرار سيؤدى إلى حرب أوسع نطاقا ويعجل بانطلاق البرنامج النووى الإيرانى. ومرة أخرى، لم يحدث شىء يذكر. وعندما أطاحت إدارته بالرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو فى يناير الماضى، أصر الخبراء على أن فنزويلا ستشتعل غضبا وأن الفوضى ستضرب المنطقة، لكن لم يحدث شىء.
ورغم أن ترامب وأمريكا يدفعان ثمن حماقته واندفاعه نحو الحرب مع إيران دون استراتيجية خروج واضحة كما يؤكد أغلب المراقبين، فإن العالم أجمع يدفع الآن ثمن هذه الحرب التى نشبت بسبب صمت العالم على جنون القوة لدى الرئيس الأمريكى ومن حوله من الصهاينة فى واشنطن وتل أبيب.