عندما تنخفض الأسعار عالميًا، وقبل أن يُحدث المواطن المصرى نفسه عن انخفاض محتمل للأسعار فى السوق المحلية، يسارع أغلب رجال الأعمال والمستوردين، بل بعض المسئولين برفع شعار «مصر مختلفة» وأن ما يحدث فى الأسواق العالمية لا يؤثر على الأسعار فى مصر، رغم أن هؤلاء الأشخاص هم أنفسهم الذين برروا قفزات الأسعار المتتابعة فى مصر إلى مستويات قياسية، بارتفاع الأسعار العالمية، مرة بسبب كورونا وأخرى، بسبب حرب أوكرانيا.
ففى الوقت الذى انخفض فيه الدولار أمام الجنيه بنحو 10%، وانخفضت فيه أسعار الفائدة الرئيسية فى البلاد بمقدار 7.25 نقطة مئوية خلال العام الماضى، وفى الوقت الذى انخفضت فيه أسعار الحديد بنسبة 7% وأسعار البترول بنحو 17% مع توقعات باستمرار تراجع الدولار والفائدة فى مصر والحديد والبترول فى العالم خلال العام الحالى، يرفض المستثمرون ورجال الأعمال بشدة الحديث عن إمكانية انخفاض أسعار العقارات فى مصر، على غرار ما يحدث فى العالم حاليا بدعوى أن مصر مش أوروبا ولا أمريكا.
ويقول بعض المطورين العقارين، إن الأزمات التى ضربت سوق العقارات فى الصين والولايات المتحدة نتيجة الارتفاعات المتتالية فى الأسعار حتى أصبحت خارج قدرة قطاع كبير من المشترين المحتملين لا يمكن أن تحدث فى مصر، بدعوى أن هناك طلبًا حقيقيًا نتيجة وجود مليون حالة زواج سنويًا فى حين أن المعروض فى السوق لا يكفى.
هذا الكلام، بفرض صحته، يركز فقط على وجود شريحة محدودة من المجتمع ما زالت قادرة على دفع ملايين الجنيهات مقابل شقة صغيرة، ويتجاهل حقيقة تراجع التكلفة خلال العام الأخير سواء المباشرة ممثلة فى أسعار مواد البناء، أو غير المباشرة ممثلة فى أسعار الفائدة، مع ضعف القدرة الشرائية لدى الشريحة الأكبر من المواطنين كسبب منطقى يمكن أن يدفع الشركات إلى خفض الأسعار.
الحقيقة أن ما يحدث فى القطاع العقارى هو تكرار لما يحدث فى معظم القطاعات، حيث يدفع المستهلك المغلوب على أمره ثمن أى زيادة فى الأسعار العالمية بغض النظر عن مدى تأثيرها الفعلى على السلعة فى السوق المحلية، دون أن يستفيد من أى تراجع عالمى.
ليس هذا فحسب بل إن الحكومة فى مرات كثيرة وتحت شعار حماية المنتج المصرى تتدخل لحرمان المواطن من فوائد الارتباط بالسوق العالمية عند انخفاض الأسعار، سواء بفرض قيود على الاستيراد أو جمارك مبالغ فيها، مستشهدة بما يحدث فى الدول المتقدمة التى تتدخل فى حالات كثيرة لحماية الإنتاج المحلى مرتفع التكلفة من منافسة الواردات منخفضة التكلفة.
فى هذه الحالة تختفى عبارة «مصر مش أوروبا ولا أمريكا»، رغم أنها كذلك بالفعل فى هذه الحالة بالتحديد، فالحكومات الأوروبية والأمريكية تحمى الشركات المحلية التى تدفع أجورًا عالية وتوفر تأمينًا صحيًا حقيقيًا لعمالها وتدفع ضرائب كبيرة للدولة، وهو ما يجعل إنتاج هذه الشركات أعلى تكلفة من المستورد، فى حين أن الأمر ليس كذلك بالنسبة لبعض الشركات فى مصر التى تدفع أجورًا زهيدة مقارنة بالأجور فى أوروبا وأمريكا، بل حتى الصين التى يتراوح الحد الأدنى للأجور فيها بين 2.3 و3.8 دولار للساعة، إلى جانب ما تقدمه الحكومة فى مصر من مزايا ضريبية وحوافز عديدة للمستثمرين بما يعنى أن الإنتاج فى مصر أقل تكلفة منه فى الدول المتقدمة.
أخيرًا، المفترض أنه لا يمكن الحديث عن «مصر المختلفة» كذريعة لحرمان المواطن من فوائد العولمة والاقتصاد الحر، ثم اعتبارها جزءًا من العالم تتأثر بما يجرى فيه عندما يكون مطلوبًا من المواطن دفع الثمن.