أحاديث الطاقة المتجددة - مدحت نافع - بوابة الشروق
الثلاثاء 10 فبراير 2026 4:50 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد أزمة إمام عاشور.. ما تقييمك لعقوبة الأهلي؟

أحاديث الطاقة المتجددة

نشر فى : الإثنين 9 فبراير 2026 - 7:15 م | آخر تحديث : الإثنين 9 فبراير 2026 - 7:15 م

ربما التبس على القارئ، عند الوهلة الأولى، توصيف «المتجددة» فى عنوان هذا المقال: أهو نعتٌ للأحاديث أم للطاقة؟ وهو التباسٌ مشروع، بل كاشف؛ إذ إن ما تحقق على الأرض فى مجال الطاقة المتجددة فى مصر، على أهميته، لا يزال أقل بكثير من زخم الخطاب المحيط به، ومن وفرة الوعود التى تتجدد أسرع من القدرات المركّبة فى الشبكة القومية. فبين ما يُقال فى الاستراتيجيات وما يُنفَّذ على أرض الواقع، ثمة فجوة آخذة فى الاتساع، تعكس ليس فقط بطء التحول الطاقوى التقنى، بل ارتباك المقاربة التى تُدار بها مسألة الطاقة، بوصفها ملفًا خطابيًا أو قطاعيًا معزولاً، لا ركنًا هيكليًا ركينًا فى معادلة الاقتصاد الكلى وأزمات الندرة المتلاحقة.

 


لقد تجاوز الحديث عن الطاقة المتجددة كونه نقاشًا أكاديميًا ثانويًا أو شعارًا بيئيًا مكرورًا، ليصبح مدخلًا رئيسيًا لفهم المعضلة الاقتصادية الشاملة التى تواجهها دول مثل مصر فى مرحلة حرجة تتضاعف فيها تحديات نقص الموارد، وتتعقد فيها أعباء التمويل، وترتفع فيها تكاليف الاعتماد على نموذج طاقوى تقليدى لا يراعى شح الموارد. فجوهر قضية الطاقة لا يكمن فى مجرد تقنيات توليدها، بل فى كيفية حشد الموارد وتوجيهها بكفاءة، وضمان توزيع عادل للأعباء والمنافع المرتبطة بها؛ وهى القضايا الجوهرية نفسها التى تشكّل لُبَّ أى جهد تنموى حقيقى.
• • •
وضعت مصر لنفسها مستهدفات طموحة فى مجال الطاقة المتجددة، إذ تسعى إلى أن تمثّل مصادر الطاقة النظيفة نحو 42% من مزيج الكهرباء بحلول عام 2030، ترتفع إلى ما يقارب 60% بحلول 2040، وفق الاستراتيجيات المعلنة!! وهذه المستهدفات، إذا نُظر إليها بمعايير دولية، ليست بعيدة عن متوسطات الدول الساعية إلى الانتقال الطاقوى، بل ربما تعكس وعيًا مبكرًا بأهمية تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفورى المستورد أو شديد التقلب. غير أن الفجوة بين المستهدف والمتحقق لا تزال واسعة إلى حد مقلق، وتزداد اتساعًا كلما انتقلنا من مستوى الخطط إلى مستوى التنفيذ. فعلى الرغم من بعض النجاحات فى مشروعات كبرى مثل مجمع بنبان للطاقة الشمسية، ومزارع الرياح فى خليج السويس، فإن وتيرة إدماج الطاقة المتجددة فى الشبكة القومية لا تزال أبطأ مما تقتضيه الضرورة الاقتصادية، لا البيئية فقط. ويكمن جوهر الإشكال هنا فى أن الانتقال الطاقوى يُدار فى الغالب كملف قطاعى، بينما هو فى حقيقته ملف كلى بامتياز، يتقاطع مع سياسات الدين، وسعر الصرف، وهيكل الاستثمار العام، وقدرة الدولة على إدارة المخاطر.
إن أحد أسباب هذا البطء يعود إلى اختلال معادلة التعبئة والتخصيص. فالتعبئة، أى توفير التمويل، لا تزال رهينة مصادر خارجية مرتفعة التكلفة، سواء عبر قروض سيادية أو شراكات استثمارية تُحمَّل فيها الدولة الجزء الأكبر من المخاطر. أما التخصيص، أى توجيه هذا التمويل إلى مشروعات ذات عائد اقتصادى واجتماعى صافٍ، فيصطدم بقيود مؤسسية وتنظيمية، أبرزها ضعف مرونة الشبكة القومية، وغياب استثمارات كافية فى التخزين والربط وتحديث البنية التحتية القادرة على استيعاب نسب مرتفعة من الطاقة المتقطعة. ولا يمكن فهم هذا الوضع بمعزل عن السياق الأوسع لأزمة الندرة المعاصرة، التى لم تعد تقتصر على نقص الموارد الطبيعية، بل امتدت إلى ندرة التمويل الرخيص، وندرة الثقة، وندرة الحيز المالى. فالتغير المناخى، وما يفرضه من تكاليف تكيّف متزايدة، يضغط على الموازنات العامة، ويزاحم الاستثمارات الإنتاجية، بينما يظل النظام المالى العالمى عاجزًا عن تقديم تمويل عادل وكفء للتحول الأخضر فى الاقتصادات الناشئة. والنتيجة أن الدول التى هى أقل مساهمة تاريخيًا فى الانبعاثات تدفع ثمنًا أعلى لتمويل حلول الطاقة النظيفة، فى مفارقة لا تخلو من قسوة اقتصادية وأخلاقية.
فى الحالة المصرية، تتجلى هذه المفارقة بوضوح فى ارتفاع تكلفة رأس المال لمشروعات الطاقة المتجددة مقارنة بنظيراتها فى الاقتصادات المتقدمة، رغم تقارب التكنولوجيا وتراجع تكلفتها عالميًا. ولا يقتصر الأمر هنا على مخاطر العملة والسيولة فحسب، بل يمتد إلى مخاطر التنظيم واستقرار السياسات، وهى مخاطر تضاعفت فى الآونة الأخيرة مع قرار إلغاء آلية «صافى القياس»، بما حمله من التباس واسع لدى المستثمرين والمستهلكين على حد سواء، وبما أرسله من إشارات متعارضة للأسواق بشأن جدية واستمرارية مسار التحول الطاقوى. فهذه الآلية لم تكن مجرد ترتيب فنى، بل أداة لتقاسم المخاطر وتحفيز الاستثمار اللا مركزى، وإلغاؤها دون إطار انتقالى واضح ينعكس مباشرة فى ارتفاع العائد المطلوب، وإطالة فترات الاسترداد، وتأجيل قرارات الاستثمار. صحيح أن الوزارة ــ بحسب ما توافر لى من معلومات ــ قد فتحت بابًا لحوار مجتمعى حول القرار، غير أن غياب الشفافية بشأن مسار هذا الحوار، أو نتائجه، أو حتى الموقف النهائى من الإلغاء، يكرّس حالة عدم اليقين التنظيمى، وهى تكلفة خفية لا تقل أثرًا عن تكلفة التمويل ذاتها.
ويُضاف إلى ذلك أن السياسات الطاقوية لا تزال تميل إلى قياس النجاح بزيادة القدرات المركبة أكثر من تعظيم القيمة المضافة المحلية، رغم أن الطاقة المتجددة تمثل فرصة لإعادة بناء سلاسل قيمة صناعية، وخلق وظائف، وتوطين تكنولوجيا، وتقليل فاتورة الاستيراد على المدى المتوسط، وهو بُعد تنموى لا يزال ضعيف الحضور فى إدارة ملف التحول الطاقوى.
ويزداد الأمر تعقيدًا حين نضع فى الاعتبار أن التحول الطاقوى لا ينفصل عن العدالة الاجتماعية. فارتفاع تكاليف الكهرباء، أو إعادة هيكلة الدعم دون توفير بدائل مستدامة، قد يُحمِّل الفئات الأضعف عبئًا إضافيًا، ويخلق مقاومة اجتماعية صامتة لأى إصلاح. ومن ثم، فإن البطء فى التوسع المدروس فى الطاقة المتجددة لا يمثل فقط إضاعة لفرصة اقتصادية، بل يحمل فى طياته عبئًا اجتماعيًا مؤجلاً. إن تجاوز هذا البطء يتطلب إعادة تعريف دور الدولة، لا بوصفها مستثمرًا مباشرًا فى كل مشروع، بل باعتبارها مُيسِّرًا ومخففًا للمخاطر. فالدولة قادرة، عبر أدوات ذكية، على خفض تكلفة التمويل، سواء من خلال الضمانات الجزئية، أو عقود شراء طويلة الأجل أكثر مرونة، أو ربط مشروعات الطاقة المتجددة بأدوات تمويل سيادى مبتكرة تخفف عبء الدين. كما أن بناء منصات لتجميع المشروعات الصغيرة والمتوسطة يمكن أن يحولها من فرص مشتتة إلى محافظ استثمارية جاذبة لرأس المال المؤسسى.
• • •
وفى هذا السياق، لا يمكن القفز فوق الحاجة إلى إصلاح مؤسسى عميق، يبدأ من إعادة النظر فى الإطار الحاكم لملف الطاقة ذاته، حيث بات الجمع بين مهام الكهرباء التقليدية ومتطلبات التحول إلى الطاقة المتجددة داخل وزارة واحدة مصدرًا لتضارب الأولويات لا لتكاملها. فإدارة شبكة كهرباء مركزية مثقلة باعتبارات الاستقرار اللحظى والتكلفة قصيرة الأجل تختلف جذريًا عن إدارة انتقال طاقوى يتطلب أفقًا زمنيًا ممتدًا، واستعدادًا لتحمل مخاطر مرحلية، وابتكار أدوات تنظيمية وتمويلية غير تقليدية. وقد أفضى هذا الخلط، فى أكثر من محطة، إلى سياسات مترددة وإشارات تنظيمية متناقضة، أضعفت ثقة المستثمرين، وأبطأت وتيرة إدماج الطاقة المتجددة فى الشبكة القومية. فالشبكة هنا ليست مجرد بنية تحتية فنية تُدار بعقلية التشغيل، بل مرآة لقدرة الدولة على التخطيط المتكامل، والمواءمة بين سياسات الطاقة والسياسات الصناعية والمالية، وتخصيص الموارد وفق أولويات استراتيجية طويلة الأجل، لا وفق اعتبارات آنية أو ضغوط تشغيلية.
وفى المحصلة، لا بد أن تخرج أحاديث الطاقة المتجددة فى مصر من دائرة الإنجاز الرمزى والخطاب الاحتفالى إلى فضاء التحول الهيكلى الحقيقى. فالسؤال لم يعد ما إذا كنا بحاجة إلى الطاقة النظيفة، بل كيف نُعيد هندسة الإطار المؤسسى والتنظيمى بحيث تصبح أداة لتخفيف الندرة، وتعزيز الاستقلال الاقتصادى، وبناء نموذج تنموى أكثر مرونة وشمولاً. أما الإبقاء على التباطؤ الحالى، مهما كانت مبرراته الإدارية، فلا يعنى سوى ترحيل التكلفة إلى المستقبل؛ حيث ستظهر دفعة واحدة فى صورة ضغوط مالية، واختناقات استثمارية، وفقدان فرص لا يمكن تعويضها فى لحظة لا تحتمل إلا الحسم المدروس.
كاتب ومحلل اقتصادى

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات