بالإضافة إلى انتشار مائة وثلاث قبائل بصحارى مصر الثلاثة: سيناء، الشرقية، والغربية، فى مواقع نائية ومعزولة، أكتب اليوم عن كائنات مصر وأماكن تواجدها وبعض المعلومات المرتبطة بها، والتى أيضًا لا يعلم معظم المصريين عنها شيئًا. وهى ظاهرة مؤكدة، حيث كلما ألقيت محاضرة عنها، واجهت تعبيرات الاندهاش، بل والصدمة أحيانًا، وسيلًا من الأسئلة، أبسطها: هل تتكلم عن مصر؟ وهل فعلاً ما ذكرته موجود بمصر؟
أبدأ مقالتى بالكائنات النادرة جدًا والمهددة بالانقراض، وعلى رأسها عروس البحر، التى وصل عددها اليوم إلى تسعة فقط بالبحر الأحمر بالكامل وأمام السواحل المصرية. وهى حيوان ثديى مسالم يبلغ طوله ثلاثة أمتار ووزنه حوالى أربعمائة كيلوجرام، وتعتمد فى غذائها على الأعشاب البحرية الموجودة فى عشرة مواقع فقط.
ثم السلحفاة المصرية الصغيرة، التى تعيش بصحارى الساحل الشمالى لمصر، وقد فُرضت عليها رعاية ومراقبة إلكترونية بشمال سيناء لحماية ما تبقى منها. والكبش الأروى، الذى توجد آخر تجمعاته داخل محمية الجلف الكبير أقصى جنوب غرب مصر، ويعرف بأنه شديد التحمل للجفاف، كما توجد تجمعات له بجبال محمية علبة بجنوب الصحراء الشرقية. والغزال الأبيض، الذى تم إبادة تجمعات كاملة منه خلال الربع الأخير من القرن الماضى وأوائل القرن الحالى بصحارى مطروح بواسطة الإخوة العرب، وفى اعتقادى أن ما تبقى منه يرجع الفضل فيه إلى حقول الألغام، التى لا تتأثر بوزنه الخفيف، مما يسمح له بدخولها كملاذ آمن من الصيد الجائر والمبالغ فيه.
والصقر الحر، الذى تناقصت أعداده بشكل ملحوظ جدًا خلال السنوات الأخيرة بسبب الصيد غير القانونى والجائر نهاية القرن الماضى، وللأسف، السبب الرئيسى فى اصطياده هو مرة أخرى الإخوة العرب، الذين يستخدمونه فى اصطياد الصقور الأغلى فى مصر مثل صقر الغزال والشاهين. كما توجد بجبال سيناء أندر فراشة فى العالم وأصغرها حجمًا، وهى الفراشة الزرقاء.
أيضًا هناك نباتات مهددة بالانقراض مثل شجرة الأنباط، وعدد منها موجود أعلى جبل علبة أقصى جنوب شرق مصر، وهى لا يزيد ارتفاعها عن خمسة أمتار، ولها عدة أفرع تنتهى بتيجان من أوراق تشبه نصال السيوف، وأزهارها قرمزية.
أنتقل بعد ذلك إلى الكائنات ذات الطبيعة الخاصة والمميزة. فأجمل كائنات مصر هو ثعلب الفنك ذو الأذنين الكبيرتين، المغطى بشعر ناعم طويل، يشبه لعب الأطفال، وحجمه صغير.
ومن كائنات مصر الغريبة سلحفاة النيل لينة الدرقة (أو الظهر)، وتوجد فقط ببحيرة ناصر وسط القارة الإفريقية بالكامل، ويصل طولها لحوالى التسعين سنتيمترًا ووزنها خمسة وأربعون كيلوجرامًا، لها وجه مدبب ولونها أسود تنتشر عليه نقاط بيضاء، وهى شرسة للغاية إذا حاول أحد اعتراضها أو الإمساك بها.
ثم هناك الوَبَر، حيوان عشبى يمت بصلة قرابة للفيل، وينتشر بالشقوق الصخرية بجبال سيناء وجبال سواحل البحر الأحمر، وهو طعام مفضل لدى بدو سيناء، وحجمه يوازى حجم أرنب كبير.
ومن الطيور أختار القطا، الذى يخفى عشه وسط الشقوق الجبلية بعيدًا عن الأنظار، حيث تضع إنثاه بيضتين أو ثلاثًا فى المرة، ويطير الذكر أكثر من ستين كيلومترًا يوميًا لبلوغ المياه العذبة ليشرب ويبلل ريش صدره الذى يشبه الأسفنج، ثم يعود لعشه حيث تمتص أفراخه الماء من ريشه. وهو طائر نباتى، ويتبادل الذكر والأنثى احتضان البيض.
وأمام سواحل البحر الأحمر، وفى مناطق معينة وسط الشعاب المرجانية، توجد سمكة صغيرة تُلقب بالسمكة المنظفة؛ حيث تتجمع عندها الأسماك والكائنات البحرية التى تعانى من مشاكل الطفيليات العالقة والكائنات القشرية اللاصقة. فتستسلم هذه الكائنات تمامًا لها، ولا تحاول إيذاءها أو افتراسها، رغم ضخامتها وصغر حجم السمكة، وتقوم هذه الأسماك الكبيرة بفتح أفواهها لتسمح للسمكة المنظفة بدخول فمها للقيام بمهمة إزالة الطفيليات العالقة بين الأسنان أو داخل خياشيمها أو على أجسامها، ثم تنسحب هذه الأسماك بهدوء للسماح لغيرها بدخول محطة التنظيف البحرية.
وبأخوار بحيرة السد العالى تنتشر التماسيح النيلية العملاقة، التى يبلغ طولها خمسة أمتار، وتبيض إناثها صيفًا حيث تضع حوالى ثلاثين بيضة وتدفنها بعناية فى الرمال، وتدافع عنها حتى تفقس، ثم تتولى رعايتها بعد ذلك حتى تبلغ حجمًا مناسبًا يمكنها الدفاع عن نفسها والصيد للغذاء.
وبمحمية جبل علبة أقصى جنوب شرق الصحراء الشرقية، تشاهد قطعانًا من الجحش البرى الممشوق القوام والنسر الأذن الذى يتعدى امتداد جناحيه الثلاثة أمتار، والمعروف منذ عهود الفراعنة حيث نحتت صورته على جدران المقابر والمعابد، وكان لقبه وقتها الإله نخبت، حارس الملك.
وعلى سواحل البحر الأحمر تخرج السلاحف الخضراء لتضع بيضها وتدفنه تحت الرمال، ثم تعود للبحر تاركة البيض ليفقس بعد عدة أسابيع، فتخرج السلاحف الصغيرة لتتجه فورًا نحو البحر لتبدأ دورة حياتها المليئة بالألغاز.
وأخيرًا، زواحف وحشرات مصر، التى تحقق صادرات سمومها أكثر من مائة مليون دولار سنويًا، ومنها الحية المقرنة التى تدفن نفسها فى الرمال ويصعب اكتشافها، وهى منتشرة بالصحراء الشرقية، والحية المنشارية التى تعيش فى وديان جنوب سيناء ولها القدرة على تسلق الأشجار، وبالطبع الكوبرا المصرية على جانبى وادى النيل، هذا بالإضافة إلى العقارب.
مصر بفضل الله تزخر بتنوع من الحياة البرية والبحرية والنباتية، والتى لا حصر لها. والجدير بالذكر أن أرض مصر تحتوى على أعشاب طبية تتهافت عليها المؤسسات الطبية الدولية، والتى منها يستنبطون العقاقير لمعالجة العديد من الأمراض الفتاكة والمزمنة، وهى مرتبطة بمهنة العطارة التى توارثها المصريون منذ أربعة آلاف سنة، وهى مهنة ومصدر رزق تعتمد عليها القبائل والمجتمعات النائية. سبحان الله والحمد لله.
المستشار السابق لوزير السياحة ووزيرة البيئة