نعود إلى أنماط السلوك التى كانت سائدة فى مجتمعنا قبل 7 أكتوبر ببطء، لكن بثبات. يُقال ويُكتب الكثير عن الانقسام المجتمعى، لكنه لم يعُد هذا فقط ما يدير حياتنا، بل ازداد حدّةً بشكل لافت. كذلك، عادت وسائل الإعلام للاهتمام بالقضية الفلسطينية بصورة أقل، تماما مثلما فعلت فى الأعوام التى سبقت «المجزرة».
بلغ هذا العمى ذروته فى 12 سبتمبر 2023، حين نفّذ الجناح العسكرى لـ«حماس» مناورة عسكرية، حاكى فيها عناصره اقتحام مستوطنات وخطف جنود. فى ذلك اليوم بالذات، كانت المحكمة العليا الإسرائيلية منعقدة للنظر فى قانون «حجة المعقولية» [تعديل صلاحية المحكمة العليا فى النظر، أو إلغاء قرارات اتخذتها الحكومة]. وانشغلت العناوين العريضة بالاقتتال القضائى ــ السياسى، بينما دُفنت مناورة «حماس» فى هوامش التغطية الإخبارية.
كما فى الماضى، كذلك اليوم، نروى للجمهور ما يحب سماعه، لا ما يحتاج إلى سماعه، ويتجلى ذلك بوضوح هذه الأيام فى ظل الأزمة فى إيران، حيث تتجه الأنظار كلها إلى هناك، ولا تحظى غزة بأى اهتمام. ربما لو كنا تناولنا مناورة «حماس» بجدية أكبر، لارتعب أحد ما واستيقظ ــ ضابط رفيع، أو حتى سياسى مسئول. لكن لم يُعِر أحد إشارة التحذير أى اهتمام ، وما تبقى معروف للجميع.
تذكّرت هذا كله هذا الأسبوع، مع إعادة فتح معبر رفح؛ ففتح المعبر هو إشارة إلى العودة إلى الروتين، وكذلك تأليف حكومة الخبراء الفلسطينية، وتدفُّق شاحنات المساعدات من دون توقّف. هذا كله كان حتميا من اللحظة التى توقفت فيها الحرب.
كانت إسرائيل تعلم مسبقا إلى أين ستؤول الهدنة، ووافقت على جميع هذه البنود، ووافقت أيضا على تأليف حكومة الخبراء، بل رفضت بعض الأسماء ووافقت على أُخرى. وفى المقابل، أعادت «حماس» جميع الأسرى الأحياء وجثامين القتلى، للوصول إلى هذه اللحظة التى تبدأ فيها غزة بالعودة التدريجية إلى الحياة الطبيعية.
وهنا أيضا يتكرر نمط قديم، لنطلق عليه اسم «نُنهى العمل ونغادر»؛ تعود غزة إلى الروتين، ونحن نعود إلى روتيننا وندفعها مجددا إلى الهامش. هذا ما كانت عليه الحال بعد كل جولة قتال سابقة مع «حماس» والجهاد الإسلامى.
لقد انشغل المستوى السياسى بشئونه ونسى غزة، فترك الجيش يراقب العدو، ويرسله عند الحاجة إلى مهمات هجومية. العدو طالب، باستمرار، برفع الحصار، وهدد بالانتقام، لكن أحدا لم يصغِ، وكان هذا الموقف يعبّر عن غرور مؤسساتى طويل الأمد، افترض أن هذا الصداع سيزول من تلقاء نفسه، وإن لم يزُل، فالمشكلة مشكلتهم. فى هذه الأثناء، استغل العدو لامبالاتنا وتعاظم، وفى اللحظة المؤاتية رفع رأسه.
وهذا ما يحدث فعليا فى هذه الأيام. منذ أكثر من عام، يعِد المستوى السياسى بتجريد «حماس» من السلاح وإنهاء المعركة بنصر مطلق. هذا ما وعدت به حكومات إسرائيل أيضا فى جولات سابقة، وتخلّت عن وعودها دائما. صحيح أن «حماس» تلقّت ضربة قاسية اليوم، إلّا إنها «كالأفعى» التى قُطع ذيلها، لكن الرأس ما زال حيا، ويمكن أن ينمو الذيل مجددا. أى بينما عدنا نحن إلى الروتين، عادوا هُم إلى التعاظم.
جاكى حوغى
معاريف
مؤسسة الدراسات الفلسطينية