دافيدى بن تسيون
برز هذا الأسبوع أحد أهم الأسئلة المتعلقة بمستقبل دولة إسرائيل: ما هو ثمن الاعتماد الاستراتيجى، حتى عندما يكون على أكبر وأهم حليف لنا؟ لا يوجد إسرائيلى لا يدرك أهمية التحالف مع الولايات المتحدة؛ إن المساعدات الأمنية، والتعاون الاستخباراتى، والدعم السياسى، والروابط القيَمية بين البلدين، أمور كلها تُعتبر أصولًا استراتيجية من الدرجة الأولى. وفى شرق أوسط مضطرب وخطِر، لا تملك إسرائيل صديقًا أهم من الولايات المتحدة، لكن لهذا السبب بالذات، يجب التمييز بين التحالف معها والاعتماد عليها.
يعلّمنا التاريخ أن الدول الصغيرة لا تستطيع أن تسمح لنفسها بالتخلّى عن الشراكات الدولية، لكنه يعلّمنا أيضًا أنها لا تستطيع أن تضع مسئولية مصيرها فى أيدى الآخرين. لقد أقيمت إسرائيل، انطلاقًا من هذا الفهم تحديدًا؛ فبعد أجيال من اعتماد اليهود على قرارات الآخرين، قامت هنا دولة تتمثل مهمتها فى اتخاذ القرارات المتعلقة بأمنها ومستقبلها بنفسها. يمكن للأصدقاء المساعدة والنصح والدعم، لكنهم ليسوا هم الذين يتحملون العواقب فى حال تبيّن أن القرارات كانت خاطئة.
وفى الوقت الذى يواصل سكان الشمال العيش تحت التهديد، ويتعرّض جنود الجيش الإسرائيلى لإطلاق النار من حزب الله، الذى يواصل محاولاته تقويض الشعور بالأمن على الحدود الشمالية، يبدو كأن هناك فجوة مُقلقة نشأت بين التصريحات والواقع؛ لقد سمعنا تصريحات حازمة بشأن إلحاق أضرار جسيمة ببنية حزب الله التحتية وردٍّ كبير فى ضاحية بيروت الجنوبية، لكن فى لحظة الحقيقة، تبيّن أن القرارات لا تُتخذ فى القدس فقط.
إنه ليس انتقادًا للولايات المتحدة، بل لنا نحن؛ فالدولة ذات السيادة لا يمكنها أن تسمح بوضع يعتقد فيه أعداؤها أن الطريق إلى وقف أى تحرّك إسرائيلى يمرّ عبر واشنطن. فعندما يستنتج حزب الله وإيران وجِهات أخرى فى المنطقة أن الضغوط الدولية قادرة على كبح إسرائيل، حتى عندما يتعرض مواطنوها للهجوم، يتولد ضررٌ تراكمى لقدرة الردع، وأحيانًا، يكون هذا الضرر أكبر من أى إنجاز تكتيكى فى ساحة المعركة.
ولتجنُّب أى لبس، أنا لا أدعو إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن، فإسرائيل تحتاج إلى الولايات المتحدة، والولايات المتحدة تحتاج إلى إسرائيل. لقد اجتاز هذا التحالف اختبارات صعبة على مدى عقود طويلة، وهو حيوى لأمننا القومى، لكن الصداقة الحقيقية تقوم على الشراكة، وليس على التبعية المطلقة. فالصداقة الصادقة تسمح أيضًا بالخلافات، وتسمح لدولة بأن تقول للأُخرى: نحن نصغى إلى نصائحكم، ونحترم موقفكم، لكن مسئولية حماية حياة مواطنينا تقع على عاتقنا.
وهذه هى النقطة التى يجب أن تكون إسرائيل أكثر وضوحًا بشأنها. فلا يمكن أن يخضع كلّ قرار أمنى للضغوط السياسية، ولا يحتاج كلّ تحرُّك عسكرى إلى موافقة دولية. إن الوضع فى الشمال هو بالضبط اللحظة التى تضطر فيها الدولة إلى اتخاذ قرارات صعبة، لأنه لا يوجد خيار آخر أمامها. فهذه حياة جنودنا وحياة سكاننا، وليست حياة أى طرف أجنبى آخر.
وهناك أيضًا رسالة مهمة يجب أن تصل إلى حلفائنا. إسرائيل لا تطلب من الآخرين خوض حروبها، نيابة عنها. فجنودنا هم الذين يقفون على خطوط المواجهة، وعائلاتنا هى التى تعيش تحت التهديد، ومواطنونا هم الذين يتحملون العبء الاقتصادى والاجتماعى للمعركة المستمرة.
إن التحدى الأكبر الذى ستواجهه إسرائيل فى الأعوام المقبلة لا يقتصر على هزيمة حزب الله، أو «حماس»، أو إيران، بل سيتمثل أيضًا فى الحفاظ على تحالفاتنا الحيوية، من دون فقدان استقلالية اتخاذ القرار، وفى معرفة كيفية الاستناد إلى الأصدقاء، من دون التحول إلى تابعين لهم. ففى نهاية المطاف، مواطنو إسرائيل هم الذين يرسلون أبناءهم وبناتهم للدفاع عن الدولة، وهم الذين يدفعون ثمن الحرب وصافرات الإنذار وحالة عدم اليقين؛ لذلك، يجب أن تُتخذ القرارات المتعلقة بأمنهم فى القدس، انطلاقًا من المسئولية الوطنية، وليس فى أى مكان آخر فى العالم.
يديعوت أحرونوت
مؤسسة الدراسات الفلسطينية