لدى قراءة التحقيق الذى أعدّه ميخائيل هاوزر طوف، الذى تناول طريقة التخطيط وإدارة المعركة ضد إيران «زئير الأسد»، يستحضر إلى الذاكرة الفيلم البريطانى الساخر «الفأر الذى زأر (1959)»؛ يروى الفيلم قصة دوقية أوروبية صغيرة تعلن الحرب على الولايات المتحدة كى تُهزم وتحصل على أموال إعادة الإعمار (لكنها تنتصر بالخطأ فى الفيلم؛ أمّا نحن، فى الواقع، خسرنا خسارة كبيرة، وإن كان المنطق العبثى متشابهًا).
يجسد بيتر سيلرز فيه ثلاثة أدوار، وفى النسخة السينمائية من قصتنا، كان سيلرز سيؤدى أدوار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ورئيس الموساد دادى برنياع، والرئيس الأمريكى دونالد ترامب. ربما يكون العنوان المناسب للنسخة الإسرائيلية هو "الأسد الذى زأر"، لكن الأنسب ربما هو "برل وشمرل يصنعان ثورة".
هذه ليست قصة عن سوء حظ، أو إخفاق عارض، بل عن أفعال مقصودة، وعن عملية منظمة إلى حد بعيد (بالمعايير الإسرائيلية)، تتحمل مسئوليتها منظومة كاملة ومَن يقفون على رأسها. والضرر الذى لحِق بأمن إسرائيل، وبمكانتها الدولية، هائل، ولا يقل عن الضرر الذى تسبّبت به "مذبحة" السابع من أكتوبر. نتج هذا الضرر من إخفاقات متجذرة فى الثقافة الإسرائيلية وأساليب التفكير السائدة فيها.
الإخفاق الأول هو الاتكال على الجهل. كيف خطر فى بال أحد أنه يمكن، بواسطة بضعة آلاف من المقاتلين الأكراد (الذين رفضوا، بحكمة، أن يكونوا وقودًا للمدافع فى هذه المغامرة)، وشخص واحد فى طهران، و«منظومة تأثير» قائمة على سحر رقمى، فرض تغيير للنظام فى دولة مساحتها أكبر من مساحة إسرائيل بـ74 ضعفًا، ويخدم فى جيشها وحرسها الثورى نحو مليون شخص؟ أين نجح مثل هذا الأمر، حتى فى ظروف كانت أكثر ملاءمةً بكثير؟ لم ينجح مع الولايات المتحدة فى خليج الخنازير، ولا مع إسرائيل فى لبنان (حيث وضع الموساد أيضًا تلك الخطة الخيالية)، ولا لدى الأمريكيين، أو الروس، فى أفغانستان؛ لكن فى إسرائيل، يفضلون تمضية ساعات فى التحديق بصور الأقمار الصناعية وجداول الطلعات الجوية، ولا يخصصون أى وقت لاستخلاص العبر التاريخية، أو للاحتكام إلى المنطق البسيط.
الإخفاق الثانى هو الجبن؛ كل مَن يشك يلتزم الصمت، فالوزراء والضباط والمطّلعون على الأسرار يرون أن بنيامين نتنياهو مصمم على المضى قدمًا؛ بعضهم ينسحب إلى الظل، وآخرون يتعاونون؛ فلماذا يدخلون فى مواجهة مع رئيس الوزراء ويخاطرون بالغياب عن مراسم توزيع الأوسمة فى حال نجحت الخطة بالصدفة؟ صحيح أن هذا يحدث أيضًا فى الولايات المتحدة، حيث يعتقد الجميع أن المشروع برمته «هراء»، على حد تعبير وزير الخارجية ماركو روبيو، لكنهم مع ذلك، يسايرون أوهام ترامب، لكن الثمن الذى ندفعه نحن أكبر كثيرًا.
الإخفاق الثالث هو الهواية وعدم الحرفية؛ فعندما فشلت الخطة الأولى قبل أن تبدأ، أمر برنياع بإعداد خطة بديلة خلال 48 ساعة، وعلى الرغم من أنه كان واضحًا منذ البداية أن ترامب ربما يوقف كل شيء فى لحظة واحدة (على غرار ما فعل فى يونيو 2025)، لم يضع أحد خطة للتعامل مع هذا الاحتمال، ولم يحدد أهدافًا واقعية قابلة للتحقيق أو استراتيجيًا إعلامية تخفف من سقف التوقعات.
أمّا الإخفاق الأخير، وهو الأكثر مدعاةً للأسف، فهو أن كل هذه الإخفاقات لا يترتب عليها أى ثمن؛ فهناك 68% من الإسرائيليين المُنهكين، الذين أغرقتهم الخطابات عن التهديدات الوجودية واقتراب المحرقة، يؤيدون شن حملة عسكرية جديدة (على الرغم أن استطلاعًا أجراه معهد دراسات الأمن القومى الإسرائيلى (INSS) فى يوليو أظهر أن 37% من المشاركين فيه قالوا إن إيران هى التى انتصرت، بينما رأى 15% فقط أن إسرائيل هى المنتصرة)؛ أمّا وسائل الإعلام، فتواصل التغنى بـ«الإنجازات العسكرية»، والمعارضة صفقت فى البداية، ثم بدأت تقول إنها كانت ستنفّذ العملية بصورة أفضل وأقوى.
لقد اندفع نتنياهو بدافع وهمٍ، مفاده بأن تحقيق نصر ساحق على إيران سيمحو خطاياه وينقذه، سياسيًا وشخصيًا. وكان ينبغى له ولبرنياع مغادرة منصبيهما بخزيٍ وعار. لكن مَن يعتقد أن هذا وحده، أو أن لجنة تحقيق توصى بحل تنظيمى، كفيل بمعالجة العلل التى أفضت إلى هذا الإخفاق، فإنه يتهاون مع نفسه ومعنا.
عوفر شيلح
هآرتس
مؤسسة الدراسات الفلسطينية