باب المندب على صفيح ساخن.. هل يحتاج إلى «ملقا» قبل أن يسبقنا الكبار؟ - معتمر أمين - بوابة الشروق
الجمعة 17 يوليه 2026 7:40 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من بطل مونديال 2026 ؟

باب المندب على صفيح ساخن.. هل يحتاج إلى «ملقا» قبل أن يسبقنا الكبار؟

نشر فى : الجمعة 17 يوليه 2026 - 6:35 م | آخر تحديث : الجمعة 17 يوليه 2026 - 6:35 م

منذ اعتراف إسرائيل، فى أواخر ديسمبر 2025، بصوماليلاند، لم يعد الحديث عن القرن الإفريقى حديثًا عن نزاع انفصالى محلى، بل تحوّل إلى فصل جديد من فصول التنافس الدولى على واحد من أهم وأخطر الممرات البحرية فى العالم. فحين أقرّت صوماليلاند، بعد ذلك بأشهر، اتفاقًا استراتيجيًا يمنح إسرائيل موطئ قدم عسكريًا وبحريًا فى ميناء ومطار بربرة، لم يكن ذلك تفصيلًا عابرًا بل إعلانًا عمليًا عن ولادة ما بات يوصف بـ«محور بربرة»، الذى يضم إسرائيل وإثيوبيا، ودول أخرى فى المنطقة إضافة إلى الهند التى تُعدّ شريكًا ناشئًا أو محتملًا.


ضمن هذا المحور عبر تعاون تقنى وأمنى، وذلك فى مواجهة محور مقديشو الذى تقوده مصر إلى جانب الصومال وتركيا والسعودية.


* • •
هذا الاصطفاف لم يأتِ من فراغ. فإثيوبيا، الدولة الحبيسة الأكبر سكانًا فى القرن الإفريقى، ما زالت تبحث عن منفذ بحرى دائم منذ فقدت ساحلها مع استقلال إريتريا عام 1993. جاءت خطوتها الأولى فى هذا المسار عبر مذكرة تفاهم وقّعتها مع صوماليلاند عام 2024، ثم تصاعدت اللهجة الإثيوبية تدريجيًا حتى بلغت ذروتها فى 15 يوليو 2026، بتصريح رئيس الوزراء آبى أحمد بأن فقدان بلاده منفذها البحرى كان نتاج "ضعف داخلي" لا "قوة خارجية"، وكأنه ينادى بوحدة الصف الداخلى فى مواجهة الخارج. وهذه إشارة إلى تحوّل الخطاب الإثيوبى من الدبلوماسية إلى الضغط، تُرجمت فى تصعيد التوتر قرب الحدود الإريترية مقابل ميناء عصب، الذى لا يبعد سوى 60 كم عن الحدود الإثيوبية. وفى مواجهة هذا الزخم، تحرّكت مصر بالتوازى، فوقّعت اتفاقية نقل بحرى وموانئ شاملة مع الصومال فى يوليو 2026، أعقبت اتفاقًا مشابهًا وقّعته مع إريتريا فى مايو الماضى، فى محاولة واضحة لمحاصرة الطموحات البحرية الإثيوبية دبلوماسيًا، كخطوة أولى.


فهل نتوقع تصعيدًا فعليًا عند باب المندب؟ الإجابة تصبح أكثر إلحاحًا إذا قارنّا المشهد الإفريقى بما يجرى على الضفة الشرقية للمضيق، حيث يتكشف نمط مشابه، لكنه أكثر تعقيدًا. فما يدور على الساحل اليمنى السعودى ليس تفاعلًا ثنائيًا بين الحوثيين والرياض، بل يشمل إيران والإمارات، فى سياق صراع أوسع يمتد من هرمز إلى باب المندب. وتكشف حادثة مطار صنعاء الأخيرة - منع طائرة إيرانية من الهبوط عبر ضرب المدرج، ورد الحوثيين باستهداف مطار أبها وتهديدهم بضرب مطارات الرياض وجدة والدمام - أن الرسائل العسكرية بين الأطراف باتت أداة تفاوض معتادة، لا حادثًا استثنائيًا.


والمفارقة أن الولايات المتحدة نفسها جرّبت الحسم العسكرى مع الحوثيين ولم تنجح فيه؛ فالحملة الجوية الأمريكية التى شُنّت بين مارس ومايو 2025 لم تُفلح فى كسر قدرة الجماعة على تهديد الملاحة، وانتهت بهدنة لم تحسم الجذور. وهذا يعنى أن أى تدخل أمريكى مستقبلى فى باب المندب لن يكون، بالضرورة، حاسمًا، حتى مع الوجود الإسرائيلى المتنامى عبر بربرة. لكن ما يُبقى احتمال التصعيد قائمًا هو التحول الذى شهده حلف الناتو فى قمته الأخيرة بأنقرة (7-8 يوليو 2026)، والتى أطلقت عليها الأمانة العامة اسم «الناتو 3.0»: مرحلة تعيد فيها الولايات المتحدة توزيع الأعباء الدفاعية على حلفائها الأوروبيين، مع تركيز أمريكى متزايد على «الردع الاستراتيجى» فى ملفات الشرق الأوسط، وعلى رأسها أمن الملاحة فى هرمز، وبالتبعية باب المندب. هذا التحول، مقترنًا بحضور إسرائيلى وأمريكى فعلى فى القرن الإفريقى عبر بربرة، ينبئ باستمرار التصعيد، لا تهدئته. ويرى مراقبون أن تفعيل هذه المرحلة الجديدة من الحلف يعنى، عمليًا، أن ملفات الأمن البحرى فى الشرق الأوسط لم تعد شأنًا أمريكيًا خالصًا، وإذا صحت هذه القراءة، فإن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا.


* • •
هذا التزامن بين جبهتين متوترتين يضع الحديث عن التسوية موضع شك، فالبيئة السائدة ليست تصالحية، بل يتصاعد فيها العداء المتبادل، وتغذيه تحالفات متقاطعة. وهذا يقود إلى السؤال الثانى: هل نشهد صراعًا فى القرن الإفريقى على ترتيب مدخل البحر الأحمر؟ الوقائع تُرجّح ذلك؛ فمفوضية الاتحاد الإفريقى وهيئة "إيغاد" عبّرتا مرارًا عن قلقهما من أن الاعترافات الأحادية أو صفقات الموانئ قد تقوّض استقرار المنطقة، وبادرت جامعة الدول العربية بعقد اجتماع طارئ أدانت خلاله اعتراف إسرائيل بصوماليلاند بأشد العبارات، وانضمت إليها 21 دولة، إضافة إلى منظمة التعاون الإسلامى، فى بيان مشترك رافض. هذا الإجماع لا يعكس مجرد تضامن دبلوماسى شكلى، بل يكشف عن إدراك جماعى بأن ما يجرى فى القرن الإفريقى قابل للتكرار فى مناطق انفصالية أخرى، من جنوب اليمن إلى شرق ليبيا.


وهنا تكمن خطورة المشهد المزدوج: حين يتعذر على الدول المشاطئة، من الجانبين الإفريقى والعربى، التوافق على إطار تعاونى لإدارة المضيق بسبب انشغالها بصراعات وتحالفات متنافسة، فإن الفراغ الناتج لا يبقى فارغًا، بل يُملأ بتدخل قوى كبرى من خارج الإقليم. وهذا يقودنا إلى السؤال الثالث: لماذا لا تبادر الدول المتشاطئة إلى إنشاء منظومة إدارة جماعية للمضيق على غرار ترتيبات مضيق ملقا، قبل أن تتدخل القوى الكبرى؟ فمضيق ملقا، الذى يعبره أكثر من 60 ألف سفينة سنويًا، وينقل ربع التجارة العالمية، يُدار تعاونيًا من قِبل إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، برسوم خدمات اختيارية لا إلزامية.


فى المقابل، يقدّم مضيق هرمز اليوم النموذج المضاد. فتلويح واشنطن بفرض رسوم عبور تصل إلى 20% من قيمة حمولة السفن، وإصرار إيران على رسوم خدمات إجبارية، يأتيان وسط تبادل ضربات يطال ناقلات نفط بمئات ملايين الدولارات. هذا السيناريو، إن تكرر فى باب المندب، لن يقتصر على تدخل واشنطن وحليفتها إسرائيل، بل يفتح الباب أمام الصين، التى تدرك جيدًا أن طريق الحرير البحرى رهين بأمن هذا الممر. وتزيد قاعدة الصين العسكرية فى جيبوتى، المطلة مباشرة على باب المندب، من حساسية المعادلة، إذ تملك بكين بالفعل موطئ قدم دائمًا فى المضيق يخولها متابعة أى تطور عن كثب، ويجعلها لاعبًا صامتًا، لكنه حاضر فى أى ترتيبات مستقبلية لإدارة الممر. كذلك لا يمكن إغفال القلق الأوروبى المتصاعد، إذ تعتمد دول الاتحاد الأوروبى على باب المندب فى جزء كبير من تجارتها مع آسيا عبر قناة السويس، وأى اضطراب فيه ينعكس مباشرة على سلاسل الإمداد الأوروبية. ويزيد المشهد تعقيدًا أن تركيا نفسها - مضيفة قمة «الناتو 3.0» - تقف فى «محور مقديشو» المناهض لحلفاء واشنطن فى بربرة، ما قد يضع أنقرة وواشنطن فى مواقف متعارضة داخل الحلف الواحد عند أى أزمة فعلية فى المضيق، أو هكذا يبدو.


فبدلًا من ترك باب المندب ساحة مفتوحة لتنافس المحاور وتغوّل قوى دولية متعددة ومتناقضة المصالح، حتى داخل تحالفاتها، تملك مصر والسعودية والسودان واليمن وإريتريا وجيبوتى والصومال فرصة، وإن كانت ضيقة، لتأسيس إطار إقليمى جماعى يحفظ لها القرار.

 

باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية

 

معتمر أمين باحث في مجال السياسة والعلاقات الدولية
التعليقات