هل نستطيع أن نقول إن التكنولوجيا تحل المشكلات الأقل أهمية لنا؟
ما نوع المشكلات التى تحلها التكنولوجيا؟
هل التقدم التكنولوجى هو أيضا تقدم إنسانى؟
إذا نظرنا حولنا جيدا سنجد أن التكنولوجيا تتقدم بخطى متسارعة، لكن سعادة البشر لا تتقدم بنفس السرعة، أو لا تتقدم أصلا، بل تتأخر فى بعض الفترات، ما السبب؟ عندما تتحدث مع الناس تجدهم يتحسرون على «الزمن الجميل» أى الزمن الماضى.
التكنولوجيا هى أداة، هذه الأداة تساعد فى بعض المهام، وقد تكون سببا فى زيادة المشكلات مثل ألعاب الكمبيوتر التى بلا هدف، أو الإفراط فى استخدام مواقع التواصل الاجتماعى التى تؤدى إلى قلة التركيز وزيادة انتشار الشائعات والأخبار المكذوبة والاستقطاب بالإضافة إلى مقارنة الناس ببعضها ودفع الناس إلى التجمل فى هذه المواقع.
الأهم أن التكنولوجيا قد «تلهينا» عن التفكر فى القضايا المهمة التى تهم الجنس البشرى، هذه القضايا تقع فى نطاق الإنسانيات، على سبيل المثال: الناس الآن تبحث عن المهارات التى تجعلها تحصل على عمل فى الشركات الكبرى العابرة للقارات والتى لا تهتم إلا بزيادة أرباحها، هذه المهارات هى فى الأساس متعلقة بالتكنولوجيا مثل البرمجة وتصميم الحاسبات وتصميم الخوارزميات إلخ، وعندما يعمل الشخص فى الشركات الكبرى يكون «كالثور فى الساقية» حتى يشترى الفيلا والسيارة ويضمن المدارس الانترناشيونال لأولاده ويضمن فلوس المعاش، أى أهداف مادية بحتة، لكن ستجد أغلب الناس لا تحس بالرضا، يجب ألا نغفل أن تلك الشركات عابرة القارات هى نتاج التكنولوجيا المتقدمة سواء تكنولوجيا التصنيع أو النقل أو الاتصالات إلخ.
هل المتهم هو التكنولوجيا؟ مقال اليوم يتحدث فى هذا الموضوع: هل التكنولوجيا تؤدى فعلا إلى رفاهية وسعادة البشر؟

• • •
التكنولوجيا وأنواع المشكلات
فى العالم الذى نعيش فيه هناك نوعان من المشكلات: مشكلات يمكن تعريفها بدقة وقياس كفاءة الحل، ومشكلات عصية على التعريف بدقة ومن الصعب جدا إيجاد حلول نهائية لها لأنه يصعب قياس كفاءة تلك الحلول، وهذا النوع الثانى هو ما نطلق عليه المشكلات الإنسانية، إيجاد علاج لمرض ما هو مشكلة من النوع الأول، لكن زيادة الشعور بالرضا عند مجموعة من الناس مشكلة من النوع الثانى. أمثلة أخرى من النوع الأول من المشكلات: سرعة البحث فى الانترنت، سرعة نقل البيانات، دقة وسرعة الترجمة الفورية، إيجاد علاج لمرض معين إلخ. نستطيع أن نقول إن نطاق عمل التكنولوجيا يتمحور حول الأرخص والأسرع والأكثر كفاءة.
المشكلات «الإنسانية» لا تستطيع التكنولوجيا حلها لأنه لا يمكن قياسها وفى بعض الأحيان لا يمكن حتى تعريفها بدقة، بل إنه فى بعض الأحيان تساعد التكنولوجيا على تفاقم المشكلات الانسانية، مثلا التكنولوجيا لا تساعد على إيجاد معنى وهدف للحياة، فهذا ينبع من ثقافتك وإيمانك وتفكيرك، التكنولوجيا لا تعطى الحكمة، بل تعطيك كما كبيرا من البيانات والمعلومات التى قد تجعلك تغرق فيها ولا تصل لشىء، التكنولوجيا لا تساعد على التغلب على الوحدة، بل قد تجعلك تخسر حياتك الاجتماعية وتظل حبيس الشاشات.
أمثلة أخرى من المشكلات التى لا تستطيع التكنولوجيا حلها:
• ما الحد الصحى للفضول؟
• هل أسامح هذا الشخص على ما اقترفه فى حقى؟
• كيف أشعر بالرضا؟
أما والأمر كذلك ماذا نفعل حتى لا نظل نترحم على الزمن الماضى الجميل التى كانت التكنولوجيا أقل لكن الإنسان أسعد حسبما قرأنا وسمعنا.

• • •
ماذا نفعل؟
حتى نعرف ماذا نفعل يجب أن نعترف بعدة أشياء:
• أننا نخلط بين التقدم التكنولوجى والتقدم البشرى، بمعنى آخر لا يمكن وصف المشكلات المتعلقة بالإنسان مثل الحكمة والرضا والسعادة بطريقة هندسية حتى تتمكن التكنولوجيا من حلها.
• المشكلات «الإنسانية» (الرضا والسعادة والمعنى إلخ) أصعب فى حلها جدا من المشكلات التكنولوجية، لذلك نركز على حل الأسهل.
• الإنسان بطبعه متسرع ويريد الحلول التى تعطى أُكُلها فى مدة بسيطة، هذا نجده فى التكنولوجيا وليس فى المشكلات الإنسانية.
• نحن نعيش فى عصر يتحكم فيه الاقتصاد فى كل شىء.
لا أستطيع أن أقول إنى أمتلك الإجابة النهائية، لكن هناك عدة خطوات يمكننا البدء بها، أولا يجب أن نكون صرحاء فى المشكلات الصعبة التى نواجهها والتى لا تستطيع التكنولوجيا حلها، ثانيا يجب أن نطلب مشورة خبراء العلوم الإنسانية فى تلك المشكلات ونكون مستعدين لطريق طويل من المحاولات ولا نتعجل الوصول، بل نكون مستعدين للفشل ومعاودة المحاولة، ثالثا لا نجعل المادة (أى المال) هو الهدف الوحيد، بل نكون مستعدين أن نتنازل عن بعض المال من أجل الجلوس مع الأهل والأصدقاء، أو الاهتمام ببعض الهوايات، إلخ، طبعا هناك حد أدنى من الدخل لا نستطيع التنازل عنه وإلا ستتفاقم المشكلات الإنسانية، لكنى أتكلم عن التخلى عن عبارات من نوعية «البحر يحب الزيادة» و«لازم نكون مستعدين للمستقبل»، فأنت بهذه العبارة تستعد للمستقبل مقابل التضحية بالحاضر.

• • •
التكنولوجيا تساعد على حل المشكلات التى يمكن قياسها، لكن المشكلات الأصعب بالنسبة للجنس البشرى والتى فى الغالب تمثل السد بين السعادة والشقاء يصعب على التكنولوجيا حلها، ويجب أن نحلها بأنفسنا، وأولى خطوات الحل أن نعرف حدود التكنولوجيا وماهية المشكلات المهمة بالنسبة لنا كبشر.