جلال داخلى.. المعلم والمربى.. وداعًا - ناجح إبراهيم - بوابة الشروق
الجمعة 17 يوليه 2026 8:05 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من بطل مونديال 2026 ؟

جلال داخلى.. المعلم والمربى.. وداعًا

نشر فى : الجمعة 17 يوليه 2026 - 6:45 م | آخر تحديث : الجمعة 17 يوليه 2026 - 6:45 م

• فى جنازة مهيبة أغلقت شوارع مدينتنا الغالية ديروط، وودعته البلدة عن بكرة أبيها حبًا ووفاءً وعرفانًا ومودةً لهذا المربى الفذ، وهذا المعلم الأسطورى الذى وهب حياته كلها لتعليم عدة أجيال اللغة الإنجليزية والقرآن الكريم.


• كان أشهر مدرس للغة الإنجليزية فى بلدتنا الحبيبة، ومن أشهر محفظى القرآن الكريم مجانًا. تلاميذه الآن فى كل المناصب العليا، وفى كل المجالات: أطباء، ومهندسون، وضباط شرطة وجيش، وقضاة، ورجال نيابة كبار، كلهم يعرفون فضله؛ لأنه كان يعطى الفقراء والأيتام من الطلاب مجانًا، ويدرس فى المدرسة أفضل من أى مكان، وتنقل بين كل مدارس ديروط الثانوية.


• كان عبقريًا فى اللغة الإنجليزية، وفارسًا مغوارًا فى تلاوة القرآن ودراسته، حتى إنه كان يطرح ألغازًا علمية فى الإنجليزية أو القرآن فى غرفة مدرسى اللغة الإنجليزية.


• كان يصلى الصلوات الخمس فى المسجد مهما كانت ظروفه الصحية، وكان يخطب بانتظام فى مسجد التوحيد، وكان يعطى الدروس الدينية عبر وسائل التواصل باللغة العربية والإنجليزية معًا.


• لم تشهد ديروط رجلًا عابدًا مثله، فإن لم يكن يدرس الإنجليزية، فهو يحفظ القرآن أو يذكر الله. لم تفته قيام الليل ولا صلاة الفجر فى المسجد أبدًا إلا إذا كان مريضًا.


• مرض فصبر صبرًا جميلًا، وتفاقم مرض السكر حتى بُتر مشط قدمه اليمنى، وضعف بصره، ثم أصيب بسرطان البنكرياس، فنال الشهادة التى كان يرجوها: «المبطون شهيد».


• لم ينقطع عن المسجد حتى بعد البتر، وكان يمكث فيه من الفجر إلى الشروق كما تعود طوال عمره.


• سار المرحوم جلال داخلى على نهج أعظم رجلين فى ديروط حافظا على حلقات القرآن، وهما من رجالات التعليم: محمد أبو شامة، ويوسف عبد الحكيم، رحمهما الله، وكلاهما من أعظم المربين، وأولادهما كانوا من أساتذة الجامعات الكبار.


• كان المرحوم جلال، مثل أسرته جميعًا، يملك صوتًا رائعًا وهو يصلى بالناس أو يؤذن، وكان يفتح المسجد بنفسه قبل الفجر.


• أى عزيمة تلك التى تقوم بكل هذه العزائم: التدريس، والتربية، والخطابة، والإمامة، والذكر، والعبادة، والإصلاح بين الناس، والزهد، والورع، والرفق، والرحمة، والحكمة، والصبر على المرض والبتر والسرطان، وضعف النظر، والتواضع، وخفض الجناح، والتغافل.


• لقد كان، رحمه الله، يملك إرادة فولاذية وعزيمة تهزم المحال، وكان يصدق فيه قول السلف: «ذو همة يحيى أمة».


• كان من جيل السبعينيات، ذلك الجيل المصرى المتفرد فى كل شىء، بكل تياراته، لكن الرجل الذى أحب الجميع وأحبه الجميع نأى بنفسه عن كل التيارات والجماعات الدينية والسياسية، واختار أن يكون متفرغًا للتعليم والتربية والعبادة وتحفيظ القرآن، ونجح فى رسالته.


• لم يدخل فى خلاف أو خصومة مع أحد، كان يحمل قلبًا نقيًا ونفسًا صافية، لا يكره أحدًا، ولا يحمل حقدًا على أحد.


• قليلة تلك الأماكن التى تذكرك بالجنة حين تدخلها، وقليل منهم من تذكرك رؤيته بالله وتقربك إلى الجنة، ولكن المرحوم جلال كان من المعلمين الربانيين، تقرأ الصدق فى وجهه وكلماته، ورؤيته تذكرك بالله وتقربك من الطاعة، وكلماته العذبة تنفذ إلى قلبك، وتكاد ترى الصحابة حينما تعاشره وتقترب منه. سمته سمت الصالحين، وكلماته ومواقفه وحكمته وحركاته وسكناته ترى فيها حب الرسول، وتتحسس سنته فى كل تصرفاته، بدءًا من الطريق إلى المسجد وحتى نهاية الصلاة، وفى دروسه ومواقفه.


• كان يعظم نعم الله وإن قلت، ولا يزدرى أى نعمة مهما صغرت، وكان هينًا لينًا، رفيقًا رقيقًا.


• لم يعرف التفحش يومًا إلى لسانه سبيلًا، ولا القسوة إلى قلبه طريقًا. لم يرد يومًا إساءة الآخرين بإساءة مثلها، وكان فى أصعب الأوقات وأحلك الظروف يتعامل بالرفق واللطف مع المخطئ والغليظ الجافى، فترى الهداية تتدفق مع هذا الرفق. وكان يدفع بالتى هى أحسن، فإذا الذى بينه وبينه عداوة ينقلب إلى ولى حميم.


• كان يعلم تلاميذه فقه الخلاف، وعدم التعجل فى الحكم على الآخرين، وإحسان الظن بالناس، والتماس الأعذار لهم، وكان يردد: «التسامح والعفو والرفق هم الطريق لإصلاح القلوب ورأب الصدع، لا سببًا فى زيادة الفرقة».


• كان أستاذًا فى غرس المحبة فى القلوب بأخلاقه قبل كلماته، وكان طيب اللسان والكلمات، وكانت بسمته تسبقه دومًا، وكان احترام الناس وتقدير ذوى العلم والدين والقرآن والفضل ديدن حياته. وكان المسجد أغلى شىء عنده، وكان يعتبر الصلاة أساس الحياة فى الكون.


• اجتمعت ديروط كلها لتصلى عليه يوم الجمعة، وكان على رأس المصلين شقيقه الداعية الشهير ناصر داخلى، وهو من أئمة الدين فى بلدتنا والقاهرة، طاف معظم الكرة الأرضية داعيًا ومربيًا. كان يقرأ سورة يس على قبره وهو يدفن، وإذا بكروان فوق شجرة على المقابر يغرد مع قراءته، ولم ينته من ألحانه إلا بعد نهاية سورة يس.


• سلام على الداعية والمربى وحامل القرآن العظيم أ. جلال داخلى، فى الصالحين، والأوابين، والعباد، والذاكرين، والشهداء، والصالحين.

التعليقات