مكالمة بطعم جهنم - أسامة غريب - بوابة الشروق
الجمعة 17 يوليه 2026 7:48 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من بطل مونديال 2026 ؟

مكالمة بطعم جهنم

نشر فى : الجمعة 17 يوليه 2026 - 6:40 م | آخر تحديث : الجمعة 17 يوليه 2026 - 6:40 م

فى إحدى بلدان الخليج كنت أقف بجوار الرصيف فى انتظار تاكسى، عندما طرق سمعى صوت مصرى يتحدث صاحبه فى التليفون المحمول بانفعال. كان الصوت عاليًا بدرجة ملحوظة ووضح انهماك صاحبه فى المكالمة لدرجة عزلته عما حوله وجعلته لا يلاحظ أنه اقترب منى، وأصبح يقف إلى جانبى مستندًا إلى إحدى السيارات. رأيت وجهه يحتقن بشدة وهو يقول: «يا بنت الناس كلمينى كويس.. عندما أسألك مالك»، أعطنى إجابة صادقة فى الحال، لا أريد ملاوعة، لا لا تقولى أنك بخير، صوتك لا يدل على أنك بخير.. هل تظنينى لا أعرفك؟ هناك شىء لا تريدين إخبارى به.. قولى لى ما هو حتى لا أجن.


نسيتُ أمر التاكسى الذى أنتظره وأصغيت السمع للمكالمة التى ظهر لى أن صاحبها الشاب يتحدث إلى امرأته فى مصر، وشعرت بتعاطف عجيب مع المتحدث الذى طلب زوجته أو خطيبته ليسألها عن الأحوال فإذا بها تجيبه بلهجة لا تدعو للطمأنينة، ثم لا تريحه وتشرح له ما يكدرها. لقد رأيت فى هذا البلد الكثير من المصريين الذين أتوا سعيًا إلى الرزق بعد أن أغلقت أبوابه فى الوطن، وعرفت مشاكلهم واقتربت من أحزانهم، لكن هذه المكالمة التى هبطت إلى جوارى على الرصيف كانت مدعاة لشعورى بالأسى على هذا الفتى الذى يكاد يسقط صريعًا من فرط الانفعال والاحتقان نتيجة عجزه عن معرفة الحقيقة. هل يا ترى كان تعاطفى معه بسبب أننى مصرى مثله ومغترب مثله؟ لا أدرى، مع أنى فى الحقيقة لست مغتربًا بالمعنى الدرامى المعروف لأن أسرتى تعيش معى ولا أحتاج إلى مكالمة تليفونية تصلنى بها.
استمع الفتى إلى الصوت على الناحية الأخرى ثم رد متسائلًا: هل تعلمين أنك كلما قلتِ لى لا تشغل بالك ازددت انشغالًا، وكلما قلتِ لى مافيش حاجة، أيقنت أن هناك ألف حاجة.. أنا أسألك ببساطة مال صوتك، وعليك أن تقولى لى الحقيقة. قال هذا قبل أن يتحشرج صوته ويغص وهو يقول دامعًا: هل تعرفين أننى هنا أطفح الدم من أجل سداد أقساط الشقة؟ هل تعرفين أننى أعيش عيشة الكلاب وأسكن فى مكان حقير مع أناس لا أعرفهم، ومع ذلك لا أشكو.. إن كل ما أريده منك أن تردى على المكالمة بشكل طبيعى لا يثير ريبتى ولا يحطم أعصابى.. أما وقد رددتِ وقلتِ أنا كويسة بشكل مراوغ مليء بالتنهدات، فالواجب أن تكملى وتحكى لى ما حدث.. هل عاد الرجل إياه إلى مضايقتك من جديد؟ هل يستغل فرصة غيابى ليتودد إليك ويعرض خدماته؟ قولى لى الحقيقة.. نعم؟.. ماذا تقولين؟ ارفعى صوتك فأنا لا أسمعك.


كانت ملحوظته الأخيرة بشأن «الرجل إياه» شديدة الوقع على نفسى فرثيت لهذا المسكين الذى يجاهد وحيدًا فى ظروف سيئة وفى الوقت نفسه تؤرقه فكرة وجود رجل هناك يتحين الفرصة ليوقع بامرأته مستغلًا وحدتها وضعفها. أخذ الشاب يلف حول السيارة وهو يمسك رأسه بيده تارة وينظر إلى السماء تارة أخرى وهو يجز على أسنانه ويعيد على المرأة الأسئلة علّه يظفر منها بما يريحه ويجعله يعود ساكنًا إلى البيت فينام ليطوى ليلة من ليالى الغربة. لم يلحظ الشاب وجودى إلى جانبه ولا أنّ مكالمته لم تعد خاصة بعد أن لفت صوته العالى انتباه الكثيرين على هذا الرصيف.


تذكرت إحدى قصص يوسف إدريس القصيرة التى تحكى عن سجين تزوره زوجته فى السجن، ومن خلف السلك يسألها عن أحوالها فتجيب: الحمد لله. كل منا يعرف الناس القريبين منه ويدرك أن «الحمد لله» السريعة تختلف عن «الحمد لله» الممطوطة، ويفهم أن الرد مع النظر المباشر فى العينين يختلف عن الرد مع النظر إلى الأفق أو إلى الأرض.. كل هذا يفهمه السجين أكثر من غيره. فى قصة يوسف إدريس تمنى السجين لو كان حرًا طليقًا خارج السجن، إذن لاستطاع أن يصل إلى أقصى الأرض حتى يأتى بالحقيقة ويعرف ما الذى يعترى امرأته وما الذى يجعل صوتها مختلفًا هذه المرة، وردها يعلوه الكدر الذى لم تنجح فى إخفائه، أما وجوده فى السجن فيدفعه إلى الجنون نتيجة العجز وقلة الحيلة. والمسافر المتغرب عن أهله مثله مثل السجين بالضبط فى هذا الأمر، فهو تحجبه عن أحبائه قضبان المسافة واختلاط الحقائق بالأوهام فى ذهنه، وقد ترك فى الوطن أناسًا لا يعرف ما فعل بهم الزمن فى غيابه.


أكثر ما يؤلم السجين والمسافر أن كليهما يعلم أن الجميع سيحرص على إخفاء الأخبار السيئة عنه، إذ يكفيه ما هو فيه.. والحقيقة أن هذا بالضبط ما يقتله. لو أنهم يخبرونه بكل شىء دون أن يحرصوا على مشاعره، إذن لحقنوا أدرينالينه الذى ينساب وأعصابه التى تتآكل ودمه الذى يغلى وضغطه الذى يرتفع بينما هو يستجوبهم ويستنطقهم ساعيًا لاستخراج الحقيقة منهم.


إنّ الإمام المُجاهد الذى قال إن منفاى سياحة وسجنى خلوة لم يجرب أن يجرى مكالمة لا تبل الريق مع من يحب، ولم تدهسه زيارة تأتيه فى السجن ثم تنتهى وقد قلبت كيانه وزرعت الشك والقلق فى عروقه. حقًا.. ما أتعس السجين وما أشقى المسافر المتغرب.

أسامة غريب روائي وكاتب ساخر
التعليقات